الحسن على الحركة الإسلامية في مصر وغيرها"أما شرعيا فقتال اليهود فرض على الجماعة ... وهو ما سنفعله إن شاء الله حين التمكين». ولكن متى يحين قتال اليهود؟ أو متى تنتهي مرحلة التمكين؟"
أفردت وثيقة الخلافة صفحات طويلة اشتملت على مسألة الجهاد وأطروحات أخرى معمقة وردت غالبيتها في وثيقة الاعتراف. ومن خلالهما يلاحظ أن الجماعة تشخص الواقع الذي تعيشه بالاستناد إلى فرضيتين:
? فرضية المكان
فالدولة والمجتمع، حيث تتواجد الجماعة المسلمة، - مصر - كافران. وبما أنها الجماعة الوحيدة على منهج القرآن والسنة في هذا العالم فإن القوى المعادية تشمل، إلى جانب الكفار، المنافقون والدول والأمم كافة وفي مقدمتهم اليهود الذين وصفهم القرآن بالـ {أشد عداوة للذين آمنوا} [1] أي الأشد كرها وبغضا، والروم الذين قال عنهم الرسول «أشد الناس على أمتي» أي الأشد قسوة وبطشا. فاليهود منطلقون في علوهم (سواء الأول أو الأخير) إلى غايتهم الهادفة إلى قهر العالم والسيادة عليه. ووسيلتهم في ذلك أن يجعلوا أعداءهم يدمر بعضهم بعضا. وفي إطار هذه الفرضية تماثل الجماعة بين وضعيتها الحالية ووضعية المسلمين الأُوَل فتقرر أنها تعيش في العهد المكي لـ «أن الحركة الإسلامية حين تنشأ تكون قطرة - ليس إلا - في بحر الكفر العالمي قوة وخطة» . وهي بالتالي غير معنية بقتال أحد حتى تحين ساعة التمكين والتي لم تكن، بأي حال، في مكة إنما في المدينة المنورة - يثرب - ولذا لا بد من الهجرة سعيا إلى التمكين.
? فرضية الزمان
تجتهد الجماعة في تقصي المدة الزمنية التي تبشر بقرب أوان الهجرة. ولكنها لا تحدد مكانا لها. وتعتقد أن المدة الزمنية تمثل فترة انتقالية بين أواخر العهد المكي وبداية العهد المدني. وهذه الفترة تقع في «بضع سنين» تترواح بين 3 - 9 سنوات. فمن أين جاء هذا التحديد الزمني؟ بطبيعة الحال من القرآن والسنة النبوية باعتبارهما الحُجَّة الوحيدة للجماعة. ففي وثيقة الخلافة ثمة أهمية خاصة توليها الجماعة لسورة الروم لاسيما فاتحة آياتها: {غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد ... (الآية 2 - 4) } . فقد بشر القرآن بهزيمة الإمبراطورية الفارسية في بضع سنين من هزيمتها النكراء للإمبراطورية الرومانية. لذا راهن الصحابي الجليل أبو بكر الصديق على الحاجة إلى سبع سنين كيما تتمكن «الروم» من إعادة الكرّة وإلحاق الهزيمة بغريمتها «فارس» غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يمدد الرهان إلى تسع سنين. وفعلا تحققت النبوءة القرآنية وهُزمت «فارس» على يد «الروم» . والسبب الثاني في التركيز على سورة الروم أنها نزلت في أواخر العهد المكي ولم يكن بينها وبين السور المدنية سوى سورتي «العنكبوت» و «المطففين» . وما تلاحظه الوثيقة، أيضا، أن هزيمة الروم لفارس أضعفت الإمبراطوريتين وقوَّت شوكة الجماعة الإسلامية التي شرعت في قتال
(1) القرآن الكريم - سورة المائدة، آية 82.