المسألة الأولى: كفر الدولة
تقرر الوثيقة كفر الدولة اعتمادًا على بينة واضحة لا شبهة فيها وهي «التشريع» الذي تحكم به نخبة علمانية تصر عبر الدساتير الوافدة على اعتبار الشعب هو مصدر السيادة ومنح المجالس النيابية صفة المشرع الوحيد. وهكذا فليست الشريعة الإسلامية إلا جزء من مصادر التشريع المتنوعة ذات الجذور الرأسمالية أو الاشتراكية أو الوطنية أو القومية. وعليه فإن التشريعات الصادرة عن المجالس النيابية هي تشريعات باطلة حتى لو داخلتها بعض التلاوين الإسلامية لأن الأساس الذي صدرت منه باطل فضلا عن أن الغالبية منها تخالف الشريعة الإسلامية صراحة وجراءة. أما الدولة نفسها فترفض رفضا باتا تطبيق أحكام الشريعة وهذا ما يجعل منها دولة كافرة عملا بالنص القرآني: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} (سورة المائدة، الآيات: 47,45,44 على التوالي) . ويذكر صالح سرية في رسالته أن الكلمات (الكافرون، الظالمون، الفاسقون) وردت في معنى واحد يلازم الخارج عن شريعة الله وبالتالي فلا يوصف المؤمن بأي منها كما يفعل بعض العلماء أو فقهاء السلف. وزيادة على تكفير الدولة بمؤسساتها السياسية فإن المنظومات الأخلاقية والقيمية السائدة والناجمة عن أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية الهجينة ليست سوى مبررات للتكفير بما في ذلك بعض الشرائح الاجتماعية والثقافية وفي مقدمتها العلماء المسلمين الذين أوجدتهم الدولة لتشريع سياستها وإجراءاتها وقوانينها الهادفة إلى المحافظة على الوضع القائم. لذا فإن الوثيقة تصر على مماثلة حالة المسلمين اليوم والدولة التي يعيشون بين ظهرانيها بسابقتين في التاريخ الإسلامي:
1.حالة المسلمين زمن حكم التتار الذين غزوا البلاد الإسلامية، ولما دخلوا الإسلام حكموا أهله بمقتضى شريعة «الياسق» ، وهو كتاب وضعه «جنكيز خان» في القرن السابع الهجري وحكم به المسلمين، وبعد وفاته تولى أبناءه الحكم به. واشتمل على أحكام «اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير» [1] . وهذه السابقة تعد أول محاولة في تاريخ الدولة الإسلامية كله التي يتم فيها فصل الدين عن الحياة [2] .
2.حالة المسلمين في بلدة «ماردين» . فقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفتاوى (الجزء الرابع - كتاب الجهاد) عن الحكم الشرعي في سكان البلدة التي كانت تحكم بحكم الإسلام ثم تولى أمرها أناس أقاموا فيها حكم الكفر، هل هي دار حرب أو سلم؟ فأجاب أنها «دار مركبة» فيها المعنيان فهي ليست بمنزلة دار السلم التي
(1) للمقارنة يمكن العودة إلى: النبي المسلح.- الثائرون (2) - وثيقة الإحياء الإسلامي - حاشية 50، ص 240. إذ ثمة فتاوى إسلامية لابن كثير وابن تيمية وابن القيم الجوزية فيما يتعلق بالخروج على"حاكمية الله".
(2) نفس المرجع.- نفس الوثيقة.