فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 413

للنظام يستحق العقوبة و"التأديب"... ومنذ ذلك الحين أصبحت كلمة"لاجئ"أبغض كلمة في قاموس اللغة العربية على قلب الإنسان الفلسطيني لما أضحت توحي به من معاني القهر والسحق والإذلال». ولم يشعر اللاجئون آنذاك بعبء الهوية الفلسطينية في البلدان العربية مثلما شعر به اللاجئون في لبنان حيث بلغ الاضطهاد السياسي مداه، واشتمل على سلوكيات بوليسية قمعية شديدة ونظرة تحقيرية بالغة شارك في الترويج لها بين المواطنين اللبنانيين قوى سياسية واجتماعية (جهدت في نزع الآدمية عن «الجسد» الفلسطيني) . وقد ولدَّت هذه السياسة في الدول العربية عمومًا وفي لبنان خصوصًا «مشاعر مريرة في نفس الفلسطيني التائه، من بعض جوانبها عقدة الإحساس بالاضطهاد» [1] والتي ما زالت تلازمه حتى الآن.

إذن، ومثلما كان المناخ السائد غداة النكبة، وخلال العقد الأول منها، يعبر عن قلق اجتماعي فقد عبر في الوقت نفسه عن قلق سياسي متنام تمثل في اختراق الحراك السياسي للتشكيلات الاجتماعية كافة لاسيما الطلبة والمثقفين منها، وليس لشرائح النخبة فحسب. ولما كان محظورًا على الفلسطينيين ممارسة أو تنظيم أي نشاط سياسي في الدول العربية فقد اتجه هؤلاء إلى ولوج النافذة الوحيدة المتاحة فاندرجوا في الأحزاب السياسية العربية مفضلين منها الأكثر قربًا لقضيتهم أو تعبيرًا عن آمالهم وطموحاتهم، فتنقلوا بين الحركات الدينية كجماعة «الإخوان المسلمين» أو الأحزاب القومية كحركة القوميين العرب وأحزاب البعث وحتى بين الأحزاب اليسارية كالأحزاب الشيوعية وذات التوجه الاشتراكي فضلًا عن التنظيمات السرية كحركة «فتح» أو العلنية كالمؤسسات النقابية والإعلامية والعلمية والتعليمية.

وفي خضم المد القومي الجارف لاسيما بعد فشل الحملة العسكرية الإسرائيلية الفرنسية البريطانية على مصر سنة 1956 على خلفية تأميم قناة السويس ثم إعلان دولة الوحدة بين مصر وسوريا، ولدت فكرة «الكيان الفلسطيني» الذي عبرت عن بذوره الأولى حركة «فتح» في شهر تشرين أول أكتوبر سنة 1959من على صفحات مجلة «فلسطيننا» الناطقة باسمها حين دعت إلى دور خاص ومتميز للفلسطينيين وإلى استغلال العمل الوطني الفلسطيني في إطار النضال العربي الشامل. غير أن الرسمية العربية كانت قد سبقتها في الكشف عن هوية هذا الدور الخاص لما تبنى مجلس جامعة الدول العربية في دورته الحادية والثلاثين 9 آذار/ مارس سنة 1959عدة قرارات مفاجئة تتعلق بالشعب الفلسطيني جرى تبنيها إثر توصية قدمها وفد الجمهورية العربية المتحدة نص القرار الأول منها على: «إعادة تنظيم الشعب الفلسطيني وإبراز كيانه شعبًا موحدًا لا مجرد لاجئين يسمع العالم صوته في المجال القومي وعلى الصعيد الدولي بواسطة ممثلين يختارهم» .

وعبر صيرورة أيديولوجية صدرت في سلسلة من المقالات في مجلة «فلسطيننا» تطور محتوى الكيان على نحو واضح. إلا أن دعمًا مصريًا خاصًا هو الذي أدى إلى بعثه للوجود سنة 1964 في إطار مؤسسي عرف مذاك بـ «منظمة التحرير الفلسطينية» (م. ت. ف/ المنظمة / المركزية الفلسطينية) . وفي أعقاب المؤتمر التأسيسي

(1) الحوت (شفيق) .- الفلسطيني بين التيه والدولة - بلا ناشر - بيروت، لبنان - تاريح المقدمة، 1977.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت