ومن الواضح أن صيغة البيان تنم عن خلافات بين المنظمات مثلما تنم عن اتفاق بضرورة البحث عن «أرض مشتركة» . غير أن هذه «الأرض» لم تكن ملائمة للنشاط الفدائي بسبب اختلاف المنطلقات الفكرية والأيديولوجية فيما بين المنظمة والمنظمات الفدائية من جهة وفيما بين المنظمات إياها من جهة ثانية أو لأسباب أخرى. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى التراجع المضطرد في «العمل الفدائي» [1] ضد إسرائيل وانحسار التأييد الشعبي وصولًا إلى خسارة الأردن ساحة العمل الرئيس لشعار الكفاح المسلح وحظر العمل الفدائي انطلاقًا من الأراضي السورية وأخيرًا التقوقع في لبنان. وهناك انفجرت الأزمة وتعرى الفكر السياسي والأيديولوجي عبر سلسلة طويلة من الحوارات بين القيادات الفلسطينية ومفكري الثورة الفلسطينية والعرب أو عبر المقالات فضلًا عن الكتب والنشريات الكثيفة. وشهدت السنوات الأولى من السبعينات، عقب الخروج من الأردن، طفرة من الأفكار في صيغ مختلفة، على صفحات مجلة شؤون فلسطينية في محاولة للخروج من الأزمة التي هزت كل الجسم الفلسطيني السياسي والأيديولوجي والعسكري والتنظيمي ولكن دون جدوى، حتى وصل الأمر في البعض إلى الدعوة الصريحة «نحو ثورة فلسطينية جديدة» [2] ، وثانيةً دون جدوى. وبدا أن الثورة الفلسطينية، انطلاقًا من العام 1974، ماضية في طريقها تحت سقف الصراعات الأيديولوجية. الأمر الذي جعلها في موقف دفاعي عن الذات طوال عمرها خاصة بعد أن خضعت أيديولوجياتها لتأثيرات السياسات العربية والدولية.
ومن المفيد القول أن هذا الجزء سيعالج ثلاث مسائل كبرى تقع في الفترة ما بين سنتي 1948 - 1974، وهي على التوالي:
1.مسألة تعيين المجتمع الفلسطيني «مجتمع النكبة» في الفترة ما بين (1948 - 1967) أو «المجتمع المفقود» .
2.مسألة التكون التاريخي للمنظمات الفلسطينية.
3.مسألة تعيين المجتمع الذي توجه إليه الخطاب الأيديولوجي الفلسطيني خاصة بعد كارثة العام 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين أو «المجتمع المنشود» .
إننا بحاجة إلى تعيين «مجتمع النكبة» (المجتمع المفقود) لأن المنظمات الفدائية وجهت خطابًا أيديولوجيًا إليه بهدف بناء «مجتمع الثورة» (المجتمع المنشود) دون أن تقدم أي تحليل علمي للنظام الاجتماعي الفلسطيني لا قبل النكبة ولا بعدها. كما أنها لم تقدم أي تبرير تاريخي أو حضاري لأيديولوجياتها المتغايرة. وحتى لا نستبق الأمور، لنطرح السؤالين التاليين على هذا الجزء:
(1) (هو أحد تسميات النضال الفلسطيني المسلح. فقد كان يسمى"أحيانا الكفاح المسلح وتارة المقاومة الفلسطينية وغالبا الثورة الفلسطينية"وقد ظهرت هذه التسميات بعد معركة الكرامة(1968) ونجمت عن الارتباك والحيرة لجهة تعريف وتحديد أهداف النضال الفلسطيني. راجع: الحوت (شفيق) .- عشرون عاما في منظمة التحرير الفلسطينية: أحاديث الذكريات (1964 - 1984) - دار الاستقلال للدراسات والنشر - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1986 - ص 180.
(2) علوش (ناجي) .- نحو ثورة فلسطينية جديدة - دار الطليعة - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1972 / الطبعة الثانية، 1977.