إذا كان الهدف هو جرّ جماعة «الإخوان المسلمين» الفلسطينيين إلى أطروحاتها، فـ «السرايا» نجحت ولا شك. أما إذا كان الهدف أشمل من ذلك، وهو ما عبرت عنه فعلا، فقد فشلت فشلا ذريعا، لأنها لم تستطع استقطاب أية جماعة إسلامية في الخارج للعمل في مشروعها. لماذا؟
من الملاحظ أن «السرايا» ولدت أيديولوجيا في مصر وتنظيميا في لبنان وعسكريا في السجون الإسرائيلية. فقد عبرت مجموعة طلبة القاهرة عن الرغبة في تحويل فلسطين إلى «هَمّ إسلامي» وهذه الرغبة تعني خلق ثقافة جهادية على مستوى الأمة الإسلامية وليس على مستوى المجتمع الفلسطيني فحسب، مما يعني الحاجة إلى وقت طويل نسبيا من الجهد الإعلامي والسياسي والعسكري. بيد أن مجموعة السجون لم يكن يعنيها الوقت الذي قضت منه طويلا داخل الجدران المغلقة. أما لجنة التنظيم في لبنان فيبدو أن نزعتها العسكرية وخبرتها التاريخية في العمل السياسي والتنظيمي دفعاها إلى مواكبة اندفاع مجموعة السجون التي لم يستطع فتحي الشقاقي أو زملاءه الحد من اندفاعها. وهكذا وقعت «السرايا» ضحية التعجل. فعملت بمنطق «التوريط» الذي كانت حركة «فتح» قد عملت به لدى انطلاقتها. غير أن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد. فالعصبية التنظيمية ضربت بنيتها التنظيمية والقيادية خاصة بعد اغتيال قادتها العسكريين محمد بحيص ومحمد التميمي. ولأنها تيار يمثل نخبة وليس تنظيما يحتكم إلى مرجعية مؤسسية فقد انتهت إلى الزوال إلا من مجموعة طلبة القاهرة التي تحولت إلى تنظيم اشتهر باسم «حركة الجهاد الإسلامي» مستحوذا على ما تبقى من تراث «السرايا» .
أما فيما يتعلق بجماعة «الإخوان المسلمين» ، فالملاحظ أن الاختيارات الستراتيجية للجماعة هي المسؤولة أكثر من غيرها عن الانكفاء وبالتالي تعطيل فريضة الجهاد وتغييب القضية الفلسطينية من فعاليات الجماعة والعلم بها. ولا شك أن العناصر النسقية لعبت الدور المركزي في تعزيز الانكفاء. فما الذي يمكن استنتاجه من هذه الملاحظة إلا أن تكون الاختيارات قد مثلت استجابة فعلية لأطروحتي العهد المكي والعهد المدني اللتين جرى التعبير عنهما بمقولات «التمكين والتحرير» أو لـ «البعث الحضاري الشامل» الذي تقزم فجأة إلى «التغيير الاجتماعي» وما شابه ذلك. ومع أننا لا نمتلك دلائل قاطعة على اعتناق الفكر المكي والمدني إلا أننا لا نستبعد أن تكون أجنحة متنفذة في قيادة الجماعة قد تأثرت فعلا به ولو بمحتويات وتأويلات غير تلك التي عبرت عنها جماعة المسلمين. وسواء كان الأمر كذلك أم لا فهذه المقولات (الإعداد، البعث، الشروط، التمكين، المفاصلة ... الخ) ليست سوى تعبيرات صارخة عن العهد المكي أو المدني. وبالتالي فإن تقديمها كمبررات في أعقاب التحولات الأيديولوجية التي مست فكر الجماعة ودخولها المواجهة لم تكن إلا نوعا من التورية إزاء ما تعرضت له من اتهامات بالنكوص عن ممارسة الجهاد. فالمشكلة إذن لا تتعلق بحل معضلة الأولويات ولا بالبعث الحضاري الشامل الذي انحصر أخيرا في التغيير الاجتماعي، إنما بإشكاليات مفتعلة أضرت بالجماعة أكثر مما أفادتها لأنها لم تكن مقنعة ولا منطقية.
لا شك أن لـ «السرايا» دور مركزي ومباشر في وضع حد لانكفاء الجماعة. غير أن التعليم العالي وإنشاء الجامعات المحلية أثبت أنه الدينامية القادرة على إحداث حراك استراتيجي في المجتمع الفلسطيني يصعب التحكم بمخرجاته لاسيما أنه يتصل بالنخب الاجتماعية المثقفة قائدة التغييرات التاريخية. إنه التاريخية التي أعادت إنتاج