المجتمع وإنتاجه لنفسه. فالطلبة الفلسطينيون هم الذين وقفوا تاريخيا خلف نشأة كبرى الحركات السياسية الثورية ابتداء من حركة القوميين العرب وانتهاء بحركة «فتح» ومن بعدها «العامل المساعد» و «السرايا» و «حركة الجهاد الإسلامي» . ولا شك أن طلبة «الإخوان المسلمين» خاضوا تجربة العمل السياسي والتنظيمي في الجامعات الفلسطينية خاصة، لينجحوا بالنهاية في تشكيل قوة ضغط كبيرة على الجماعة، بل وفي تحطيم حاسم للأنساق الجامدة.
غير أن بناء آخر ذو تجربة جهادية سابقة شكلت إحراجا كبيرا للجماعة ولاختياراتها، بل تحديا هزّ أركان الفكر الإصلاحي. وفي مقدمة هؤلاء عبد الله عزام الذي مثل الميكانيزم المركزي في الاختلال الوظيفي الذي مسَّ عمليا البناء النسقي للفلسفة الاصلاحية. فإذا كانت الجماعة قد رأت في الجهاد الأفغاني متنفسا لمحاصرة التساؤلات حول الموقف من الجهاد فقد استطاع عبد الله عزام فك الحصار وبدء المنازلة. وكانت هذه التحديات التي واجهتها الجماعة مدخلا إلى اعتماد اختيارات راديكالية مضطردة انتهت بإعلان الجماعة المواجهة المسلحة وتبني مقالة مدرسة الجهاد. ولكن هل هذه الاختيارات تعني نهاية الفكر الإصلاحي؟ أو العهد المكي وبداية العهد المدني؟
بالتأكيد لا. فالمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية التي شيدتها الجماعة باتت عصية على الاقتلاع بعد أن تحولت إلى مؤسسات مدنية تتمتع بحصانة اجتماعية محلية ودولية. ومن الملفت للانتباه أن هذه المؤسسات تكاثرت وتضخمت غداة تبني الجماعة للمقالة الجهادية نظريا وعمليا. وحتى هذه اللحظة ينفرد «الإخوان المسلمون» الفلسطينيون في فلسطين المحتلة عن باقي فروع الجماعة، بما في ذلك الجماعة الأم، بالمزج بين المقالة الإصلاحية والمقالة الجهادية. وهنا يكمن سرّ قوة حركة «حماس» وضعفها في آن واحد.
فعلى الرغم من امتدادات الحركة في الخارج إلا أن بنيتها التحتية تتركز في المجتمع الفلسطيني بما في ذلك مؤسستها العسكرية، وهو وضع كانت تفتقر إليه المنظمات الفدائية الفلسطينية التي تركزت بناها الثقيلة خارج فلسطين. وبالمقارنة مع «السرايا» فالحركة أو الجماعة تمتلكان مؤسسات قيادية نجحت في مواجهة أية طوارئ. وقد اختبرت هذه المؤسسات عديد المرات من خلال الاعتقالات الجماعية التي مست الغالبية الساحقة من الأعضاء والقيادات المؤسِّسة والتاريخية. بل إن الحركة فقدت قادتها العسكريين الواحد تلو الآخر داخل الأرض المحتلة. ولما فشلت الاعتقالات والإبعاد واغتيال القادة العسكريين لجأت إسرائيل إلى مطاردة قادة الحركة في الخارج فحاولت اغتيال رئيس المكتب السياسي خالد مشعل في الأردن 1997 )) وقبل ذلك احتجزت الولايات المتحدة الأمريكية سلفه الدكتور موسى أبو مرزوق (1995) بهدف تسليمه لإسرائيل. كما طوردت الحركة سياسيا بشكل لم يسبق له مثيل عندما اجتمع قادة العالم في قمة شرم الشيخ المصرية في أعقاب سلسلة التفجيرات التي نفذتها حركة «حماس» و «الجهاد الإسلامي» في مدن تل أبيب والقدس وعسقلان (1996) . ولكن تماسك البنية التنظيمية وحصانة المؤسسات الاجتماعية لا يعني أن الجماعة بمنأى عن التعرض لاحتمالين: