فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 413

الانتداب، كل شيء. وأن نصف هؤلاء، الذين يعادلون ثلث عدد اللاجئين، سكنوا المخيمات. ولولا أننا نعتبر المخيم شكلًا اجتماعيًا جديدًا لصح، من حيث المبدأ، الوصف البليغ للمخيم كما قدمته باحثة أردنية في منتصف السبعينات حين قالت: «إنه .. مجرد تجمع تراكمي .. لا يشكل جسمًا اجتماعيًا .. بل لا يشكل مجتمعًا .. له مكونات .. المجتمعات الإنسانية المعروفة .. ولا يقوم بين أفراده علاقات وروابط طبيعية كالتي تقوم بالمجتمعات .. وقد فرض هذا التجمع فرضًا على أفراده دون أن يكون لهم في ذلك حق .. أو إرادة الاختيار .. ولم يكن اختيار المكان يهدف إلى أية غاية اجتماعية أو إنسانية .. (أو) أن يكون ذا فائدة ترجى لمن يحتويه .. فلا هو مكان يصلح لممارسة أي جهد إنساني .. ولا هو .. يهيئ الفرصة لجهد زراعي ولا لجهد صناعي ولا لأدنى جهد عمالي إلا في أضيق الحدود التي لا يمكن أن تصبح وسيلة إنتاج طبيعية .. بل أن مكان التجمع هذا لا يهيئ حتى فرصة الاتصال الطبيعي بمراكز الحياة التي تقع قريبة منه أو بعيدة عنه .. بل لا يكاد يخلق إحساسًا لدى من يحتويهم بأنه إنما قصد منه أن يكون مندحرًا .. ومهملًا .. لا يجذب أحدًا ولا ينجذب إليه أحد .. وما أقل بل وما أندر ما أضيف إليه أو بذل فيه من جهد ليكون مكانًا مقبولًا» [1] .

إن سكان المخيمات والتجمعات القريبة أو البعيدة هم في حقيقة الأمر ليسوا «طبقية» [2] . ففي المستوى الاقتصادي، وعبر أي معيار للتصنيف، لن تكون النتيجة إلا تشابه كبير لدى جميع الشرائح، هذا إن كان هناك أكثر من شريحة. أما في المستوى الاجتماعي، فلم يعد ثمة معيار، ولو بدائي، قادر على إحداث تميز اجتماعي ملحوظ اللهم إلا إذا اعتبرت الزيادة في عدد أفراد بعض العائلات، طبقًا للجنس، أو موروثات الرأسمال الرمزي (كالدين أو وجاهة سابقة) تميزًا. لذا فبالكاد، وبشق الأنفس، يمكن التحدث عن فوارق اقتصادية أو اجتماعية في الأشكال الاجتماعية الجديدة. وهكذا، فإن فشل المخيم، كأبرز وسط اجتماعي فلسطيني، في أن يكون أكثر من شريحة مسحوقة إنما يمهد الطريق للبحث عن بقية أجزاء المجتمع الذي هو ببساطة بحث عن باقي الشرائح المتناثرة جغرافيا. فاللاجئون الذين يشكلون معظم المجتمع الفلسطيني إنما يشتملون بالضرورة على أفراد وجماعات تنتمي إلى كل الشرائح من كبار ملاك ورأسماليين وتجار وإداريين وموظفين ومهنيين وفلاحين وعمال مدن وكذلك مثقفين. ولكن قبل المباشرة في البحث ينبغي ضبط المقاربة في إطار الغاية منها. وهذا يستدعي إثبات الملاحظات التالية:

1.إن الغاية من المقاربتين هي تعيين مفتعل للمجتمع الفلسطيني وجمع شتاته. أي افتراض وجوده. ونقصد بذلك الوجود المادي وليس الذهني الذي سبق ووقع ضبطه في سياق إشكالية الثورة والمجتمع.

2.إن استعمالنا للفظة «طبقية» ، إن حصل، هو استعمال إجرائي أو ابستيمولوجي لا يقصد منه إثبات أو نفي الطبقية عن المجتمع الفلسطيني الذي نعتبره، حتى منتصف السبعينات كسائر المجتمعات العربية، مجتمعا تهيمن عليه التراتبيه وبالكاد تلمح فيه بعض عناصر وشروط «طبقية» ، لذا فاستعمال التعبير هو بالضرورة

(1) ياغي (حياة ملحس) : مشكلات اللاجئين ... - مرجع سابق - ص123.

(2) لابد من الإشارة هنا إلى أننا نتحفظ على استعمال كلمة"طبقة"بالمعنى الماركسي إلا بالمعنى الإجرائي المشار إليه والذي يستهدف تيسير عملية البحث علما أن استعمال كلمة"طبقة"لم يعد مقصورا على الباحثين الماركسيين لاسيما بعد أن جُردت الماركسية من عوالقها الأيديولوجية وباتت تتمتع بصفة معرفة علمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت