القادة العرب الذين أبدوا آنذاك استعدادًا للصلح مع إسرائيل. وباعتراف مؤسسيها لم تكن المنظمة إلا نوعًا من «جماعة ضاغطة مهمتها التأثير على الصفوة الحاكمة عن طريق إزعاجها إذا اقتضى الأمر» [1] . و «كان القادة المؤسسون"للكتائب"شبابًا في أوائل العشرينات من أعمارهم، وكانوا قد تشبعوا بأفكار سياسية متطرفة من خلال تجربتهم المرة كمتطوعين يحاربون إلى جانب الجيوش العربية في فلسطين. وكانوا قد شاهدوا بألم في ميدان القتال التناقض بين قوة إسرائيل وبين ضعف الجيوش العربية المجزأة. ومما زاد في حدة تجربتهم المؤلمة الهزيمة العسكرية وإجبار الفلسطينيين على النزوح من ديارهم» [2] . وكانت العوامل النفسية التي خلفتها النكبة من أهم الدوافع لتأسيس «الكتائب» . فقد شعر جورج حبش بالإهانة لإجباره وعائلته وثلاثين ألف آخرين على الرحيل من بلدته اللد. كما مثلت النكبة نقطة تحول في حياة هاني الهندي وجهاد ضاحي ولبقية أعضاء المنظمة، «ولم يعد بمقدورهم أن يسلكوا حياة طبيعية كبقية البشر إذ تملكتهم فكرة الانتقام» [3] . وتعرض القادة المؤسسون، لاسيما مجموعة بيروت الفاعلة، إلى استقطاب أيديولوجي مبكر في السنوات الأولى من حياتهم الطالبية على شكل حلقات دراسية تتصل في القومية والوحدة العربية والتحرر والانعتاق من التخلف والعلمانية. وكانت هذه الحلقات تمتاز بعمق تاريخي وتقدمي بما أن ملقيها هو منظر القومية الليبرالية آنذاك الدكتور قسطنطين زريق أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية. ولا ريب أن هذه الحلقات «القومية والتحررية» كان لها وقع بالغ الأثر في نفسية المجموعة بالنظر إلى صغر أعمارهم. «وقد دفع الخوف من خطر التوسع الصهيوني هؤلاء القواد الشباب إلى العمل .. فورا، قبل فوات الأوان، إذ رأوا في وجود إسرائيل تهديدًا مستمرًا لتحقيق أهدافهم القومية ولم يكن عند هؤلاء في ذلك الحين، أمر أكثر أهمية من تحقيق أهدافهم تلك» [4] .
ولعل في هذه الخلفية الأيديولوجية ما يفسر توجه قادة «الكتائب» نحو الحركات القومية الأوروبية متخذين من جيوسبي غاريبالدي القائد الفدائي الايطالي نموذجًا يحتذى ومثلًا أعلى في النضال ضد التجزئة. وبحثوا عن تقارب، و «لاحظوا التشابه بين واجباتهم وواجبات أتباع غاريبالدي الذين لقبوا أنفسهم بأصحاب القمصان الحمراء» . كما تعلموا من جيوسيبي مازِّيني عضو الجمعية الوطنية السرية الايطالية (كاربوناري) أساليب التنظيم السرية ككلمات السر والأسماء المستعارة. والأهم من كل هذا اعتمادهم مبدأ «الوحدة القومية ورفض مقولة الصراع الطبقي» الذي حكم أيديولوجيا حركة القوميين العرب لأكثر من عقد من الزمن. وفضلا عن ذلك تأثرهم بكل من «كافور وبسمارك اللذان أعطيا الأولوية لقضية الوحدة القومية وفضلاها على الإصلاحات الدستورية ونجحا في ذلك» . كما تأثرت «الكتائب» ، عبر المجموعة المصرية، بالبناء التنظيمي والفكر العسكري لـ «أحمد حسين» زعيم منظمة «القمصان الخضراء» حيث عمل هؤلاء فيها سابقًا [5] .
(1) نفس المرجع.- ص 22 - 23.
(2) نفس المرجع.- ص 20.
(3) نفس المرجع.- نفس الصفحة.
(4) نفس المرجع.- نفس الصفحة.
(5) نفس المرجع.- ص21.