وأوغل بقواته حتى بلغ بصري. ونهض بلدوين بعد ذلك لمهاجمة دمشق فعسكر في داريا. ولما كان المسجد داريا من شهرة ذائعة فقد أراد «بلدوين» تدميره، إلا أن وفدا من نصاري دمشق أرسلهم أميرها إلى بلدوين ليقول له: «إن أخربتم الجامع جددنا عمارته وأخربنا كل بيعة لكم في بلادنا، ولا نمكن أحدأ من عمارتها» ، فتركوه خوفا من الإجراءات الانتقامية ضد الكنائس. أما صلاح الدين فعندما بلغه هجوم الفرنج لم يكترث وصمم على متابعة عملياته في الشمال وقال: «بخربون قرى ونملك عوضها بلادأ ونعود نعمرها ونقوى على قصد بلادهم. (1)
أراد صلاح الدين تصفية آخر قواعد الزنكيين في الموصل، ولكنه عندما عرف قوة تحصيناتها واستعدادها القتالي، وعرف أن الحرب مع الزنكيين تستنزف قوة المسلمين دونما فائدة، توجه إلى سنجار حيث ناصره الأكراد فاستولى عليها بسرعة، وحاول أمير الموصل اعز الدين» عقد تحالف مع أمير اشاه أرمن فتحرك صلاح الدين إلى رأس العين، فتمزق شمل التحالف من دون قتال.
وراي «بوهمند الثالث» أمير أنطاكية، ما وصلت إليه قوة صلاح الدين، فأجرى اتصالا معه، وتم عقد هدنة بين المسلمين والفرنج لمدة 4 سنوات. واتصل صلاح الدين بأمير حلب «عماد الدين» وعرض عليه الصلح على أن يوليه إمارة سنجار، عوضا عن إمارة حلب. ولما لم يكن باستطاعة عماد الدين مقاومة رغبات صلاح الدين فقد وافق على ذلك، وتم تسليم حلب لصلاح الدين في 12 حزيران - يونيو (1183 م) ، وانضمت حلب في النهاية إلى حكمه (2) .
وبعد إعادة تنظيم شامل، عاد صلاح الدين إلى دمشق التي اتخذها عاصمة له، منذ عودته إليها في 24 آب - أغسطس (1183 م) ، وأضحت امبراطوريته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل، ابن الأثير 157/ 9، وتاريخ الحروب الصليبية 2/ 702، 703
(2) من المصادفات الغريبة أن قاضي دمشق محيي الدين الزكي امتدح ضم حلب لصلاح الدين،
فقال: وفتحکم حلبأ بالسيف في صفر مبشر بفنوح القدس في رجب وقد حدث فتح بيت المقدس في رجب فع". أما صلاح الدين فقد أعطى عماد الدين عوضأ عن حلب کلا من سنجار ونصيبين والخابور والرقة ومروج واشترط صلاح الدين أن يعمل عماد الدين على إعداد القوات باستمرار، وأن تكون جاهزة للقتال عند أول فرصة يطلب فيها صلاح الدين تدخلها ضد الفرنج"