فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 654

ظهر صلاح الدين الأيوبي والعالم العربي ممزق الولاءات متعدد الانتماءات، تتنازعه عوامل التشتت والفرقة، وقد بذلت قبل ظهور صلاح الدين محاولات جادة لتوحيده، في عهد عماد الدين زنكي وابنه نور الدين من بعده. وأدرك صلاح الدين أهمية هذا العامل في مجابهة التحديات الخارجية المفروضة، فأخذ في العمل له منطلقة من بناء القاعدة القوية والمأمونة، فبدأ في مصر والسودان، وانطلق منهما لليمن والشام وضم الإمارات الشمالية، ثم أخذ في ضم الإمارات الشرقية، وتوفرت بذلك القدرة على حشد القدرات المطلوبة. ولم تكن عملية بناء القاعدة القوية والمأمونة تعتمد على التوسع الجغرافي بقدر ما كانت تعتمد على بناء الإنسان المسلم المقاتل وبناء الاقتصاد الحربي، وهذا ما تفسره عملية التوسع الكبير في بناء المدارس والمستشفيات ودور الصناعة والاهتمام بالزراعة والتجارة.

وهكذا، لم تكن الجهود المبذولة لإقامة الوحدة الدينية السياسية أكثر من وسيلة لبناء المجتمع للحرب، وقد عبر صلاح الدين عن ذلك بقوله، وقد بلغته أخبار غزو الفرنج لدمشق: يخربون قرى ونملك عوضا عنها بلادا، ونعود نعمرها ونقوى على قصد بلادهم. وهذا ما يفسره أيضا سلوك صلاح الدين مع أهل البلاد، حيث أشاع العدل وأزال الأحقاد بين الإمارات المتناحرة، ووجه العداء كله ضد العدو الخارجي. ورافق عملية بناء المجتمع للحرب إقامة الصناعات الحربية، كدور صناعة السفن في مصر وتنظيم الحصون، ودعم المواقع الدفاعية، والاهتمام بتجهيزات الحصار (المجانية والعرادات) . وكان صلاح الدين في طريق إقامة وحدة العالم الإسلامي السياسية، يحقق التوازن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت