فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 654

يسير في بطء حتى بلغ نهر أرتيشه في صيف سنة (1224 م) ، ثم وصل في الربيع التالي إلى موطنه على نهر اتولا». ولما عاد جنكيز خان بجيوشه إلى منغوليا، غادر جلال الدين خوارزم شاه مأواه في الهند، فالتفت حوله بقايا جيوش أبيه، ولقي جلال الدين ترحيبا كبيرا في فارس على أنه بطل المقاومة ضد المغول، ولم تحل سنة (1225 م) حتى صارت له السيطرة على الهضبة الفارسية وأذربيجان، وفي سنة (1224 م/ 123 ه) غدت له السيادة على بغداد.

وإذ أخذت مملكة جلال الدين خوارزم شاه تهدد الأيوبيين، فقد صارت عام بالغ الأهمية في سياسة الفرنج بالشام؛ غير أن المسيحيين بأقصى الشمال لم يلقوا في جلال الدين ما يرجونه؛ إذ أنه أغار سنة (1220 م) على بلاد الكرج، وطؤر أعماله القتالية بعد الانتصار على جيش الكرج حتى استولى على تفليس عاصمة بلاد الكرج، وأضاف إلى مملكته جميع وادي نهر کور. وأضحت مملكة الكرج قاصرة على أملاكها الواقعة على البحر الأسود، فلم تعد بالغة القيمة باعتبارها المعقل الواقع في الشمال الشرقي للعالم المسيحي، وباعتبارها دولة تستطيع أن تتحدى المسلمين في آسيا الصغري.

توفي جنكيز خان في سنة (1227 م/ 624 ه) ، وترك امبراطورية واسعة تمتد من کوريا حتى فارس - إيران. ومن المحيط الهندي إلى سهول سيبيريا المنجمدة. وتميزت فتوحاته بتجردها من الهدف. اللهم إلا هدف التدمير والنهب - كما أنه لم يحفل أبدا بحياة البشر ولم يهتم بمصائبهم وآلامهم؛ فقد هلك في حروبه ملايين الأبرياء من سكان المدن، وشهد ملايين الفلاحين حقولهم وبساتينهم تتعرض للدمار والخراب، فقامت امبراطوريته على بؤس الناس وشقائهم وتعاستهم.

قد لا تكون لغزوات المغول في القوقاز وأوروبا علاقة مباشرة فيما تعرض له المسلمون على أيدي المغول - التتار -، ولكن من الضروري إلقاء نظرة خاطفة على هذه الغزوات؛ إذ أنها تبرز الأسلوب المدمر لهؤلاء البرابرة، بقدر ما تبرز أيضا خصائص قوات المسلمين وصمودها في مواجهة القوة الطاغية وعدم استسلامها لمنطق القوة المدمرة أو استراتيجية الرعب، في الوقت الذي لم تتمكن فيه قوة - في عالم القرون الوسطى - من إبراز هذه الفضائل الحربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت