فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 654

مجموعة من الخصائص تبرزها مسيرة الأحداث في الحروب الصليبية، منها ما يتعلق بالسياسة الاستراتيجية (أو السياسة العليا) ، ومنها ما يرتبط بافق العمليات (أو الأعمال القتالية) ، ومنها أيضا ما يتصل بتنفيذ الواجبات القتالية تعبوية (تكتيكية) ، ولئن قام المسلمون في أيام الفتوحات بتطبيق الأعمال القتالية في إطار ما يمكن تسميته وفق المصطلحات الحديثة ب «الهجوم الاستراتيجي» ، فقد عمل المسلمون في أيام الحروب الصليبية بتطبيق ما يمكن تسميته ب «الدفاع الاستراتيجي» ، ولكن بقيت الأعمال في الحالين أعمالا هجومية على مستوى العمليات، فلم يكن العرب المسلمون الأوائل، ولم يكن أحفادهم من المسلمين ينتظرون قدوم العدو، وإنما كانوا يخرجون بحثا عن المعركة، ولم يكونوا في الحالين يعتصمون وراء التحصينات، وإنما كانوا يعتمدون على تطوير حرب الحركة من أجل الوصول إلى الحسم، هذا في حين كان الفرنج - على الأغلب - يعتمدون سياسة استراتيجية مغايرة؛ إذ قاموا بهجوم استراتيجي وقادوا أعمالهم القتالية في إطار دفاعي (عمليات دفاعية لهجوم استراتيجي) ، ويظهر ذلك من حرص الصليبيين على تنظيم المواقع الدفاعية والاهتمام بالتحصينات وبناء القلاع بقدر ما يظهر حرص المسلمين على تدمير المواقع الدفاعية وإزالة التحصينات وتدمير القلاع. ولكن بالرغم من هذا الإطار العام، فهناك ظواهر بارزة في التحول الاستراتيجي الذي جاء في أعقاب معركة حطين، ثم برز بصورة أكثر وضوحا بعد معركة عين جالوت، وهو انتقال المسلمين من الدفاع الاستراتيجي إلى الهجوم الاستراتيجي، وانتقال الفرنج من الهجوم الاستراتيجي إلى الدفاع الاستراتيجي، وقد أخذ هذا التحول شكلا مميزة يمكن أن يطلق عليه اسم التحرير الزاحف»، وهو شكل يناقض تماما إقامة الإمارات الصليبية في البداية، والذي يمكن تسميته ب «الضم الزاحفه.

وقد بات من الواضح أن الصليبيين قد بدؤوا حربهم بالاستيلاء على المدن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت