فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 654

بروحها الهجومية، وبذلك أمكن التحول من الدفاع الاستراتيجي إلى الهجوم الاستراتيجي على المستوى الشامل للحرب.

وكان الحرص على تطبيق مبدأ الاقتصاد بالقوى في طليعة الظواهر المميزة الحروب صلاح الدين، ولا ريب أن الحافز لذلك هو إدراك الأهمية الكبرى العامل القوى في الحرب طويلة المدى. وقد ظهر هذا المبدأ وبشكل واضح في معظم الحروب، حيث كان صلاح الدين يعمل على زج القوي والوسائط الضرورية للمعركة المتوقعة؛ فكان يكتفي بالقوات التي يقودها إذا ما وجد أن المعركة ستكون محدودة، وكان يزج بقوات جبهة الشام كلها إذا وجد أن الموقف يتطلب ذلك، وكان يستدعي جيش مصر وقواتها البحرية عندما تظهر له ضرورة ذلك. وكان يلقي بالمعركة من القوي ما يضمن له تحقيق النصر الحاسم بأقل خسارة ممكنة، عن طريق إحراز التفوق الكبير في مسرح العمليات المحدود، ثم المناورة بالقوات لنقلها من مسرح إلى مسرح آخر، وحشد القوات وتفريقها حسب ما يتطلبه الموقف. وكانت القدرة الحركية العالية والمبادأة هما من العوامل التي كانت مساعدة لصلاح الدين في تطبيق مبادئ الحرب بفاعلية ونجاح

حدد صلاح الدين، وبوضوح تام، الهدف لكل مرحلة من مراحل قيادته، وعندما كان هدفه بناء الدولة، لم يبذل من الجهد إلا ما هو ضروري لمجابهة العدوان الخارجي، تاركا ذلك لقائده النور الدين زنكي، وعندما انتهى من بناء الدولة ركز كل جهده لقتال الفرنج. وقد برزت خلال ذلك تحديات قوية ومتعمدة لصرف صلاح الدين عن أهدافه، فلم يظهر لها من الاهتمام إلا بالقدر الوقائي من أخطارها. وعلى مستوى العمليات، كان صلاح الدين يحدد هدف المعركة: استنزاف وتدمير القدرة البشرية بالدرجة الأولى، وحرمان الفرنج من مواردهم الاقتصادية، وتحويلهم إلى عبء على الغرب الذي أقام إمارات الفرنج، ثم کسب معارك صغرى متتالية وتحرير الأرض من الداخل في اتجاه الساحل، وتبرز متابعة أعمال صلاح الدين القتالية التزامه بهذا الهدف طوال حياته القيادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت