فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 654

خاتمة

صلاح الدين وموقعه من الحروب الصليبية

لقد كان ظهور صلاح الدين امتدادا لحكم القوة الذي سبق للزنكيين إقامته، وكان كذلك نموذجا لحكم المماليك الذي جاء بعده، والذي أفرز المظفر قطز وبيبرس وأحمد بن طولون وسواهم، وقد عمل هؤلاء جميعا على تقديم أروع الخدمات العالم العرب المسلمين في أصعب فترة من تاريخ العرب المسلمين. وتبقى الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن ظهور هؤلاء القادة قد توافق مع تعاظم يقظة العرب المسلمين، وتزامن مع استجابة أبناء البلاد ضد الغزوة البربرية الهمجية لقوات الفرنج، لقد كانت المنطقة العربية تتمخض عن أحداث جسام، فقد أيقظت حملات الفرنج ما وصل إليه العالم الإسلامي من تقلص بعد مده الكبير، وبرزت خطورة الانقسامات الإقليمية والسياسية، فأخذ المسلمون في البحث عن مصادر القوة، وهذا ما يفسر إقدام أهالي دمشق على إرغام أميرهم «الأمير دقاق» على الكتابة لصلاح الدين يستنصر به ويستمده. وقد استجاب صلاح الدين وبدأ بناء مجده العظيم باعتماده على دمشق، فكان ذلك هو العامل الذي ضمن له السيطرة على بلاد الشام كلها. وكان أهل الشام في أقاليمهم المختلفة هم الذين حملوا صلاح الدين على مركب الجهاد وأعانوه عليه ونصروه، وأظهر صلاح الدين من الإخلاص ما دفع أهل الشام لمبادلته المحبة والإخلاص، وكانت ميادين الجهاد في المختبر الحقيقي الذي انصهرت فيه كل الفضائل والقيم المثلى التي ربطت بين الحكام والمحكومين خلال مرحلة الحروب مع قوات الغزو.

لم يتمكن صلاح الدين من تحرير الشام، ولم ينجح في القضاء على إمارات الفرنج وتصفية قواعدهم، ولكنه نجح في تقليص رقعة الإمارات وتمكن من تحرير القدس، واستطاع إعادة الثقة للنفوس، فمهد بذلك لظهور قيادات تتبع الطريق ذاته، وتساعد على إكمال ما بدأ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت