فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 654

تنسيق الجهد وتنظيم التعاون بين جيوش المسلمين بعضهم مع بعض.

لم تكن فترة الحروب الصليبية فترة احتمال لمواجهة الخطر، وإنما هي تعايش مع الخطر ذاته، فقد كان الخطر جاثمة على كل صدر ومقيمة بصورة مستمرة، وتظهر مسيرة الأحداث أنه ما من مرة ظهر فيها الخطر على مختلف المستويات حتى ظهرت فضائل المجاهدين في سبيل الله، وفي طليعتها الشجاعة، فعملت على إحباط الخطر والقضاء عليه. وهنا، وعلى مستوى القيادات، يمكن على سبيل المثال تصور موقف المظفر قطز» وقد وصلته رسالة

هولاكو» التي تطالبه بالخضوع لجبروت المغول وطغيانهم، وكانت جيوش المغول قد اجتاحت العالم الإسلامي في المشرق، ووصلت طلائعها حتى غزة، فهل هناك ما هو أكبر من هذا الخطر؟

لقد كانت لحظة حرجة بدون ريب تتطلب أعلى مراحل الشجاعة، وقد برهن المظفر قطز» على توافر هذه الشجاعة عندما قرر عدم الرد على «هولاكو، وإعدام سفيره إلى القاهرة، وهي وسيلة لم يكن قادة المسلمين يقدمون على استخدامها إلا في ظروف نادرة. وكان نصيب المظفر قطز» من الشجاعة أكبر عندما انتصر على الذات، فرفض إغراء الحصول على نصر سريع بالاستيلاء على عكا، وفقا لما نصحه به بيبرس، وظهرت شجاعته الكبرى يوم وع قواته في التلال المحيطة با عين جالوته وأخذ في إدارة الحرب. وفي لحظة من اللحظات أظهر فيها قائد التتار المغول «كتبغا» كل كفاءته القيادية، فمرق صفوف القوات المصرية، وعندها اندفع «المظفر قطز» إلى قلب المعركة، فجمع القوات حوله وأعاد التنظيم بسرعة، وتابع إدارة المعركة الحاسمة حتى تحقق له النصر.

وتظهر الشجاعة في مواجهة الخطر أيضا لدي قائد حامية حلب الشيخ توران شاه»، عم «الناصر يوسف» ، الذي جابه بقوات قليلة جيش هولاكو»، واستمر في المقاومة لمدة أربعة أسابيع، بالرغم من سقوط المدينة في قبضة (هولاكو، ما حمل قائد المغول على احترام شجاعة هذا الشيخ والإبقاء على حياته. وإذا ما تم الانتقال من مستويات القادة إلى مستويات جماهير المسلمين، فستظهر الشجاعة لدى المجاهدين في «ميافارقين الذين رفضوا الخضوع لهؤلاء الذين دمروا حاضرة المسلمين في بغداد، رغم معرفتهم بما سيتعرضون له عند هزيمتهم، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت