فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 654

المطلقة للحرب، وهو إذا ما أضطر أن يستخدم العنف ويطور حرية العمل العسكري، فإن ذلك يبقى خاضعة لمتطلبات المعركة ولظروف ميدان القتال. فإذا ما وصلت حرية العمل ذروتها في حسم الصراع المسلح، فإن «صلاح الدين لا يلبث حتى يعود بسرعة إلى تقنين الحرب وإخضاعها لمجموعة من العوامل أبرزها (تحقيق التوازن بين هدف الحرب وغاية السلم) بحيث أن دمار الحرب لا يمتد إلى أبعد مما تطلبه ظروف القتال، وبحيث أن عنف الحرب لا يتعارض مع متطلبات بناء المستقبل، وقد يكون ذلك طبيعية، فهمجية الفرنج ووحشيتهم إنما تعتمد في عامل منها على النهب الاستعماري، وعلى تحميل المسلمين أهل البلاد كل ويلات الحرب، في حين كان هدف صلاح الدين تعمير البلاد وزيادة مواردها لضمان القدرة على متابعة الحرب.

يمثل أسلوب صلاح الدين في تعامله مع الخليفة العباسي في بغداد مفهوم الانضباط عند صلاح الدين، وهو انضباط يعتمد على الأخذ بالشكل لا بالمضمون، وكذلك موقفه من نور الدين بن عماد الدين. ويبقى مضمون الانضباط مرتبطة بعد ذلك بالهدف المرحلي، فهو يفرض على ولاته الانضباط اللازم لتنفيذ الواجب. ويبقى عامل القوة هو الذي يحدد حدود الانضباط، سواء في العلاقة مع الرؤساء أو المرؤوسين. ولقد أمكن لصلاح الدين بناء دولته وأمجاده بالقوة، فمن الطبيعي أن يكون مفهومه للانضباط والطاعة قائمة على هذه القوة، سواء بوجودها في حد ذاته، أو بالقدرة على استخدامها. وليس اعتراف صلاح الدين بالخليفة إلا خضوعا لما كان للخلافة من قوة معنوية، ومن هنا فقد كان اعترافه بها رمزية أكثر منه فعلية أو حقيقية، إذ كان يتصرف بالأمور كلها، ولا يرجع للخليفة إلا من أجل الحصول على اعترافه وموافقته على الحقائق القائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت