القائمة بين مسلمي المشرق الإسلامي والمغرب الإسلامي على طرفي القارتين الآسيوية والأفريقية، ولم تكن قوة هذه القاعدة، بما توافر لها من قدرات مادية، بشرية وقتالية، بقدر ما كانت قوتها في تنسيق الجهود المتوافرة، وفي توجيه هذه الجهود نحو الهدف الواحد. وهكذا، فلم يكن الحرص على توحيد القاعدة وضمان تماسكها هدفا في حد ذاته، وإنما كان وسيلة لتحقيق الهدف، وهو مجابهة التحديات المفروضة على ديار الإسلام، وهذا ما كان يدفع المسلمين على مجابهة كل انحراف بقسوة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن القاعدة كانت بما توافر للمدينتين الخالدتين، القاهرة ودمشق، من طبقة مؤمنة صلبة فرضت ذاتها على الأحداث، وهذا ما كان يحمل القادة والحكام على التماس الدعم من جماهير المسلمين، وكانت الجماهير دائما على مستوى الوعي المطلوب وعلى مستوى المسؤولية التاريخية.
لم تكن قوة القاهرة ودمشق في تحصيناتهما، كما لم تكن بقدرتهما البشرية وإمكاناتهما القتالية، ولكن قوتهما بقيت أبدأ في صمودهما وعمق الإيمان فيهما مما ساعدهما على العمل المشترك، وأعاق الفرنج من النيل منهما أو الوصول إليهما، وكان في ذلك نصرهما؛ على ما أريد لهما، وهو نصر على الذات، وعلى الآخرين.
تتطلب کل معركة، بل كل عمل من أعمال الحياة، إعادة التنظيم من أجل معالجة نقاط الضعف السابقة والاستعداد لمرحلة جديدة من مراحل الصراع والجهاد. ومن الواضح أن كل مرحلة من مراحل الصراع تطلبت نوعة جديدة من الأهداف المرحلية وإيجاد طرائق العمل المناسبة لتلبية متطلبات الأهداف المرحلية، وكان بناء المجتمع وإعادة التنظيم يشمل عملين متکاملين: العمل
على الصعيد الداخلي، والعمل على الصعيد الخارجي. وإذا كان هدف العمل الداخلي هو تحقيق مزيد من التلاحم، فقد كان هدف العمل الخارجي مجابهة المخططات الخارجية بما هو مناسب لها.
وكان من الطبيعي في إطار الحرب طويلة الأمد أن تسير الحياة بصورة عادية، فقوافل التجارة والأعمال الصناعية وزراعة الأرض كانت مستمرة حتى في أثناء المعارك. وكان العدوان على أحد هذه المرافق كافية لتجدد الاشتباكات