ما إن انتهت معركة حطين واستولي اصلاح الدين الأيوبي على بيت المقدس، حتى ترددت أصداء هذا الحدث بأضعاف قوته في أوروبا. فقد انهار كل البناء الذي أقامه الغرب فوق أرض فلسطين بضربة واحدة، وانطلقت الوفود من مدينة صور التي أخذت على عاتقها جمع شمل الصليبيين لتنذر ملوك الغرب بصورة شخصية لما انتهى إليه وضع الفرنج. وكان ملك صقلية أول من استجاب للدعوة، فلبث حزينة وارتدي الملابس الخشنة من الخيش، والتمس مكانا اعتزل فيه لمدة أربعة أيام، ثم كتب إلى رفاقه الملوك يحثهم على الاشتراك في حرب صليبية، بينما تجهز لتوجيه حملة إلى الشرق في أسرع ما يتهيا له من الوقت»، وعقد صلحا مع الامبراطور البيزنطي لإزالة الخلاف فيما بينهما وتوحيد جهودهما ضد المسلمين، كما استدعى أمير البحر الصقلي وطلب إليه العودة إلى البلاد استعدادا للحملة التالية.
أما في روما، فقد مات البابا الهرم «إيربان الثالث» کمدة، في (20 تشرين الأول - أكتوبر 1187 م) وخلفه غريغوري، الثامن، الذي بادر على الفور إلى إرسال کتاب دوري إلى جميع المؤمنين بالغرب «حتي يکفر كل إنسان عن خطاياه ... ووعد جميع الصليبيين بقدر وفير من غفران الذنوب، فينبغي أن ينعموا بالحياة الأبدية في السماء بينما تصير سلعتهم في الدنيا في حماية المقر المقدس» ، واختم كتابه بالدعوة إلى الصيام كل يوم جمعة لمدة خمس سنوات، والامتناع عن تناول اللحم يومي الأربعاء والسبت. وأعلن البابا أنه سوف يصوم أيضا يوم الاثنين أهل بيته وأسر الكرادلة، وتقرر أيضا أن يتوجه من روما مبعوثون آخرون ليفرضوا على جميع أمراء العالم المسيحي الهدئة لمدة سبع سنوات.
ولم يعش البابا غريغوري» الثامن ليشهد نتيجة جهوده؛ إذ مات في «بيزا» يوم (17 كانون الأول - ديسمبر 1187 م) ، ولم يمض على بابويته سوي