المسلمين كانوا بصورة عامة أكثر معرفة بالموقف الداخلي للإفرنج مما كان يعرفه قادة الفرنج عن المسلمين، وكان قادة المسلمين أيضا يحرصون على إخفاء مشاريعهم وإحاطتهم بنطاق من السرية لضمان أمن العمل. وقد اشتهر عن اصلاح الدين، ومن بعده المظفر قطز»، وكذلك الظاهر بيبرس، التزامهم جميعا بالسرعة والسرية فيما بتخذونه من قرارات، وذلك هو الشرط الأساسي لضمان أمن العمل. وإذا ما تم الانتقال بعد ذلك إلى أفق مسرح العمليات، فستظهر تدابير (أمن العمل على شكل تنظيم دفاعي ثابت. وعلى سبيل المثال، فعندما انسحب جيش مصر في خريف سنة(1299 م) ، حاولت الطوائف الدينية العسكرية التعاون مع القوات الفرنسية لشن هجوم على الجليل، ولكن حامية صفد نصبت كمين لمقدمة القوات الصليبية في (28) تشرين الأول - أكتوبر ودمرتها، كما قامت قوات العرب بالهجوم على معسكر الفرنج. وفي سنة (1299 م) قام الفرنج بتوجيه قوة تحت قيادة ولدي ملك أراغون (ملك البرتغال - برشلونة) ولكن هذه القوة لم تكد تغادر عکا حتى وقعت على الفور في الكمين الذي نصبه ابيبرس»، ولم يبقى على قيد الحياة، من أصل القوة، إلا عدد بالغ القلة.
لقد كانت جيوش المسلمين تعتمد على قدرتها الحركية العالية لنقل المعارك بصورة مستمرة إلى حدود الأرض المحتلة، ولتحميل الإمارات الصليبية أعباء الحرب. وفي معركة عين جالوت» لم ينتظر جيش مصر وصول قوات المغول، رغم ما في ذلك من ميزة لإطالة خطوط مواصلات الغزاة وإبعادهم عن قواعدهم وإرغامهم على عبور سيناء، مع ما يتضمنه ذلك من إرهاق لقوات المغول، وفضل المظفر قطز» الإفادة من القدرة الحركية العالية لقوات المسلمين من أجل نقل المعركة بعيدة عن أرض مصر. ولقد تميزت قوات المغول أيضا بقدرتها الحركية العالية، وليست قضية المسير عبر أكثر من أربعة آلاف ميل، هي بالمسيرة السهلة بالنسبة لقوات ضخمة تقوم بأعمال قتالية عبر مسيرتها الطويلة والشاقة. وقد يكون من الصعب تقويم القدرة الحركية للطرفين المتصارعين من خلال معركة عين جالوت، وحدها، وإنما يتطلب ذلك إجراء تحليل شامل المعطيات حرب الحركة لدى المغول ولدى العرب المسلمين. ولعل أبرز الفوارق هي اعتماد العرب المسلمين على القدرة الحركية وتطويرها في البر