القتالية في الجبال صعوبات إضافية مرهقة، ويشكل التناوب في المناخ أيضأ بين أقاليم الصحاري والأقاليم الباردة في شمال الشام ما يزيد من تلك الصعوبات كلها، ولكن هل كانت هذه هي كل ما جابهة المجاهدون من صعاب؟ ..
إن استعراض مسيرة الأحداث يبرز ما تعرض له المسلمون من صعوبات بالغة في تحقيق التوازن بين متطلبات السلم ومتطلبات الحرب، وضمان الموارد الاقتصادية لتأمين متطلبات الحرب، وكان أصعب ما في ذلك كله، أيضا، تحمل الصعوبات الناجمة عن التناقضات الداخلية أحيانا، والصعوبات الناجمة عن
ظروف العمل تحت سيطرة الاحتلال الأجنبي. وعلى هذا، فإن محصلة الصعاب لم تكن مادية فقط، وإنما هي صعوبات مادية - معنوية، ولعل الصعوبات المعنوية كانت تزيد في وطأتها وفي ثقلها على الصعوبات المادية، وهنا يظهر من جديد تأثير العامل المعنوي الإيمان» في دعم القدرة على تحمل الصعاب.
لقد تميزت فترة قيادة الزنكيين والأيوبيين والمماليك بتعاظم الصراعات الداخلية، وأعمال القتل والاغتيال السياسي. فقد ذهب «أيبك، وشجرة الدر» و «المظفر قطز» وغيرهم كثيرون نتيجة المطامع والمطامح، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على ضعف مفهوم الانضباط وسيادة مذهب القوة، وكان سبب ذلك هو غياب الشرعية، ولكن ذلك لا ينفي اكتساب مفهوم الانضباط نوعا متطورة من الشرعية التي تضع في اعتبارها متطلبات الظروف المحيطة بالصراع. وكان التزام القادة بمبدأ الجهاد هو الذي بدعم سلطتهم الشرعية، ويمنحهم القدرة لاكتساب ثقة جمهور المسلمين، وفي إطار مفهوم الجهاد كان بالمستطاع فرض الانضباط والطاعة مما تتطلبه ضرورات الحرب، وعلى هذا لم تكن القوة الطاغية للحكام هي التي تفرض وجودهم على المناطق الإسلامية التابعة لهم، وإنما كان التزامهم بمبدأ الجهاد والإخلاص له وتخصيص كل الجهد من أجله هو الذي يخلق المناخ الطوعي للانضباط
ومن الملاحظ أن جماهير المسلمين لم تكن في موقع السلبية من تطورات الأحداث أو التناقضات الداخلية، فقد كانت تظهر طاعتها لمن يمارس دوره بكفاءة أكبر في قيادة الجهاد، ما كان يدفع القادة للمنافسة من أجل اكتساب ثقة الجماهير، وتلك هي الطاعة، وذلك هو الانضباط اللذان هيمنا على مناخ المجاهدين في الحروب الصليبية، وهو انضباط يبقى في الواقع مرتبطة بجوهر المفهوم بأكثر مما هو مرتبط بشكل الانضباط وظاهره، فالهدف الدائم هو تنفيذ