فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 654

ويظهر من الطبيعي بعد ذلك أن تكون قرارات صلاح الدين صحيحة في معظمها. فقد توافرت له سعة الأفق والرؤية الشاملة للمواقف وتطوراتها، كما توافرت له أيضا مصادر المعلومات الدقيقة والصحيحة عن العدو والأصدقاء والأرض، وكل ما يتعلق بالمواقف التي بجابهها، وتوافرت له بعد ذلك القدرة على معالجة المواقف. ولهذا فقد جاءت قراراته متطابقة كل التطابق مع مسيرة الأحداث، ولكنه رغم ذلك كله لم يكن ينفرد في اتخاذ القرار، وكان كثيرا ما يخضع لنصح المقربين إليه وأقاربه، وبصورة خاصة في المرحلة الأخيرة من

حياته، ولعل ذلك هو سبب ظهور بعض الأخطاء القيادية في هذه المرحلة أكثر من سابقتها، ومهما كان عليه الموقف فإن ما لا يمكن إنكاره على صلاح الدين هو العقل الراجح والتقويم الصحيح للمواقف واتخاذ القرارات المناسبة ثم الإشراف على تنفيذها.

كان صلاح الدين مخلصا لمرؤوسيه بقدر ما كانوا أوفياء له، وكان يضمن لهم الحماية بقدر ما كانوا يستجيبون لأوامره، وبقدر ما يحققونه من نجاح في حماية أقاليمهم، وبقدر ما يحققون من نجاح في تعاملهم مع مرؤوسيهم. فإذا أظهروا ضعفا أو فشلا كان مصيرهم العزل، وإذا ما فكروا بالغدر كان نتيجة عملهم الجزاء العادل. ولهذا فقد كانت حماية المرؤوسين عند صلاح الدين تقوم على أسس مبدئية أبرزها الولاء والإخلاص في العمل. وقد يكون من الطبيعي بالنسبة لصلاح الدين الذي اشتهر بالعاطفة الإنسانية والتعامل بأخلاق الإسلام حتى مع أعدائه أن يتعامل مع أصدقائه على هذه الأسس ذاتها. وإذا ما اشتهر صلاح الدين بالقسوة والابتعاد عن الشفقة أو الرحمة عند تعامله مع من يغدرون به، فقد كان ذلك طبيعية لسببين: أولهما، التزامه بأسس القيادة التي حددتها الشريعة الإسلامية. وثانيهما، الاستجابة المناسبة لمتطلبات الظروف التي أحاطت بصلاح الدين خلال فترة تاريخية تميزت بما يمكن أن يطلق عليه اسم (انحلال القيم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت