بالسن. ويظهر ذلك أن استخدام العنف عند صلاح الدين كان مقننة بدقة، ومحددة بشكل دقيق وواضح، وهو موجه إلى أكثر الأعداء حقدة وأكثرهم ضررة بالمسلمين، وقد كان لهذا التحديد أثره الثابت في إخضاع الحقد المتطرف الذي حملة الصليبيون معهم إلى قلب العالم الإسلامي.
وقف صلاح الدين في مرتفع حطين، ونظم قواته وحضهم على القتال، ثم أخذ في إدارة المعركة وأصدر أوامره لمعالجة كل موقف طارئ، وكان يحرض
جنوده ويحضهم على الصمود. وعندما غزا الفرنج الإسكندرية، ووصلت الطلائع عند العصر وأعلن عن اقتراب صلاح الدين، عاد المجاهدون للقتال، واندفعوا بحماس حتى كأن صلاح الدين معهم. وعندما استنفر صلاح الدين قوات المسلمين للجهاد من كل الأقاليم، بعث برسائله إلى المسلمين يحضهم على القتال ويحرضهم عليه. وفي مؤتمرات الحرب التي كان يعقدها قبل المعركة، يظهر أسلوب صلاح الدين في الحض على الجهاد، فقد كان يضع في اعتباره أن مرحلة العمر قصيرة، وأن الأعباء كبيرة، وأنه يجب اغتنام كل فرصة للجهاد في سبيل الله، وعدم ترك أعباء الجهاد لإلقائها على جيل المستقبل الذي قد لا تتوفر له فرصة كتلك التي ظهرت في عهده.
جابه صلاح الدين الأيوبي في حياته القيادية أخطارة كثيرة، ليس أقلها التعرض المؤامرات الحشاشين «الباطنية» ، وليس أقلها أيضا مجابهة التعرض للقتل في ميادين القتال، وقد ذكر الفاضل ابن صلاح الدين، بعضا من هذه المواقف يوم حطين (انظر المقدمة) . فهو كالطود لا تهزه الأخطار، وله من إيمانه العميق بقدره ما يعينه على مجابهة أخطر المواقف، ولعل تحرکه من مصر إلى الشام، عندما طلب إليه أهل دمشق، على رأس قوة لا تزيد على سبعمائة فارس في مثل تلك الظروف، حيث الصراع مع الفرنج في ذروته، إنما هو برهان على ما كان ينفرد به صلاح الدين من إرادة صلبه وإيمان راسخ يعينانه على مواجهة الخطر، ولم يكن استهتار صلاح الدين بالخطر وشجاعته في مجابهته يعود إلى نوع من اللامبالاة بقدر ما كان نتيجة للتقويم السليم لهذه الأخطار التي يحتمل ظهورها، والإعداد مجابهتها بما هو مناسب لها، ثم ترك الأمر لما تديره يد القدر من تدبير محكم.