تمتد من برقة، إلى نهر دجلة. ولم يظهر من المسلمين منذ أكثر من قرنين أمير في قوة صلاح الدين، إذ أعتمد على ثورة مصر، وخضعت لحكمه المباشر المدينتان الكبيرتان، دمشق وحلب، وأحاط بهما وامتد صوب الشمال الشرقي
حتى أسوار الموصل، الإقطاعات الحربية، التي اعتمد صلاح الدين على دعم قادتها وأمرائها.
ولفي صلاح الدين دعم الخليفة العباسي ببغداد، وسعي سلطان السلاجقة ببلاد الأناضول (آسيا الصغرى) إلى کسب صداقته، ولم تعد الامبراطورية البيزنطية مصدر خطر له، ولم يتبق له سوي آن بقهر الدخلاء الفرنج الذين صاروا وصمة عار في جبين الإسلام، بتملكهم فلسطين وساحل الشام.
عندما علم «رينالد شاتيون» ، أمير الكرك، بانصراف صلاح الدين إلى الشمال في خريف سنة (1182 ه) ، قام بتنفيذ مشروع طالما جال بخاطره، وهو أن ينزل بالبحر أسطوة، لا يغير فحسب على القوافل البحرية الإسلامية التي تقصد مكة، بل يهاجم أيضا المدينة المنورة ومكة المكرمة.
وتوجه رينالد إلى أيلة الواقعة على رأس خليج العقبة، وحمل إليها السفن التي أعذها من أخشاب جلبها من غابة مؤاب» وجوبها في مياه البحر الميت. وسقطت أبلة في يده بعد أن ظلت في حوزة المسلمين منذ سنة (1170 م) ، غير أن الفرنج لم يستولوا على الحصن الواقع بجزيرة على مسافة قريبة من أيلة (1) .
وأقام رينالد بأيلة لينازل الجزيرة بسفينتين، بينما انطلقت بقية سفن الأسطول پسرها قراصنة محليون، فالتزموا في سيرهم الساحل الإفريقي للبحر الأحمر، وأخذوا يغيرون على كل ما صادفهم في طريقهم من البلدان الصغيرة. فهاجموا ونهبوا أعيذاب»، وهي ميناء كبير للنوبة يقع قبالة مكة، وبها استولوا على سفن تجارية ذاخرة بالسلع، قدمت من عدن ومن الهند. وهبطت إلى البر جماعة هاجمت قافلة ضخمة لا مدافع عنها، كانت قادمة عبر الصحراء من وادي النيل. ثم اجتاز القراصنة البحر الأحمر من عيذاب إلى شبه الجزيرة العربية، فأشعلوا الحرائق في السفن الراسية بالحوراء وينبع (ميناءي المدينة) ، ثم أوغلوا حتى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجزيرة المعروفة عند الفرنج باسم جزيرة غراي (LILe de Graye) وهي جزيرة فرعون.