فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 654

وبعد، فتلك هي أيام صليبية، قاتل فيها المسلمون بقيادة اصلاح الدين الأيوبي، حينا، وبقيادة الزنكيين من قبل والمظفر قطز» و «بيبرسه من بعد، كلها تنتظم بناظم واحد، في منطلقاتها وفي مسيرتها وفي أهدافها. إنها تنطلق من قاعدة الدفاع عن بلاد المسلمين وحمايتها من الغزاة البرابرة، هؤلاء القادمون من الغرب وأولئك الوافدون من الشرق، وهي تسير في اتجاه واحد، وهو اتجاه الاعتماد على القوة الذاتية، وتوفير القدرات للصمود في القتال والاستمرار في الحرب، وكلها تهدف في النهاية إلى تحرير بلاد المسلمين ورفع راية الإسلام.

وقد يصاب المرء بالذهول وهو يطالع تلك الصفحات المشرقة، فالغزاة البرابرة قدموا من الغرب بجموعهم الضخمة لإقامة بناء في أرض المسلمين، والمغول وفدوا من الشرق لتحقيق الهدف ذاته. ورغم قسوة الهجمات المتواقتة في موعدها، فقد استمرت روح الصمود، وقاومت مدن الشام رغم معرفتها بما ستتعرض له من تخريب ودمار، ولم تضعف ولم تستسلم، فهل كان ذلك بفضل القادة الزنكيين أو الأيوبيين أو المماليك أو حتى السلاجقة والأتراك - القبائل الذهبية من المغول؟ ... يقينا لا. فالفضل للمسلمين في بلاد الشام ومصر، إنهم القاعدة الصلبة التي أرغمت كل أولئك القادة على السير في اتجاه التحرير. لقد تخلى العرب المسلمون عن دورهم القيادي، وتركوه لمراكز القوى المتصارعة على القيادات، وركب هؤلاء الموجة.

ولم يكن العرب المسلمون في الشام ومصر يبتغون زعامة أو دورة قيادية، بقدر ما كان يهمهم الوصول إلى الهدف الكبير، وهو الدفاع عن دين العرب، الإسلام، وحماية بلاد المسلمين من الطامعين فيها، ويتأكد ذلك كله من حقيقة واحدة، وهي تبدل مراكز القوى وتنوعها والإبقاء على الهدف ذاته، مما يدل على أن هذا الهدف كان أقوى من القيادات وأقوى من مراكز القوى ذاتها.

وجاء الصليبيون إلى الشام ومصر، بحملون لواء الصليبية، واعتنق كثير منهم الإسلام، وجاء البرابرة والمغول يحملون الوثنية، وخرجوا من بلاد الشام وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت