تلك هي البدايات الأولى لحياة «بيبرس القيادية، وهي بدايات حافلة بالمتناقضات، تلتقي فيها قيم الوفاء بالغدر، والعبودية بالحرية. وقد يكون من الصعب تقويم فضائل تلك الفترة بمفاهيم العصر الحديث، فقد كان الوصول إلى مراكز القوة في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي قائمة على المفاهيم الماكيافيلية، بكل ما فيها من وسائل غير مشروعة للوصول إلى أهداف مشروعة. وهكذا كان بيبرس صورة لعصره، ولا يضيره في ذلك ما تميزت به المرحلة الأولى من حياته، من غدر وتآمر.
أما الناحية الأخرى، وهي الانتقال من العبودية إلى الحرية، فقد كانت قضية شائكة؛ إذ تعتبر الحرية والعقل شرطان في جملة الشروط الأساسية لمن يتولى شؤون المسلمين، ولكن نظام العتق من الرق والذي جاء به الإسلام، يشر الحل على فقهاء المسلمين، فتم بيع بيبرس وإعتاقه، وأصبح باستطاعته ممارسة دوره في قيادة المسلمين وحكمهم.
ما أن استولى بيبرس على السلطة حتى وجد أمامه مجموعة من الأعمال الكبيرة، وكان عليه قبل كل شيء أن يوطد مركزه، باعتباره حاكمة تقرر الاعتراف به سلطانة في مصر بدون أية معارضة أو مقاومة. ولكن حدث أن استولى على السلطة في دمشق أمير آخر من أمراء المماليك هو «سنجر الحلبي» ، وكان سنجر مقبولا في دمشق، وفي الوقت ذاته ظهر خطر المغوليين الذين قاموا بالهجوم على حلب، غير أن أميري حمص وحماه الأيوبيين أنزلا الهزيمة بالمغول، فزحف بيبرس على دمشق، وانتصر على جيش سنجر يوم (17) كانون الثاني - يناير سنة (1291 م) .
ومع أن سكان دمشق حاربوا في جانب سنجر، إلا أن بيبرس استطاع قمع مقاومتهم، ثم مضى لمعالجة أمر الأيوبيين، فبذل الوعود الأمير الكرك وحمله على الخضوع إليه، وبذلك تمكن من التخلص منه. أما الأشرف (أمير حمص) ، فقد سمح له بيبرس بالبقاء على حكمها، حتى إذ توفي سنة (1293 م) ، أضافها إلى مناطق حكمه المباشر، ولم يحدث إلا في حماه وحدها أن استطاع، من فروع الأسرة الأيوبية، البقاء في الحكم لمدة ثلاثة أجيال أخرى، ولو أن هذا الفرع بقي خاضعة لمراقبة المماليك القوية والمحكمة