وأراد بيبرس أن يجعل لحكمه سند شرعية (ديني) ، فجاء إلى القاهرة جماعة من البدو وبصحبتهم رجل أسود البشرة اسمه «أحمد» ، فأعلنوا أنه ابن عم الخليفة الذي قتله هولاكو، فناداه بيبرس على أنه الخليفة، بعدما تحقق من نسبه، غير أنه جرده من كل سلطة مادية.
ولم يلبث «أحمد» ، الذي صار يعرف بالحاكم، أن جرى تسييره إلى بغداد الاستردادها من أيدي المغول، وهناك لقي «أحمد» مصرعه أثناء محاولته التي لم تلق إلا مساندة ضئيلة من بيبرس، وارتقى أبنه هذه الخلافة الاسمية، وبقي هذا الفرع الذي يمثل الشرعية (العباسية قائمة في مصر طوال حكم المماليك، إلا أنه لم يكن له من الأمر شيء.
كان على بيبرس بعد ذلك الانصراف لانزال العقاب بأولئك الذين تعاونوا مع المغول من المسيحيين، وفي طليعتهم هيثوم، ملك أرمينية، وابوهمند» أمير أنطاكية، اللذين خطهما بيبرس بغضبه وكراهيته، فأرسل في أواخر فصل الخريف من سيئة (1291 م) جيشا للسيطرة على حلب، بعد أن أعلن أميرها، من المماليك، العصيان، وشن غارات واسعة النطاق على أملاك أنطاكية.
وتجددت الإغارات في الصيف التالي، وتعرض ميناء السويدية للنهب، وجرى تهديد أنطاكية ذاتها؛ غير أن «هيثوم» استنجد بهولاكو، ثم وصل بقوة مؤلفة من المغول والأرمن في الوقت المناسب لإنقاذ أنطاكية.
وإذ ظلت سلطة المغول في شمالي سورية من القوة ما يكفي لتهديد بيبرس، فقد لجأ هذا إلى الدبلوماسية، وحدث وقتذاك أن جهر قائد القبيلة الذهبية «بركة خان» بالإسلام، وأعلن استعداده للتحالف مع بيبرس. وأفاد أحد سلطاني السلاجقة بالأناضول وأسمه اکيکاوس» من دعم زعيم القبيلة الذهبية وبيبرس للعودة إلى بلاده واستعادة حكمه، الذي حرمه منه ما سبق حدوثه من تحالف بين المغول والبيزنطيين، وبين شقيقه قلج ارسلان، فهرب إلى بلاط خان بركة واستنصره لاستعادة حكمه المسلوب، فنصره.
وحدث في تلك الفترة أيضا أن ظهر زعيم تركماني قوي في جنوبي شرقي نونية اسمه «فرمان» ، فتم الاتفاق معه حتى يقوم بضغط مستمر على الأرمن؛ وبرهن بيبرس بذلك على أنه دبلوماسي ماهر بقدر ما هو مقاتل شجاع
أصبح باستطاعة بيبرس بعدئذ تركيز جهده لمعالجة الصليبيين (الفرنج) بالشام، وكان قد استقبل في نهاية سنة (1291 م) وفدا يضم کونت يافا (يوحنا)