فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 654

تتطلبه الحرب من وقود بما يتناسب وحجم هذه الحرب. وتظهر مسيرة الأحداث حرص قادة المسلمين باستمرار على زج ما هو ضروري من القوى والوسائط مع الاحتفاظ بالقدرة الكامنة لضمان توافر القوى من أجل الاستمرار في الصراع.

وهكذا، فقد كان جهد الفرنج لإلقاء أثقال جديدة في ميادين الصراع يقابل من قادة المسلمين بإلقاء أوزان أو أثقال معاكسة للمحافظة على التوازن في القوى، ولكن الاحتفاظ بالقوى من خلال تطبيق مبدأ الاقتصاد بالقوى لم يكن هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على التوازن، وإنما هو إحداها. وكانت الوسيلة الأكثر فاعلية، لتحقيق مبدأ الاقتصاد بالقوى، هي استنزاف قدرات العدو وإضعافها عن طريق إدارة الحرب بكفاءة، كالهجوم القوي على النقاط الضعيفة وتجنب الخوض في معارك باهظة الثمن، ويظهر ذلك بوضوح في عمليات كثيرة تم خلالها تجنب الهجوم على المواقع المحصنة أو الإغارة على المواقع الهامة، والتي تتوفر فيها إمكانات النصر بما يعادل ثمن الحرب.

لم تكن الهجمة الصليبية مجرد حملة عسكرية، وإنما كانت حربا ضد الفكر الإسلامي والدين الإسلامي، وكانت حملة المغول عاصفة مدمرة للوجود الإسلامي، ولقد بذلت جهود كثيرة على امتداد صفحة الحروب الصليبية الطويلة الحرف المسلمين عن أهدافهم، وإبعادهم عن مواقع صمودهم، ولكن عناد المسلمين وإيمانهم بقي ثابتة ولم يتزعزع. وكما حاول قادة الصليبيين كرف الجماهير من المسلمين عن أهدافهم، فقد حاولوا حرف قادة المسلمين عن أهدافهم العسكرية، ولكن هذه المحاولات لم تحقق بدورها أي نجاح، يظهر ذلك بوضوح في عمليات الصراع السياسي التي تركزت على تحقيق مكاسب بالطرائق الدبلوماسية عجزت عن تحقيقها القوات العسكرية، ويظهر ذلك في محاولات اجتذاب قادة المسلمين إلى معارك في غير صالحهم، فكان هؤلاء القادة يمضون إلى أهدافهم وفقا لمبادأتهم، وبحسب ما تفرضه مصلحة المسلمين.

وتبرز هنا العلاقة الجدلية التي كانت قائمة بين جماهير المسلمين وقادتهم، فكان التزام جماهير المسلمين بأهدافهم يدعم مواقف قادتهم في المحافظة على الهدف، بقدر ما كان تمشك القادة بالهدف والمحافظة عليه بدعم إيمان الجماهير، ويزيد من ثقتها بحتمية انتصارها ووصولها إلى هدفها. وكانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت