الداوية، أشعث الشعر تنزف دماؤه وهو يركض بحصانه ويصيح بأعلى صوته بما حل من فاجعة كبيرة مروعة. وفي تلك اللحظة شهد «ريموند» بطبرية جند المسلمين (المماليك راكبين في طريق عودتهم إلى بلادهم، وقد التزموا بالعهد، إذ جرى كل شيء على وجه سليم قبل حلول الظلام ولم يلحقوا ضررة بأي بناء في الإقليم، غير أن فرسان المسلمين في المقدمة رفعوا على أسنة رماحهم رؤوس الفرسان الداوية.
أما قصة هؤلاء الداوية والفرسان فتتلخص في أنه ما أن وصلتهم رسالة ريموند» التحذيرية في مساء 30 نيسان - أبريل، حتى أسرع مقدم الداوية الاستدعاء فرسانه من الجهات المجاورة للحاق به في الغولة، ثم تقدم في تسعين فارسة كانوا برفقته فنزل بقرية «قاقونه على مسافة خمسة أميال من الغولة. وفي صبيحة اليوم التالي ركب الحشد إلى الناصرة حيث انضم إليهم أربعون فارس علمانية، وطاف قائد الداوية بأهل الناصرة يعلمهم أن المعركة وشبكة الوقوع، وما عليهم إلا أن يقدموا لجمع الغنائم. وبينما كان الفرسان يجتازون التل الواقع وراء الناصرة شهدوا المسلمين يوردون خيولهم عيون کريزون (الواقعة قرب حطين ما بين صفورية وكفر كتة) .
وفي الوادي الواقع أسفل التل، وعند رؤية هذه الأعداد الضخمة حدث حوار بين مقدم الأسبتارية «جيمس مايللي» ومقدم الداوية «جيرار» . وإذ استبد الغضب بجيرار خاطب قائد الأسبتارية بازدراء وهو يقول له في زراية: «إن تعلقك براسك الأصهب بلغ من القوة ما جعلك تحرص على ألا تفقده» . فرد عليه هذا بكبرياء: سوف أموت في المعركة رجلا باس، أما أنت فسوف تلوذ بالهرب شأن كل خائن». وإذ اشتدت ثائرة الداوية لما لحق جيرار من إهانات، حملوا على المماليك المسلمين، وحدثت مذبحة لا معركة، وكان رأس مقدم الأسبتارية - الأصهب - بينها، ولقي كل فرسان الداوية مصرعهم ما عدا ثلاثة، كان جيرار أحدهم. أما الفرسان العلمانيون فوقعوا في الأسر أحياء، وكذلك سكان الناصرة النهمين الذين خرجوا بحثا عن الغنائم التي وعدهم بها مقدم الداوية حيث تم تطويقهم وسوقهم إلى الأسر.
واجتمع وفد بيت المقدس بكونت طرابلس «ريموند» ، فأنكروا عليه انتماءه إلى صلاح الدين وقالوا له: لا شك أنك أسلمت، وإلا لم تصبر على ما فعله المسلمون أمس بالفرنج، يقتلون الداوية والأسبتارية ويأسرونهم ويجتازون بهم