بذلها صلاح الدين لإنقاذ المدينة الصامدة، فقد استطاعت القوات الصليبية اقتحام المدينة يوم (12 تموز - يوليو 1191 م) بعد حصار أستمر أكثر من ثلاثة أعوام، وبدأت بعد ذلك المفاوضات لتسليم الأسرى. وعند هذه المرحلة أعلن ملك فرنسا فيليب أغسطس، عن رغبته بالعودة إلى بلاده بعد أن أدى واجبه في الاستيلاء على عكا، وتعهد بترك قواته في فلسطين وتولى ريتشارد المفاوضات، وهو إذ عمد إلى المماطلة، وأفاد من تأخر رد صلاح الدين على شروطه، قرر إجراء مذبحة في المسلمين، وأمر يوم (20 آب. أغسطس) بذبح سبعمائة وألفي أسير من الذين بقوا على قيد الحياة من حامية عكا، «فاشتدت حماسة عساکره للقيام بهذه المجزرة، وقد حمدوا الله لما ها لهم من فرصة ... ولقيت زوجات الأسرى وأطفالهم مصرعهم إلى جوارهم، ولم يبقوا على حياة أحد، سوى بعض الأعيان وبعض الرجال الأقوياء للإفادة منهم في أعمال السخرة. وشهد المسلمون المرابطون في أقرب المعاقل إلى عكا ما قد حدث، فاندفعوا لإنقاذ ذويهم، وعلى الرغم من أنهم ظلوا يقاتلون حتى حلول الظلام، فإنهم لم يستطيعوا الوصول إليهم، ولما انتهت المذبحة غادر الإنكليز البقعة بما تناثر عليها من الجثث المشوهة، وأضحي بوسع المسلمين أن يقدموا للتعرف على شهدائهم (1) .
ومضى اريتشارده بعد ذلك يقود قوات الصليبيين في محاولة لاستعادة بيت المقدس، فغادر عكا يوم الخميس (22 آب - أغسطس 1191 م/587 ه) ، في حين كان صلاح الدين يعسكر في «شفر عم» التي تتحكم في الطريقين الرئيسيين الممتدين من الساحل، فيتجه أحدهما إلى طبرية ودمشق، بينما يجتاز الطريق الثاني الناصرة إلى بيت المقدس، غير أن ريتشارد سار إلى الجنوب والتزم الطريق الممتد على الساحل، حيث يلقى جناحه الحماية من قبل البحر والأسطول. وسار صلاح الدين في خط مواز لتحرك الصليبيين، وحاول اختيار موقع المعركة المقبلة، فوقع اختياره على سهل أرسوف»، وهناك دارت المعركة يوم (7 أيلول - سبتمبر 1191 م) ، إلا أن قوات صلاح الدين لم تحرز النصر، وكانت هذه النتيجة انتصارة للملك ريتشارد والصليبيين الذين لم يتكبدوا فيها خسائر فادحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الحروب الصليبية، ارنسيمان»، (109/ 3، 107) .