الإطار ذاته تم تنفيذ الأعمال القتالية ضد قوات الفرنج، الذين كانوا يحاولون القيام بهجمات مباغتة كلما وصلتهم قوات دعم جديدة، مثل حملة ولدي ملك أراغون سنة 1299 م، وحملة القوات الإنكليزية بقيادة ولي عهد إنكلترا الأمير
إدوارد» في سنة 1271 م، كما أن هجوم الظاهر بيبرس» في بلاد الأناضول سنة (1277 م) لم يكن أكثر من هجوم وقائي هدفه توجيه جهد المغول نحو هذه المنطقة، ووقاية بلاد المسلمين في الشام من هجمات جديدة. ولقد كان هدف التحرير في قلب استراتيجية الهجمات الوقائية. ومن هنا، فقد كانت هذه الاستراتيجية مركبة وليست بسيطة تحقق هدف مزدوجة، الأول منع أعداء المسلمين، الفرنج والتتار، من تصعيد أعمالهم العدوانية على بلاد المسلمين، وانتزاع ما يمكن انتزاعه من قلاع ومدن في إطار التحرير الزاحف.
ويمكن في هذا المجال الإشارة إلى جهد البحرية المصرية ومحاولاتها المستمرة لاعتراض سفن الإفرنج كوسيلة في جملة الوسائل التطبيقية الاستراتيجية الهجمات الوقائية؛ إذ إن تدمير القوات في البحر كان نوعا من التدابير الوقائية الإضعاف الفرنج، وكذلك الأمر بالنسبة لإغارات القوات البحرية المصرية على قبرص التي تحولت أثناء الحروب الصليبية إلى قاعدة متقدمة لحشد قوات الإفرنج.
قد يكون من المناسب هنا الإشارة إلى أن أمراء الصليبيين وقادتهم قد طبقوا هذه الاستراتيجيات في ظروف متباينة، ولكن مهارة الصليبيين تجلت بصورة أفضل في طرائقهم التعبوية - التكتيكية - كتنظيم أعمال الحصار والدفاع عن الحصون والقيام بالإغارات، في حين أظهر قادة المسلمين تفوقا واضحا في أفق السياسة الاستراتيجية وفي إدارة الحرب على مستوى العمليات، ما ضمن اللمسلمين الشروط المناسبة لتحقيق أهدافهم النهائية.