الفصل الثاني
في بيان المقاصد للصلاة
ونعني بالمقاصد: فروضها وأركانها، وجملتها فروض عشرة: النية والتكبيرة والقراءة والقيام والركوع والإعتدال منه مع الطمأنينة فيهما والسجود والقعدة بين السجدتين مع الطمأنية والتشهد الأخير والقعود فيه والصلاة على الرسول والتسليمتان. ونحن نذكر كل واحد من هذه الفروض ونذكر ما يختص كل واحد منها بمعونة الله.
القول في النية: والإجماع منعقد على وجوبها في الصلاة إلا عن شذوذ نذكرهم في الفرع الثالث، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين"} [البينة:5] . والإخلاص هو نية العبادة خالصة لله تعالى. وقوله: (( الأعمال بالنيات ولكل امرءٍ ما نوى") ). وفي حديث آخر: (( لا قول إلا بعمل"ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة ) )."
واعلم أنه قد أشار في هذا الحديث إلى قواعد الإيمان وهي ثلاثة:
القاعدة الأولى: إحراز الاعتقادات الدينية بتحصيل المعارف الإلهية وهذا نحو العلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه، ونحو العلم بصدق الرسول فيما جاء به من أمور الديانة.
القاعدة الثانية: الإقرار بالشهادتين وبصحة ما جاء به الرسول من أمور الدين وأحكام الآخرة فإن هذه الإقرارات أصل في كمال الإيمان؛ لأن في الإقرار بها إحراز الرقبة عن القتل وإحراز الأموال عن الأخذ والسحت.
القاعدة الثالثة: العمل بتأدية هذه الأفعال التي ورد بها الشرع ودل على وجوبها العقل من العبادات وغيرها فمتى حصلت هذه القواعد فقد كمل الإيمان، فأشار إلى أن القول غير نافع إلا بانضمام العمل إليه وأن القول والعمل غير نافعين إلا بانضمام النية إليهما وأن الأقوال والأفعال والنيات غير مجزية إلا بإصابة السنة. والغرض بإصابة السنة: هو اعتقاد ( [1] )
أن كل ما جاء به الرسول فهو حق وصدق. وهذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في حقيقة النية وجنسها.
أما حقيقتها فهي: الإرادة المقارنة التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه.
فقولنا: هي الإرادة، عام في سائر الإرادات.
وقولنا: المقارنة، نحترز عما تقدم من الفعل من الإرادات فإنه يكون عزمًا ولا يكون نينة، والعزم مخالف للنية.
وقولنا: التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه، لأن هذا هو حكم النية وثمرتها والذي يؤتى بها لأجله ولهذا فإن السجدة الواحدة يمكن إيقاعها للصنم ويمكن إيقاعها لله تعالى ولا تميزها لأحدهما إلا النية، وهكذا حال الصلاة وجميع العبادات فإنه لا يمكن إيقاعها على جهة القربة والإخلاص لله تعالى إلا النية، ولهذا أشار إلى ما قلناه بقوله: (( لا قول ولا عمل إلا بنية ) )فنفى على جهة العموم أنه لا ثمرة للقول والعمل إلا بواسطة النية، وإعمالها في الأقوال والأعمال وأنها هي العمدة في إيقاع الأفعال على الوجوه المختلفة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تأثير مطلق الإرادة في وجوه الأفعال من كونها حسنة وقبيحة وكون الكلام أمرًا ونهيًا وخبرًا. وأن النية مختصة من بين سائر الإرادات بالتأثير في كون الأفعال عبادة وقربة وخالصة لوجه الله تعالى.
وأما جنسها: فهي نوع مخصوص مخالف للعلم والظن والاعتقاد؛ لأن الاعتقاد ربط القلب على معتقده سواء كان معتقده مطابقًا أو غير مطابق فلا بد من الجزم بالاعتقاد.
وأما الظن فهو تغليب بالقلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز.
فقولنا: ظاهري التجويز: نحترز به عن اعتقاد التقليد فإن المقلد وإن كان يعتقد خلاف ما هو عليه لكنه ليس ظاهرًا لأجل التصميم على ما هو عليه وإنما هو أمر خفي، يخلاف محتملي الظن فإنهما ظاهران، والظن ترجيح أحدهما على الآخر مع ظهورهما.
وأما العلم فهو اعتقاد مع سكون النفس واطمئنان القلب على معتقده، فحاصله أنه جزم مع سكون لا يتطرق إليه تجويز ولا احتمال بحال.
وأما الإرادة فهي مخالفة لهذه الأجناس الثلاثة في حقيقتها وفي تأثيرها كما أشرنا إليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ولو صلى الظهر وهو عالم بأنه ظهر فإنه لا يجوز أن يقال إن ذلك نية لأن العلم من جنس الاعتقاد. وهذا الكلام نشير به إلى ما لخصناه من كون النية مخالفة للعلم والظن والاعتقاد وأنه لا يؤثر في كون العبادة عبادة وقربة وخالصة لله تعالى إلا النية، وذكر الصلاة ليس نية فيها. وحكى المؤيد بالله أن بعض الناس ( [2] )
قال: إذا كان ذاكرًا لما يفعله فهو نية. ذكره في (الزيادات) . قال: وهذا غير صحيح وإنما كان فاسدًا لأن الذِّكرُ هو تجدد العلوم بما كان غافلًا عنه، وقد قررنا أن النية مخالفة للعلوم والاعتقادات. والنية مخالفة للكلام، وعلى هذا فاللفظ باللسان مجردًا لا يكون نية، فإن نوى بقلبه وتلفظ بالنية بلسانه أجزأه، وإن نوى بقلبه ولم يلفظ بلسانه كان مجزيًا له وكان أفضل من الأول لأن الكلام بين الإقامة والتكبير يكره وإن لفظ بلسانه بالنية دون قلبه لم يكن مجزيًا له لفقد النية التي اعتبرناها وكما أن النطق بالنية غير معتبر فهكذا تصور الحروف بالقلب وترتيبها في الذهن غير معتبر أيضًا من جهة أن النطق بالحروف لما كان غير معتبر في النية بصريحه، فهكذا حال تصور الحروف غير معتبر أيضًا لأنها تابع للنطق، ومحل النية القلب لأنه من جملة أفعال القلوب كالعلوم والاعتقادات والظنون ولأنها مؤثرة في الإخلاص والإخلاص إنما يكون بالقلب.
الفرع الثاني: النية هل تكون ركنًا من أركان الصلاة أو تكون شرطًا كاستقبال القبلة وستر العورة؟ فيه لأصحاب الشافعي طريقان:
الطريق الأول: أنها ركن من أركان الصلاة وهذه طريقة أهل بغداد.
الطريق الثاني: أنها شرط من شروط الصلاة وهذه طريقة أهل خراسان لأنها لو كانت ركنًا لافتقرت إلى النية كسائر الأركان.
والمختار على مذهبنا وعليه الجلة من أصحاب الشافعي: أنها ركن بل هي أجلُّها وأعظمها ولا تنصلح الصلاة إلا بها وإنما لم تكن النية مفتقرة إلى نية لأمرين:
أما أولًا: فلانعقاد الإجماع على أنها غير مفتقرة إلى النية.
وأما ثانيًا: فلأن النية إرادة مخصوصة تقصد لايقاع الأفعال على أوجهٍ مخصوصة، والإرادة لا تراد، إذ لا فائدة في إرادتها، والصلاة إنما تكون مفتقرة إلى نية في ابتدائها ولا يضر عزوبها بعد انعقادها في أولها، فلو نوى المصلي في صلاته قطعها والخروج منها مع كونه متلبسًا بها فهل تبطل صلاته بهذه النية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته لا تبطل بمجرد نية الخروج إذا لم يفعل فعلًا يفسدها ويبطلها لكنه يبطل ثوابها عند الله تعالى، وهذا هو رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن حقائق هذه الأفعال موجودة وصورها ثابتة مع وجود نية الخروج منها، ولهذا فإن من قرأ القرآن ونوى به أنه غير قارئ، وهكذا من حج وصام وصلى وجاهد ونوى أنه غير فاعل لهذه العبادات فإنه لا يكون خارجًا عن فعلها بمجرد هذه النية، فهكذا في الصلاة لا يكون خارجًا عنها ولا مبطلًا بمجرد نية الخروج عنها.
المذهب الثاني: أن مجرد نية الخروج يكون مبطلًا لها، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة عبادة تفتفر إلى النية فيجب أن تكون نية الخروج منها مبطلًا لها كالوضوء.
والمختار: ما عول عليه الأئمة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو قوله: (( لا يقطع الصلاة شيء" ) ). فيجب بحكم العموم أن لا تكون منقطعة بهذه النية."
ومن وجه آخر: وهو أن المصلي غير داخل في الصلاة بمجرد النية فيجب أن لا يكون خارجًا عنها بمجرد نية الخروج عنها، وقد وافقنا الشافعي على أن نية الخروج من الصوم لا تكون مبطلة له والتفرقة بينه وبين الصلاة هو أن حقيقة الصوم راجعة إلى الكف عن المفطرات وليس له عقد وتحلل ولكنه ينتهي بغروب الشمس مع الكف عما يفطر.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الصلاة عبادة تفتقر إلى النية فنية الخروج منها يجب أن تكون مبطلة لها كالوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الوضوء وصلة، والصلاة هي المقصود فلا يلزم إذا كانت نية الخروج مبطلة للوضوء أن تكون مبطلة للصلاة لافتراقهما.
وأما ثانيًا: فإن الوضوء يتعين فعله لأجل الصلاة بدليل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَة"} [المائدة:6] . فلهذا كان صرفه عما عين له مبطلًا له بخلاف سائر العبادات من الصلاة والصوم والحج فافترقا. نعم لو علق نية الخروج من الصلاة بدخول شخص أو خروجه فهل تبطل الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:"
أحدهما: البطلان لأن هذا الشرط يبطل الجزم بالصلاة ويقطع الاستمرار عليها.
وثانيهما: أنها لا تبطل، وهذا [هو] المختار لأنه مستمر في الصلاة ولسنا على قطع في وقوع الدخول والخروج فلهذا لم تكن باطلة بهذه النية.
الفرع الثالث: قد ذكرنا من قبل أن النية جنس الإرادات وأنها إذا تقدمت فهي عزم، وإن قارنت الفعل فهي قصد، وإن أثَّرت في وجوه الأفعال فهي نية، فإذا تقرر ذلك فهل تكون واجبة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن فقهاء الأمة الشافعية والحنفية والمالكية لا يختلفون في ذلك ولم يحك الخلاف في وجوب النية في الصلاة عن أحد من العلماء من الصدر الأول من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى أن نبغ الخلاف من هؤلاء المخالفين ( [3] ) .
والحجة على ذلك: ما قررناه من الآية والأخبار التي رويناها فإنها دالة على وجوبها، ثم [إن] الإجماع في كل وقت من جهة العلماء فيه دلالة كافية على الوجوب وهي من الأدلة الشرعية المعتبرة في تقرير الأحكام الشرعية.
المذهب الثاني: محكي عن الأصم وإسماعيل بن عُلَّيه ( [4] ) فإنهما زعما أن النية غير واجبة وأن الذكر في الصلاة غير واجب وإنما الواجب ليس إلا الأفعال كالقيام والقعود والركوع والسجود.
والحجة على ما زعموه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا""} [الحج:77] .
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بهذه الأفعال الشرعية في العبادة ولم يوجب غيرها من النية وسائر الأذكار في الصلاة فلهذا كان الوجوب مقصورًا عليها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من إيجاب النية والذكر في الصلاة. وسنقرر وجوب الأذكار في الصلاة في مواضعها اللائقة بها، وأما النية فقد دللنا عليها بالآية والخبر فلا فائدة في تكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من أوجه ثلاثة:
الجواب الأول: أن هذه الآية ( [5] )
وإن دلت على وجوب هذه الأفعال فقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على وجوب النية وسائر الأذكار فليس في الآية ما يدل على أنه لا واجب في الصلاة إلاَّ ما دلت عليه الآية فيلزم ما قالوه.
الجواب الثاني: أن الإجماع منعقد من جهة علماء الشريعة أهل الحل والعقد من أئمة العترة وفقهاء الأمة، على بطلان هذه المقالة وأن خلافهم ساقط للإجماعات السابقة لهم من الصدر الأول إلى أن نبغ الخلاف منهم ثم الإجماعات اللاحقة بعدهم على سقوط مقالتهم وبطلانها.
الجواب الثالث: أن من هذه حاله في الغباوة والجهل بمقاصد الشريعة وعلومها لا يعتد بخلافه بل يكون من جملة العوام الذين لا عبرة بكلامهم ولا يعتد كلامهم، وإذا كان نفاة القياس لا يُعَدُّون من علماء الشريعة المطلعين على أسرارها والمتبحرون في علومها لإنكارهم القياس وإنما تعويلهم على الظواهر القرآنية والأخبار المروية فهؤلاء الذين نفوا الأذكار أدخل منهم في الغباوة وأكثر جرأة في الإنكار لما ظهر أمره في الصلاة واشتهر حاله.
الفرع الرابع: في وقت النية، وهو وقت التكبير وفيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز المخالطة بالنية للتكبير، وجواز التقديم على التكبير إما بأوقات يسيرة كما ذكره المؤيد بالله، وتقديره: إما بقدر عطاس أو سعال يعرض قبل التكبير، وإما بأوقات كثيرة كما ذكره السيد أبو طالب، ومقداره: ألاَّ يحول بينها وبين التكبير قول أو فعل ليس من الصلاة فلا بأس بقدر التوجه، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله والسيد أبي طالب. فأما أبو حنيفة فقد حكى عنه الطحاوي وجوب المقارنة للتكبيرة وكان الجصاص ينكر ذلك ويقول: أن مذهبه جواز التقديم؛ فإذن الظاهر أن مذهبه كمذهبنا في جواز التقديم والمقارنة.
والحجة على ذلك: قوله: (( الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى" ) ). فاقتضى ظاهر هذا الخبر أن النية متى وقعت على منويها كانت مطابقة ولم يفصل بين أن تكون مقارنة له أو متقدمة عليه."
المذهب الثاني: أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده ولكن تكون مخالطة للتكبير، وهذا هو رأي الشافعي ويقع على أوجه ثلاثة:
أولها: أن يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره.
وثانيها: أن تقترن النية بالهمزة. وهل يشترط استدامتها إلى آخر التكبير أم لا؟ فيه وجهان.
وثالثها: أن يكون المصلي مخيرًا بين البسط للنية على التكبير وبين تقديم النية.
والحجة على هذا: هو أن النية من حقها أن تكون مطابقة لمنويها ولا تعقل المطابقة إلا إذا كانت على وفق منويها من غير تقدم لأوله ولا تأخر عن آخره.
المذهب الثالث: وجوب تقديم النية على المنوي، وهذا هو المحكي عن داود.
والحجة على هذا: هو أن النية إذا كانت متقدمة على منويها كان محرزًا لأن لا يمضي شيء من التكبير من غير نية. فهذا تقرير المذاهب.
والمختار: تفصيل نشرحه ونشير إليه، وحاصله: أن النية حضرة في القلب يحصل فعلها على القرب تؤثر في كون المنوي قربة وعبادة وظهرًا وأداءً. وهذا أمر يحصل على القرب والسهولة، ولقد عرفنا من حال صاحب الشريعة صلوات الله عليه، ودأب الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم، التساهل في أمرها حذرًا عن المشقة وميلًا عن استدعاء الشكوك وبعدًا عن الوسوسة، وكان من عادتهم أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة. أمرهم بتسوية الصفوف ثم أقبل إلى محرابه وكبر على الخفة وكبر المسلمون خلفه على أسرع ما يكون وأقرب، وفي هذا دلالة على التساهل في حال أمر النية وبناء الأمر على الخفة فيها، سواء كانت مخالطة للتكبير أو متقدمة عليه، فالأمر فيها مبني على التيسير والسهولة. وإلى ما ذكرناه يشير كلام أئمة العترة إذا تصفحت كلامهم في مصنفاتهم وجدتها مبنية على الإنشراح من غير اشتراط مشقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالف ما ذكرناه.
فنقول: اشترط الشافعي أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده وتكون مخالطة للتكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره أو تكون النية مقترنة بالهمزة ويشترط إدامتها إلى آخر التكبير أو يكون المصلي مخيرًا بين البسط وبين التقديم على ما أثر من اختلاف أقواله في وقت النية.
قلنا: النية من أعمال القلب وفعلها يحصل على القرب والسهولة وتأثيرها فيما ذكرناه في كون الصلاة عبادة وقربة وظهرًا وأداءً. وهذا أمر يسهل تحصيله بالتقدم والمخالطة من غير حاجة إلى اشتراط ما ذكره من انطباق أولها على أول التكبير وآخرها على آخره وأنها لا تكون قبل التكبير ولا بعده، فما هذا حاله فيه صعوبة وعسرة وربما أورث الوسوسة وحصول الشك وتغير الحالة وكان شاغلًا للقلب عن الإقبال والخشوع، ولقد رأينا من أغرق في ملاحظة الإنطباق وأن النية لا تتقدم ولا تتأخر حتى خرج إلى البدعة في تكرير التكبيرات الكثيرة والخروج إلى اللحن بمدها وتطويلها حتى أخرجها عن قانونها الشرعي الذي أشار إليه صاحب الشريعة صلوات الله عليه بقوله: (( التكبير جزم والتسليم جزم" ) ). وأراد: أنه يكون قطعًا وحتمًا من غير مدٍ فيه ولا تطويل."
وما قاله داود أيضًا من اشتراط التقدم للنية على التكبير لا وجه له ومقصوده المحاذرة عن أن يمضي جزء من التكبير من غير مصادفة النية فلا تكون الصلاة مجزية.
قلنا: الأمر كما يحصل بالتقدم بأوقات يسيرة فهو حاصل بالمخالطة فلا وجه لإيجاب التقدم فالإجزاء حاصل بهما جميعًا فيبطل اشتراط التقدم كما زعم. فتنخل من مجموع ما ذكرناه: أن وقت النية التكبير، وأن الإجزاء يحصل بتقدمها ومخالطتها على أيسر حال وأسهله من غير تعمق ولا تعسير كما لخصناه.
الفرع الخامس: في بيان كيفية النية، ويشتمل على أحكام [عشرة] نفصلها:
الحكم الأول: اعلم أن النية تتعلق بالفرض والنفل. فأما الفرض فالنية المجزية في إسقاطه عن الذمة: أن ينوي المصلي بالصلاة ظهرًا أو عصرًا فيخرج بنية الظهر عن العصر وعن النفل، ولا يحتاج في كونه مجزيًا إلى نية الفرضية ولا إلى نية الإضافة إلى الله تعالى ولا إلى نية عدد الركعات. وأما النفل فرواتب الصلاة لا بد فيها من التعيين نحو سنة الظهر وسنة المغرب، وأما غير الرواتب فلا بد من الإضافة إلى أسبابها نحو صلاة الكسوف وصلاة الإستسقاء وصلاة الرغائب وصلاة شعبان، فإذا كانت مبتدأة لا سبب لها فإنه يكفي فيها نية الصلاة مطلقًا.
قال الإمام المؤيد بالله: النية ضربان:
نية تسقط بها العبادة عن الذمة وهي التي لا يحفظ الخلاف في أن القدر الكافي منها أن ينوي الصلاة ظهرًا أو عصرًا.
ونية يحرز بها الفضل وزيادة الأجر نحو أن ينوي بالصلاة مصلحة في الدين وقربة إلى الله تعالى واعترافًا بعظمته وجلاله.
ثم اختلف أصحاب الشافعي فيما يجب اشتراطه في النية وما لا يشترط على مذاهب خمسة:
أولها: أنه لابد من اشتراط نية الأداء في كون الصلاة مجزية، وهذا هو رأي الشيخ أبي حامد الغزالي. وهو غير لازم لأمرين:
أما أولًا: فلأن ما هذا حاله فلا تأثير للنية فيه فإنه إذا أدَّى الفريضة في وقتها نوى أو لم ينو.
وأما ثانيًا: فلأن قرينة التأدية في الوقت كافية في الأداء فلا يحتاج إلى شرطه.
وثانيها: نية الفريضة، وهذا هو رأي المروزي. وهذا أيضًا غير لازم لأن نية كونها ظهرًا كافية في الفرضية لأن الظهر لا يكون إلا فرضًا فلهذا لم يكن مفتقرًا إلى نية الفرضية.
وثالثها: نية عدد الركعات، وما هذا حاله فهو غير لازم فإنه إذا أدَّى الظهر أربع ركعات فإنه يكون أربعًا، نوى أو لم ينو، وإن صلاها ثلاثًا ونواها أربعًا لم تكن أربعًا، وفي هذا دلالة على أنه لا تأثير للنية في عدد الركعات.
ورابعها: نية استقبال القبلة. فمنهم من اشترطه، وهو غير لازم أيضًا فإن ما هذا حاله لا تأثير للنية فيه.
وخامسها: إضافة العبادة إلى الله تعالى، فمنهم من اشترطها [وهو] غير لازم أيضًا فإن الإيمان بالله كافٍ في هذا الشرط فإن المصلي إذا كان مؤمنًا فصلاته لله وعبادته له فلا وجه لاشتراطه.
وذكر الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني في كتابه (البيان) : أن الإرادة ليست من قبيل الكلام وإنما هي من قبيل الاعتقاد، وهذا خطأ فإنا قد أوضحنا فيما سبق أن النية من قبيل الإرادات وأنها مخالفة في حقيقتها للاعتقاد والظن والعلم. وإنما أُتِيَ في هذه المقالة من جهة أنه لم يأنس بشيء من المباحث الكلامية فلهذا لم يميز بين الاعتقاد والإرادة.
الحكم الثاني: والمصلي إذا أراد أن يصلي الفائتة فهل تلزمه نية القضاء أم لا؟
فحكي عن بعض أصحاب الشافعي: أن نية القضاء غير لازمة، والذي اختاره السيدان الأخوان: أنه لابد من نية القضاء، وهو الأصح من قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة منقسمة إلى قضاء وأداء لكن الأداء غير مفتقر إلى النية لما قدمنا من أن قرينة الوقت كافية عن نية الأداء بخلاف القضاء فإنه صفة زائدة لا تتقرر ولا تنفصل عن الإحتمال إلا بالنية. قال الإمام المؤيد بالله: والأصح أن ينوي في القضاء من أول ما عليه أو من آخر ما عليه أيهما شاء فعل. وهذا جيد لأن وقت الأداء قد سقط بالفوات فصارت في الذمة على جهة الإستواء كمن إدَّان دراهم على ذمته شيئًا بعد شيء ثم قضاها فإن شاء قضى من أول ما عليه أو من آخر ما عليه.
الحكم الثالث: ولو فاته الظهر والعصر جميعًا فدخل في الصلاة ينويهما جميعًا لم يجزه لأن التعيين واجب في العبادة، وتشريكه بين الصلاتين يمنع وقوعها لأحدهما. ولو دخل بنية أحدهما ثم شك ولم يدر أيهما نوى لم تجزه هذه المفعولة عن أحدهما حتى يتيقن أيهما نوى، وإن قيد النية بمشيئة الله. بأن يقول: أصلي هذه الصلاة إن شاء الله نظرت؛ فإن قصد به الاستثناء بطلت الصلاة لأنه أدخل في النية ما ينافيها ويرفعها فلهذا كانت باطلة؛ وإن أراد إيقاعها بمشيئة الله أجزأه ذلك؛ لأن أفعال الطاعات كلها مرادة لله تعالى واقعة بمشيئته. وإن نوى الفرض والنفل جميعًا لم تنعقد صلاته، وحكي عن أبي حنيفة: أنه ينعقد الفرض ويبطل النفل.
والحجة على ما قلناه: هو أنه نوى صلاتين مختلفتين فلا تصح كما لو نوى الظهر والعصر جميعًا.
الحكم الرابع: وإن نوى ظهر وقته نظرت، فإن لم يكن عليه ظهر فائت أجزأه لأن الوقت هو وقت الأداء، وإن كان عليه ظهر فائت فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزيه إلا أن يكون صلى في آخر الوقت بحيث لم يبق من الوقت إلى غروب [الشمس] إلا ما يتسع للعصر فحينئذ تجزيه وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب.
والحجة على هذا: هو أن هذا الوقت كما هو صالح للأداء فهو صالح للقضاء فلا ينصرف إلى أحدهما دون الآخر فلهذا لم تكن مجزية مع الإحتمال إلا أن يكون لم يبق من الوقت إلا ما يتسع للعصر فعند هذا قد تعين الوقت للظهر فلهذا كانت مجزية فأما قبل ذلك فالإحتمال قائم.
وثانيهما: أنه يجزيه وإن كان في أول الوقت وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن الوقت هو وقت الأداء ولا ينصرف إلى القضاء إلا بالنية فإذا أطلق انصرف إلى المؤداة بكل حال.
هذا هو المختار من جهة أن الوقت هو وقت للظهر بدليل الشرع وليس وقتًا للمقضيَّة إلا بالنية لأنه صالح لهما فلا ينصرف إلى المقضية إلا بالنية.
الحكم الخامس: قال المؤيد بالله: ومن كان عليه ظهر فائت، وهو في وقت الظهر نظرت فإن نوى ظهر يومه صح ذلك وانصرف إلى المؤداة؛ لأنها ظهر اليوم، وإن نوى ظهر وقته فعلى رأي المؤيد بالله يصح ذلك وتنصرف إلى المؤداة، وعلى رأي السيد أبي طالب يجزيه ذلك، كما مر بيانه من قبل، فلا وجه لتكريره، وإن نوى الظهر مطلقًا فذكر المؤيد بالله أنه لا يصح؛ لأنه كما يصح عن المؤداة فهو صحيح على المقضية، ومع الإحتمال تبطل إلا أن يخص بالنية أحدهما دون الآخر، وهذا فيه نظر فإنه إذا كان لا ينصرف إلى القضاء إذا قيدنا بالوقت مع أن الوقت صالح للمؤداة والمقضية كما أشار إليه الرسول بقوله: (( فوقتها حين يذكرها" ) ). فهكذا نية الظهر مطلقًا لا تنصرف إلى المقضية؛ لأن قرينة الوقت [أقرب] فلهذا انصرف إلى المؤداة مع الإطلاق."
الحكم السادس: قال المؤيد بالله: إذا اشتبه عليه بقاء الوقت وخروجه نوى عصر يومه أو فجر يومه، وهذا محمول على أن المصلي غلب على ظنه بقاء الوقت فلهذا أجزأه نية فرض اليوم، فأما إذا غلب على ظنه خروج الوقت لم يكفه نية عصر اليوم وفجر اليوم بل لابد من نية القضاء لما أوضحناه من وجوب نية القضاء في كل ما فات وقته، وقال أيضًا: ومن صلى خلف إمام أدركه في صلاته ولم يعلم أنه يصلي الجمعة أو الظهر فنوى أنه يصلي ما يصلي الإمام صحت صلاته؛ لأنها تختص بوجه واحدٍ وهذا محمول على جمعة ليس لها شعار ولا ظهور ولا علو شنار، فإن أمر الجمعة لا يخفى فإنها متميزة عن سائر الأيام بما يظهر فيها من الأحكام الشرعية، فإذا كانت هذه الصورة ممكنة أو مقدرة صح ما قاله الإمام.
فأما قوله: أنها تختص بوجه واحد فإنه يحتمل أوجهًا ثلاثة:
أولها: أن المصلحة هي الجمعة عند تكامل شروطها فإن لم تكن كاملة فالمصلحة هي الظهر فأحدهما ساد مساد ( [6] )
الآخر في المصلحة على جهة البدلية.
وثانيها: أن يقال: الأصل في يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة على اختلافٍ بين العلماء، فمنهم من قال الأصل هو الظهر والجمعة طارئة، ومنهم من قال الأصل في يوم الجمعة هو الجمعة إلا أن يختل شرط من شروطها كانت ظهرًا.
وثالثها: أن يقال الخطاب في يوم الجمعة هل يكون متعلقًا بالجمعة أو الظهر؟ فهذه الأوجه كلها دالة على اختصاصها بوجه واحد، ويزيد ما ذكره المؤيد بالله في أصل المسألة وضوحًا ما روي أن الرسول لما حج حجة الوداع وكان علي غائبًا في اليمن فلما وصل قال له الرسول: (( بأي شيء أهللت" ) )؟ فقال: أهللت بما أهل به رسول اللّه. فقال: (( إني سقت الهدي") ) ( [7] )
فأشركه في هديه.
الحكم السابع: قال المؤيد بالله: ومن صلى فرض وقته ثم اعترضه الشك فأراد أن يعيدها احتياطًا فإنه ينوي آخر ما عليه من تلك الصلاة فإن لم تصح صلاته المفعولة أولًا فالثانية تكون لوقته وإلا فهي آخر ما عليه من فائتة وهذا جيد أيضًا، فإن قوله: آخر ما عليه إذا كانت الصلاة المفعولة أولًا صحيحة تكون واقعة عن القضاء وإن لم ينو كونها قضاء، ولهذا فإنه لو صلى بعد صلاة الأداء ونوى فيها آخر ما عليه فإنها تكون واقعة عن القضاء؛ لأنه لا معنى لكونها آخر ما عليه إلا القضاء. وهذه المسألة مبنية على دخول الشرط في النية هل تكون صحيحة أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية، صحة دخول الشرط في النية.
والحجة على هذا هو أن النية إرادة ومن حقها أن تكون مؤثرة في وجوه الأفعال وفي وقوعها على وجه دون وجه ومن جملة الوجوه كونها مشروطة، فلهذا جاز دخول الشرط في متعلقها ويحكى عن السيد أحمد بن عيسى وأبي عبدالله الداعي، وهو رأي أبي حنيفة ومالك أنه لا يجوز دخول الشرط في النية؛ لأن النية جزم والشرط يورث الشك.
والمختار: ما قاله أئمة العترة، وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن النية تابعة للعلم والاعتقاد والظن فلا تفعل إلا تبعًا لهذه الأمور فإذا جاز دخول الشرط في المتبوع جاز دخولها في التابع أحق وأولى.
الحكم الثامن: قال المؤيد بالله: ومن كان عليه قضاء صلاة المغرب واحدة أو أكثر فصلى ثلاث ركعات ينوي بها قضاء ما عليه جاز وإن لم ينو المغرب لأن ثلاث ركعات فريضة لا يكون غيرها، وفي سائر الصلوات لا يصح ذلك ما لم ينو ما عليه من الفريضة بعينها وهكذا الكلام في صلاة الفجر فإنه لو صلى ركعتين ينوي بهما قضاء ما عليه جاز وإن لم ينو الفجر؛ لأن ركعتين فريضة لا تكون إلا إياها. قال أيضًا: ولو كان شاكًا هل عليه فائتة فقضاها بنية مشروطة ثم ذكر أنها كانت فائتة عليه صح القضاء ولا إعادة عليه مع التحقق وهذا مبني على صحة النية المشروطة وقد قررناه.
وقوله بعد ذلك: ويقصد في ذلك أنه يقضي الصلاة التي شك فواتها زيادة إيضاح وبيان؛ لأن المقصود أنه أدَّى القضاء بنية مشروطة وتحققه بعد ذلك لا يطرق خللًا فيما شرطه في نيته.
الحكم التاسع: ويستحب إذا كان إماما أن ينوي الإمامة فإن لم ينو لم يحصل له فضيلة الإمامة لأن الأعمال بالنيات، وتجوز نية الإمامة بعد التكبير وقبله لأن المقصود هو إحراز فضيلة الإمامة وهذا حاصل قبل التكبير وبعده، وإن كان مأمومًا فعليه أن ينوي الإقتداء لإحراز فضيلة الجماعة. وهل يجب على الإمام أن يكون إمامًا لغيره، أو يجب على المأموم أن يكون مقتديًا بغيره أم لا؟ فيه تفصيل نذكره في صلاة الجماعة ونذكر المختار بمعونة الله تعالى.
الحكم العاشر: قال السيد أبو طالب وإن نوى المصلي القضاء في الصلاة المؤداة لم تكن مجزية وإن نوى الأداء في الصلاة المقضية لم تكن مجزية أيضًا كما لو صلى الظهر بنية العصر وصلى العصر بنية الظهر، والوجه في هذا هو أن الإشتراك موجب للفساد في العبادة بل يجب أن تكون كل صلاة واجبة كانت أو نفلًا قضاءً كانت أو أداء مخصوصة بنية على حيالها وانفرادها حتى تكون مطابقة للوجه الذي شرعت من أجله، وليكون الإخلاص متحققًا في العبادة، وقد تم غرضنا من الكلام في النية.
( [1] ) لعل الصواب هو: أداؤها كما جاءت به السنة، والله أعلم.
( [2] ) حاشية الأصل: قيل إنه الناصر ، وقيل أبو العباس الحسني.
( [3] ) أصحاب المذهب الثاني.
( [4] ) إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة،قال في (الجرح والتعديل) : ابن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر الأسدي، وأمه عُلَيَّة. روى عن أيوب وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل، وروى عنه شعبة وأحمد بن حنبل. اهـ. 2/153، وثقه عدد من رجال الحديث، ووصفوه بأنه ثبت، ومنهم يحيى بن معين، ويحيى القطان، واحمد، وغيرهم.
( [5] ) في الأصل: النية. ولعله سهو أو خطأ من الناسخ؟
( [6] ) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: ساد مسدَّ. والله أعلم.
( [7] ) سيأتي في موضعه في الحج.