فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 129

الفصل الثالث

في بيان محل الأذان

ومحله الصلوات الخمس، وهو رأي أئمة العترة والناصرية، ومتفق عليه بين الفقهاء.

قال الإمام زيد بن علي: الأذان للصلوات الخمس.

والحجة على هذا ما روى عبادة بن الصامت عن رسول الله أنه قال: (( فرض الله علىعباده خمس صلوات من حافظ عليهن حين ينادى لهن وأحسن وضوءهن وأتم ركوعهن وخضوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة، وإن لم يأت بهن وضيع حقوقهن لم يكن له عند الله عهدًا، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) ) ( [1] ) .

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: ومن كانت عليه فوائت فأراد قضاءها في وقت واحد، فالذي عليه أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية أن المسنون أن يقيم لكل واحدة منهنَّ إقامة، لما روى أبو سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل فدعى رسول الله بلالًا فأقام لصلاة الظهر فصلاها، ثم أقام للعصر فصلاها، ثم أقام للعشاء الآخرة فصلاها ( [2] ) .

وهل يسن فيها الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أن الأذان فيها مسنون، وهذا قول أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور.

والحجة على هذا ما روى عمران بن حصين قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه غزوة أو قال سرية فلما كان آخر الليل عرسنا ( [3] )

فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا [رسول الله] فارتحلنا ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالًا فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمر بلالًا فأقام فصلى صلاة الغداة ( [4] ) .

المذهب الثاني: أن الأذان غير مسنون، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: ثم يؤذن لها، وهو قول أحمد وأبي ثور.

وقال في الإملاء ( [5] ) :

إن رجا اجتماع الناس أذن، وإن لم يرج اجتماعهم لم يؤذن. والكلام على الشافعي إنما يتوجه على قوله الجديد، وهو قول مالك والأوزاعي، وأما على قوله القديم فهو موافق لقولنا.

والحجة على ما قاله ( [6] ) :

ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ، فإنه لم يذكر الأذان في قصة الخندق، فدل على أنه غير مسنون.

والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كون الأذان مسنونًا.

والحجة على ذلك: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه: أن المشركين شغلوا الرسول عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن وأقام للظهر، ثم أقام للصلوات التي بعدها.

ومن وجه آخر، وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: كنا مع رسول الله فلما نزلنا قال رسول الله: (( فمن يكلأنا هذه الليلة" ) )فقال بلال: أنا يا رسول الله، قال: فبات بلال مرة قائمًا ومرة جالسًا حتى إذا كان قبل الفجر غلبته عيناه، فنام فلم يستيقظ رسول الله إلا بحر الشمس، فأمر رسول الله صلى الله عليه الناس فتوضأوا وأمر بلالًا فأذن ثم صلى ركعتين، ثم أمر بلالًا فأقام ثم صلى بهم الفجر، وهذا الخبر كما دل على الأذان فهو بعينه دال على قضاء الفوائت في جماعة."

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: خبر أبي سعيد الخدري ليس فيه ذكر الأذان، فدل على كونه غير مسنون.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأنه قد روي عن أبي سعيد الخدري في رواية أخرى تدل على ثبوت الأذان، وأنه أمر بلالًا فأذن وأقام للظهر فسقط التعلق به.

وأما ثانيًا: فلأنه محمول على أنه إنما ترك الأذن خوفًا من اللبس لا لكونه غير مسنون.

وأما ما ذكره الشافعي في الإملاء من أنه إذا رجا اجتماع الناس أذن وإن لم يرج اجتماعهم لم يؤذن، فهذا شرط لم تقم عليه دلالة، وليس كلامنا في الجواز، وإنما كلامنا في المسنون الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد دللنا على أن السنة واردة على الأذان في الفائتة، وقد أنكر ابن الصباغ صاحب الشامل هذه، وقال: لعل الشرط لم يصح عند الشافعي.

الفرع الثاني في النوافل: ثم إنها متفقة في أنها لا يسن فيها الأذان ولا يشرع، ثم فيها ما يسن في الاجتماع، ولا يسن فيه الأذان ولا الصلاة جامعة ( [7] )

ومنها ما لا يشرع فيه واحد من هذه الأمور الثلاثة فصارت على ثلاثة أضرب:

الضرب الأول منها: يسن فيه الجماعة ولا يشرع الأذان، ولكن يشرع فيه: الصلاة جامعة، وهذا نحو صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وهو مما لا يعرف فيه خلاف.

والحجة على هذا ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول لله صلى الله عليه وآله يوم العيد فصلى من غير أذان ولا إقامة.

الحجة الثانية: ما روى جابر أن النبي خرج يوم العيد فصلى من غير أذان ولا إقامة.

الحجة الثالثة: عن جابر بن سمرة" ( [8] ) قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه يوم العيد مرة أو مرتين من غير أذان ولا إقامة ( [9] ) ."

وإنما قلنا: أن هذه الأمور يسن فيها الإجتماع، فلأنه قد جرى عمل المسلمين بذلك، وتوارثوه خلفًا عن سلف من لدن الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا باستحباب الإجتماع فيها.

وإنما قلنا: إنه يسن فيها: الصلاة جامعة، فلما روى الزهري عن الرسول أنه كان ينادي في الإستسقاء: الصلاة جامعة، وهكذا يفعل في الكسوفين، وهذا يدل على كونه سنة.

نعم. يحكى عن عبد الله بن الزبير وعمر بن العزيز ومعاوية" ( [10] ) "

أنهم أمروا بالأذان الشرعي في صلاة العيدين.

والحجة على ذلك: أنها صلاة يسن فيها الإجتماع والطيب ولباس الزينة، فيسن فيها الأذان الشرعي كصلاة الجمعة.

والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من منع الأذان الشرعي فيهما، وإنما يقال: الصلاة جامعة.

والحجة على ذلك: هو أن هذه السنن الشرعية وجميع الآداب التعبدية مستندها صاحب الشريعة في أفعاله وأقواله وهي أمور غيبية وليس للأقيسة فيها مجرى، ولم يكن من جهته فيها إلا ما ذكرناه فيجب الإقتصار عليه من غير زيادة.

الضرب الثاني: ما يسن فيه الإجتماع ولا يسن فيه الأذان، ولا قولنا: الصلاة جامعة، وهذا نحو صلاة الجنازة. فإن عمل المسلمين قد دل فيها على الإجتماع، وفعله دال على ذلك ولم يؤثر فيها الأذان ولا قولنا: الصلاة جامعة، فيجب الإعتماد عليه. ومن وجه آخر وهو أنها في نفسها ليست من فرائض الأعيان فيسن فيها الأذان الشرعي ولا من صلاة النوافل فيسن فيها الصلاة جامعة.

قال الإمام زيد بن علي ، الأذان المشروع للصلوات الخمس ولصلاة الجمعة وليس للعيدين ولا للوتر أذان ولا إقامة، فكلامه هذا قد وضح فيه ما يسن فيه الأذان الشرعي وهو الجمعة والصلوات المكتوبة، وأشار إلى ما يسن فيه: الصلاة جامعة، ولا يؤذن فيه الأذان الشرعي وهو صلاة العيدين، وإلى ما لا يسن فيه واحد من الأمرين وهو الوتر.

الضرب الثالث: ما لا يسن فيه الأذان الشرعي ولا يسن فيه الإجتماع ولا يسن فيه: الصلاة جامعة، وما هذا حاله فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول منها: ما يتكرر بتكرر الأعوام والسنين وهذا نحو صلاة الشعبانية وصلاة الرغائب في أول جمعة من رجب.

والقسم الثاني: ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي، وهذا نحو الصلوات في أيام الأسبوع ولياليه.

والقسم الثالث: ما ليس له وقت مخصوص، وهذا نحو صلاة التسبيح وغيرها من الصلوات التي لا تختص وقتًا دون وقت مهما اجتنبت الأوقات الثلاثة ( [11] ) . فهذا حكم الأذان يجري في النوافل على ما ذكرناه.

الفرع الثالث: ويستحب إذا أذن المؤذن والرجل في غير المسجد أن يمشي على التؤده والإرواد دون الفشل والعجلة، لما روى قتادة قال: بينما نحن نصلي مع الرسول [إذ سمع] جلبة فلما فرغ من صلاته قال: (( ما شأنكم ) )؟ قالوا: استعجلنا للصلاة يا رسول اللّه. قال: (( فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) ) ( [12] ) .

ويستحب إذا كان المسجد واسعًا وسمع الرجل الإقامة أن يمشي رويدًا وعليه السكينة والوقار لما روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: (( إذا أقيمت الصلاة ) )أو قال: (( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة"ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) ). ويستحب أن لا يقوم المسلمون حتى يقوم الإمام، لما روى أبو قتاده قال: قال رسول اللّه: (( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني") ) ( [13] ) .

ويجوز للإمام إذا عرضت له حاجة بعد الإقامة أن يقف لها، لما روى أنس بن مالك قال: أقيمت الصلاة فعرض للرسول رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة ( [14] ) .

الفرع الرابع: ويجوز للإمام إذا عرض له عارض بعد الإقامة أن يخرج من الصف. لما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه قال أقيمت الصلاة فسوَّى الناس صفوفهم وتقدم وهو جنب فقال: (( على مكانكم ) )فخرج واغتسل ورجع ورأسه يقطر ماء فصلى بهم. وفي حديث آخر أن الرسول خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، فانصرف فقال: (( على مكانكم ) )فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل ( [15] ) .

الفرع الخامس: ويستحب للإمام إذا سمع المؤذن في صلاة الفجر وهو في بيته، أن يصلي ركعتي الفجر ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن لما روت عائشة رضي اللّه عنها، قالت: كان رسول اللّه إذا سكت المؤذن في صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر قبل أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة ( [16] ) .

وتستحب الصلاة بين كل أذانين، لما روى عبدالله بن مغفل عن الرسول قال: (("بين كل أذانين صلاة ) )مرتين ثم قال في الثالثة (( لمن شاء ) ) ( [17] ) . وعن أنس بن مالك قال: كان المؤذن إذا أذن للمغرب قام ناس من أصحاب الرسول يبتدرون السواري حتى يخرج الرسول يصلون الركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان والإقامة إلا شيء يسير ( [18] ) ."

( [1] ) تقدم.

( [2] ) أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن مسعود. ا ه‍ جواهر 1/174.

( [3] ) جاء في لسان العرب: والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل يقفون فيه وقفة للاستراحة، ثم ينيخون وينامون نومة خفيفة...إلخ. ج6 ص 136.

( [4] ) جاء الخبر بألفاظ مترادفة ومن عدة طرق، ومن رواته: البخاري والنسائي وأبو داؤد عن أبي قتادة قال: سرنا مع رسول الله ليلة فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: (( إني أخاف أن تناموا عن الصلاة ) )فقال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا واسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ رسول الله وقد طلع حاجب الشمس فقال: (( يا بلال أين ما قلت؟ ) )فقال: ما ألقيت عليَّ نومة مثلها قط، قال: (( إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فآذن الناس بالصلاة ) )فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى بالناس جماعة، وفيه زيادة لأبي داؤد: فما أيقظهم إلا حر الشمس...إلخ، وأخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي عن أبي هريرة في رواية، وأخرج الثانية مسلم والنسائي.

قال في جواهر الأخبار: وفي هذا المعنى روايات وأحاديث أخر، منها: ما أخرجه الموطأ عن زيد بن أسلم قال فيه: ...فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي. ا ه‍ 1/172، وفي روايات: أنهم كانوا في غزوة خيبر، وأخرى: في تبوك، وروايات لم تذكر فيها الغزوة، وإنما جاء فيها: سرنا مع رسول الله ليلة...، أو: كنا مع رسول الله في غزاة... والله أعلم.

( [5] ) للشافعي.

( [6] ) من أن الأذان غير مسنون في قضاء الفوائت.

( [7] ) يقصد، ولا النداء بـ (الصلاة جامعة) .

( [8] ) جابر بن سمرة بن جندب بن حبيب، سمع النبي وروى عنه، وعن أبي أيوب الأنصاري وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، وغيرهم من جلة الصحابة، وعنه: سماك بن حرب وتميم بن طرفة، وجعفر بن أبي ثور، وغيرهم. توفي في ولاية عبد الملك بن مروان سنة 73ه‍. وقيل: 76ه‍ بالكوفة، كما جاء في (تهذيب الكمال) 4/437.

( [9] ) هذا الحديث بألفاظه ورواياته الثلاث سيأتي في موضعه من صلاة العيدين، أخرج حديث جابر، البخاري ومسلم. وحديث ابن عباس. قال في فتح الغفار: متفق عليه، ورواه أحمد ومسلم وأبو داؤد والترمذي من رواية جابر بن سمرة.

( [10] ) معاوية بن أبي سفيان بن حرب. من الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح، ولاَّه عمر بن الخطاب الشام وأقره عثمان مدة ولايته، ثم بعد مقتل عثمان بايع المسلمون الإمام علي وتخلف معاوية عن البيعة، وخرج على الخليفة الشرعي وقاتله، ويرى المؤرخون أنه أول من حول الخلافة إلى ملك، والشورى إلى ولاية عهد.

واعتبر العلامة محمد بن مهدي المقبلي-رحمه الله-: حرب معاوية لعلي حربًا لله ولرسوله، وقال: وقد صح لدينا قوله لعلي: (( حربك حربي، وسلمك سلمي ) )انظر: (الأبحاث المسددة) للمقبلي، مات معاوية في رجب سنة 60ه‍، وكانت مدة حكمه عشرين سنة.

( [11] ) المكروهة فيها النوافل، وهي وقت شروق الشمس ووقت غروبها وقبل زوالها عند الظهيرة.

( [12] ) وهو بلفظه في الجواهر، أخرجه البخاري ومسلم. ا ه‍ 1/188.

( [13] ) أخرجه الستة إلا الموطأ، بزيادة: (( ..قد خرجت وعليكم بالسكينة ) ).

قال في الجواهر: إلا أن النسائي لم يذكر: (( ..وعليكم بالسكينة ) ). المصدر السالف.

( [14] ) وقد جاء في المصدر السالف عن أنس بلفظ: أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي بناحية حتى قام القوم أو بعض القوم، أخرجه الستة إلا الموطأ، واللفظ لمسلم، ا ه‍.

ملاحظة:قوله: فقام النبي بناحية، لعل الصواب: يناجيه. والله أعلم.

( [15] ) أورده ابن بهران بشيء من الاختلاف في اللفظ عن أبي هريرة كما جاء هنا، وقال: أخرجه الستة إلا الترمذي. ا ه‍ 1/189.

( [16] ) تقدم.

( [17] ) أخرجه الستة إلا الموطأ. قال في الجواهر: ولا تكرار عند الترمذي وعند أبي داؤد، مرتين، اه‍ 1/189.

( [18] ) تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت