فإذا فرغ من التشهد فإنه يسلم عن يمينه ويساره ولا خلاف في كونه مشروعًا للخروج من الصلاة لقوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في حكمه وهل يكون واجبًا أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والهادي والقاسم والمؤيد بالله وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] . وقوله تعالى: {فَسَلّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ } [النور:61] . والأمر ظاهره الوجوب ولا تسليم واجب إلا في الصلاة لا خلاف فيه.
الحجة الثانية:ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن النبي أنه قال: (( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) ) ( [1] ) .
فليس يخلو إما أن يريد أنه لا يمكن الخروج منها مع كونها غير مجزية إلا بالتسليم فهذا فاسد فإنه يمكن الخروج منها بما ينقضها ويفسدها من الحدث وسائر ما يفسدها فلم يبق إلا أن الغرض أنه لا يمكن الخروج منها مع صحتها إلا بالتسليم فهذا صحيح.
المذهب الثاني: أن التسليم غير واجب وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وإنما هو سنة واستحباب.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: (( إذا رفع الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته ) ) ( [2] ) .
الحجة الثانية: أنه علَّم الأعرابي الصلاة وذكر له فروضها ولم يذكر التسليم وفي هذا دلالة على أنه مستحب غير واجب.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
وحجتهم:ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى سمرة بن جندب أن الرسول كان إذا سلم أحدنا في الصلاة أومأ بيده يمينًا وشمالًا: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة اللّه. فقال الرسول: (( مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس يكفيكم أن تقولوا عن يمينكم وشمالكم السلام عليكم ورحمة الله ) ).
الحجة الثانية: ما روى واثلة بن الأسقع أن الرسول سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وقال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ).
الحجة الثالثة: قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [الأنعام:72] . فهو نص في الطلب وظاهر في الوجوب ومجمل في كيفية أداء الصلاة وكيفيتها موكول إلى أفعاله وقد بينها بفعله للمسلم وبيان المجمل واجب فلهذا قضينا بوجوب التسليم لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا:حديث ابن عمر: (( إذا رفعت رأسك من السجود فقد تمت صلاتك ) ).
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الغرض بقوله: (( قد تمت صلاتك ) ). أراد تمت من جهة الأفعال، فأما الأقوال فهي ناقصة حتى يحصل التسليم.
وأما ثانيًا: فلأن ما ذكروه معارض بما ذكرناه من الأدلة فلابد من الترجيح ولا شك أن أدلتنا دالة على الوجوب وأدلتهم دالة على عدم الوجوب وما كان دالا على الوجوب فهو أحق لأنه يفيد فائدة جديدة بخلاف ما يدل على عدم الوجوب فهو باق على حكم العقل والوجوب أمر جديد بحكم الشرع فافترقا.
قالوا: إنه علَّم الأعرابي فروض الصلاة ولم يذكر له التسليم فدل على أنه غير واجب.
قلنا:وعن هذا أيضًا جوابان:
أما أولًا: فلأن ما ذكروه فعل مجمل لا ندري كيف وقع وهو مفتقر إلى البيان فلا يصح الاحتجاج به.
وأما ثانيًا: فلعله قد كان علم وجوبه فلهذا لم يذكره له.
قالوا: السلام ينافي الصلاة ويبطلها فكيف يقال إنه من فروضها.
قلنا: الصلاة قد أوضحها الشارع على هذه الكيفية المخصوصة فإن أردتم أنه يبطلها عند فعله في غير موضعه فهذا مُسَلَّم، وإن أردتم أنه يبطلها إذا فعل في موضعه فهذا ممنوع غير مُسَلَّم فبطل ما قالوه.
الفرع الثاني: في بيان عدد التسليم وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الواجب تسليمتان من عن يمينه وعن شماله وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والهادي والقاسم والمؤيد بالله، وأحمد بن حنبل والحسن بن صالح وقول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: ما روى سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن سهل أن الرسول كان يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله ( [3] ) .
الحجة الثانية: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول قال: (( إنما يكفي أحدكم أن يسلم عن يمينه وشماله"ويقول السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله ) ) ( [4] ) ."
المذهب الثاني: أنه ثلاث تسليمات تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره وتسليمة عن تلقاء وجهه، وهذا شيء يحكى عن عبدالله بن موسى بن جعفر.
وحجته على هذا: هو أن ابن مسعود روى أن الرسول سلم تسليمين من عن يمينه ومن عن يساره ( [5] ) ،
وروى ابن عمر، وعائشة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع: أنه سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، فأخذنا بالروايتين جميعًا، وجمعنا بينهما.
المذهب الثالث: أن التسليم مرة واحدة من تلقاء وجهه وهذا شيء يحكى عن مالك، ويروى عن الإمامية، وإليه ذهب الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز وابن سيرين والأوزاعي.
والحجة على هذا: ما روت عائشة وأنس بن مالك عن رسول الله أنه سلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه.
المذهب الرابع: أنه إن كان المسجد صغيرًا ضيقًا أو لا لغط هناك سلم تسليمة واحدة، فالمحكي عن الشافعي قولان:
الجديد: أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله.
والقديم: أن يسلم تسليمة تلقاء وجهه وإن كان المسجد كبيرًا مثل الجوامع والناس كثير أو هناك ضجة فالمستحب أن يسلم تسليمتين من عن يمينه ومن عن شماله قولًا واحدًا.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود أنه سَلَّم تسليمتين وروى ابن عمر أنه سلم تسليمة واحدة فحملنا الروايتين على حالتين جمعًا بين الأحاديث فحيث كان المسجد ضيقًا فتسليمة واحدة، وإن كان كبيرًا فتسليمتان. فهذا تقرير المذاهب في التسليم.
والمختار: ما اعتمده علماء العترة وهو مروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأبي بكر وعمر وابن مسعود والثوري ومحكي عن أبي حنيفة كما مر بيانه.
وحجتهم:ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن مسعود أن الرسول كان يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خده. وعلى هذا أهل العلم من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
أما من قال بثلاث تسليمات اعتمادًا على الجمع بين رواية ابن مسعود ورواية ابن عمر. وأما من قال بتسليمة واحدة اعتمادًا منه على رواية ابن عمر. فالجواب عنه من وجهين:
أما أولًا: فلأن الأخبار التي رويناها في التسليمتين عن اليمين واليسار هي أكثر وأشهر وعليها تعويل العلماء من أكابر الصحابة والتابعين.
وأما ثانيًا: فلأن أخبارنا دالة على زيادة مشروعة وعبادة زيادة فلهذا كانت أحق بالقبول.
وقولنا: مشروعة. نحترز عمن قال بالثالثة فإنها غير مشروعة. ومن قال بها فاعتماده على التلفيق كما أشرنا إليه.
الفرع الثالث: في بيان صفة السلام. والواجب في صفته أن يقول المصلي: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره، لما روي عن الرسول أنه قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). وقد فعل في التسليم هكذا، ولما روى ابن عمر وابن مسعود عنه أنه سلم في الصلاة كما ذكرناه، فإن قال: السلام عليكم ولم يذكر ورحمة الله أجزأ ذلك لأنه نقص ما لا يضر في التسليم، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أجزأ ذلك لأنه زاد زيادة. وهكذا لو قال: ورحمة الله وبركاته ورضوانه وكراماته لأن ما هذا حاله زيادة في الفضل وإحراز الثواب لما روي عن الرسول أنه قال: (( سلام عليكم عشر حسنات ورحمة الله عشر حسنات وبركاته عشر حسنات ورضوانه عشر حسنات وكراماته عشر حسنات ومن زاد زاد الله له ) ) ( [6] ) .
فإن قال: السلام ولم يقل: عليكم، لم يكن مجزيًا، وإن قال: سلام عليكم من غير ألف ولام فهل يجزي أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزئ؛ لأنه خالف المشروع في الصلاة والسلام وهذا هو المحَصَّل من مذهب الهادي.
وثانيهما: أنه يجزيه لأنه نقَّص الزائد في السلام فلهذا كان مجزيًا.
والمختار: هو الأول لأن السلام اسم من أسماء الله فلا يكون كذلك إلا بالألف واللام، وإن قال: عليكم السلام. لم يكن مجزيًا له؛ لأن ما [هذا] حاله سلام في حق الموتى فلا يكون مشروعًا في حق الأحياء ولأنه خالف المشروع فلا يجزئ ويحتمل الإجزاء لأنه ليس بمعجز فيراعى فيه الترتيب بخلاف نظم القرآن فإنه معجز فلهذا روعي في حقه الترتيب في الآي، وإن قال: عليكم سلام لم يكن مجزيًا لأنه خالف المشروع في التقديم والتنكير.
الفرع الرابع: هل يكون التسليم من الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التسليم من الصلاة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والسيد أبي طالب وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: قوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). والمعلوم من حاله أنه كان يسلم عن يمينه ويساره كما روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لا أنسى سلام رسول الله في صلاته يمينًا وشمالًا، والظاهر أن ما فعله واجب إلا لدلالة تدل على أنه غير واجب.
المذهب الثاني: أن التسليم لا يكون من الصلاة، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن السلام مما يخرج به من الصلاة فأشبه الحدث والكلام وثمرة الخلاف بين المذهبين هو أنا إذا قلنا:إنه من الصلاة فالمصلي إذا أحدث حدثًا عند التسليم أو انكشفت عورته أو انحرف عن القبلة بطلت صلاته. وإذا قلنا:إنه ليس من الصلاة لم تبطل صلاته بما ذكرناه كما قلناه في تكبيرة الافتتاح.
والمختار: أنه ركن من أركان الصلاة لأمرين:
أما أولًا: فلأن آخر جزء من أجزاء الشيء معدود من جملته كما أن أول كل جزء من أجزائه معدود من جملته.
وأما ثانيًا: فلأنه ذكر مشروع في موضع يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة فيكون مفسدًا لها كالقيام والركوع والسجود.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: التسليم يخرج به من الصلاة فصار كالحدث والكلام.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الحدث والكلام مفسدان للصلاة على أي وجه وقعا بخلاف السلام فإنه إنما يكون مفسدًا إذا وقع في غير موضعه المشروع له فافترقا.
وأما ثانيًا: فلأن الفساد بالكلام والحدث وقع بهما مطلقًا والسلام إنما وقع الفساد عنده لا به لأن الكلام والحدث مبطلان للصلاة لأنهما بمعزل عن الصلاة، والسلام إنما أبطل لأنه وقع به التمام للصلاة وهو آخر جزء من أجزائها وأركانها فلهذا وقع الفساد عنده لا به.
قالوا: التسليم معنى ينافي الصلاة فصار كالحدث.
قلنا: وهذا من الطراز الأول، فإنا نقول: ما تريدون بقولكم: إنه معنى ينافي الصلاة؟ فإن أردتم بأن الصلاة منقضية بانقضائه فهذا مُسلَّم لأنه آخر أجزائها، وإن أردتم أنه ليس منها فهذا لا نسلمه وفيه وقع النزاع وإن أردتم به معنى آخر فاذكروه حتى نتكلم عليه.
الفرع الخامس: والنية في التسليم مستحبة لقوله: (( الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ) ). ولما روى سمرة أنه قال: أمرنا رسول رسول الله أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض ( [7] ) .
وروي أن رسول الله كان يصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها ركعتين وقبل العصر أربعًا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن معهم من المؤمنين ( [8] ) .
وعلى من تكون نية السلام؟ ينظر فيه فإن كان إمامًا فإنه ينوي بالتسليمة الأولى ثلاثة أمور: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة وهم الملائكة، والسلام على المأمومين عن يمينه، وينوي بالتسليمة الثانية أمرين: السلام على الملائكة وعلى من عن يساره من المأمومين. وإن كان مأمومًا عن يسار الإمام، فإنه ينوي بالتسليمة الأولى أمورًا أربعة: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والرد على الإمام، والسلام على المأمومين عن يمينه، وينوي بالثانية أمرين: السلام على الملائكة وعلى من يساره من المأمومين، وإن كان عن يمين الإمام فإنه ينوي بالتسليمة الأولى ثلاثة أمور: الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة وهم الملائكة، والسلام على المأمومينعن يمينه، وينوي بالثانية ثلاثة أمور: السلام على الملائكة، والسلام على المأمومين عن يساره، والرد على الإمام، وإن كان الإمام محاذيًا نوى الرد عليه في أي التسليمتين شاء، وإن كان المصلي منفردًا نوى بالتسليمة الأولى أمرين: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، ونوى بالثانية السلام على الحفظة. فهكذا تكون النية في التسليم وكل هذه النيات مستحبة؛ إلا نية الخروج من الصلاة فهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن نية الخروج من الصلاة غير واجبة ولا مفروضة وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن السيد أبي طالب والقول الأخير للمؤيد بالله وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله، يقول السلام: عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة اللّه ) ). فتبين أن الكفاية تقع بمجرد السلام من غير حاجة إلى نية الخروج من الصلاة.
المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو قول الأكثر من أصحاب الشافعي والقول القديم للمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فوجب مقارنة النية له دليله تكبيرة الافتتاح.
والمختار: أنها غير واجبة كما ذكره الهادي.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله: (( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) ). ولم يذكر النية فلا يجوز إثباتها إلا بدلالة شرعية.
ومن وجه آخر: وهو أن نية الصلاة قد اشتملت على جميع أفعالها وأقوالها فلا معنى لإيجاب نية الخروج وإعادة نية أخرى له.
ووجه ثالث: وهو أن نية الخروج لو وجبت لوجب تعيين الصلاة التي يخرج منها كنية الإحرام للصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ذكر في أحد طرفي الصلاة فوجب مقارنة النية له دليله تكبيرة الافتتاح.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن المعنى في الأصل كونه يدخل به في الصلاة بخلاف التسليم فإنه خروج منها فافترقا.
وأما ثانيًا: فإنا نقلب عليهم هذا القياس فنقول: ذِكْرٌ في أحد طرفي [الصلاة] فلا يكون واجبًا كالافتتاح للصلاة وإذا سلم من الظهر ونوى الخروج من العصر.
فإن قلنا: أن نية الخروج من الصلاة واجبة بطلت صلاته لإخلاله بما هو واجب عليه.
وإن قلنا: أن نية الخروج من الصلاة غير واجبة كما هو المختار لم يضره ذلك كما لو شرع في الظهر وظن في الركعة الثانية أنه في العصر ثم تذكر في الثالثة أنه في الظهر لم يضره ذلك، ويستحب في التكبير والتسليم أن يكونا مجزومين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: حذف التسليم من السنة. والمراد بذلك ألا يمده مدًا، وروي عن الرسول أنه قال: (( التسليم جزم والتكبير جزم ) ) ( [9] ) .
الفرع السادس: وتستحب النية على الحفظة وعلى الإمام والمسلمين كما فصلناه لحديث سمرة، وهل تجب النية على الحفظة من الملائكة أم لا وعلى الإمام وعلى سائر المسلمين؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن هذه النية واجبة وهذا هو الذي ذكره السيدان الإمامان الأخوان فإنهما قالا إن هذه النية واجبة، ولم أعلم أن أحدًا من الفقهاء ذهب إلى وجوب هذه النية قبلهما.
والحجة على هذا: ما في حديث جابر بن سمرة أن الرسول قال: (( إنما يكفي أحدكم أن يقول:هكذا وأشار بأصبعه يسلم على أخيه من عن يمينه ويساره ) ) ( [10] ) .
وهذا يشتمل على الحفظة وعلى الإمام وسائر المسلمين الذين معه فإنه لا يكون مُسَلِّمًا عليهم إلا بالقصد والنية. وقيل للسيد أبي طالب فهل تكون هذه النية على الملائكة والمسلمين واجبة؟ فقال: نعم لأنه لا يكون مسلمًا إلا بهذه النية. وهكذا عن المؤيد بالله. قال أبو طالب: فإن نسيها المصلي؟ فتجب عليه الإعادة في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد انقضاء الوقت.
المذهب الثاني: أنها غير واجبة وهذا هو المحكي عن الفقهاء وقد حكي عن السيدين الأخوين الرجوع إلى أن هذه النية غير واجبة وأن المصلي إذا ترك هذه النية لم تكن صلاته فاسدة.
والحجة على هذا: ما روى سمرة أن الرسول أمرنا أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض. يعني في الصلاة ولم يذكر النية وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة فلو كانت واجبة لذكرها لأنه في موضع التعليم لأحكام الصلاة.
والمختار: ما رجع إليه السيدان من عدم وجوبها وهو رأي الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الوجوب إنما يعلم بأمر من جهة الله تعالى أو من جهة رسوله، وظاهر الأخبار الدالة على السلام على الحفظة والإمام والمسلمين مطلقة لا دلالة فيها على الوجوب لنية السلام على من ذكرناه، ثم إن دلت دلالة شرعية على ما قلناه فإنها محمولة على الندب والاستحباب دون الوجوب.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: حديث جابر بن سمرة دال على أن السلام مشروع وليس يكون مشروعًا إلا بالقصد والنية لأنه خطاب بالتحية فلهذا قلنا بوجوبها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأنه ليس في ظاهر الحديث ما يدل على النية فضلًا عن وجوبها.
وأما ثانيًا: فلأن الخطاب وإن كان لا يعقل إلا بالقصد والنية في السلام فهذا مسلم لا محالة فإن السلام لابد فيه من القصد لكن القصد مستحب لأجل أنه لا دلالة على الوجوب ولا حاجة بنا إلى الإكثار فيما قد رجع عنه بالنظر الشرعي فإن رجوع المجتهد عن بعض أقواله يبطل العمل عليه للمجتهد ولمن قلده من العوام. وهل يكون نسيًا منسيًا أو يجوز العمل عليه لبعض العوام؟ فيه تردد أصولي يليق ذكره بالكتب الأصولية.
دقيقة: اعلم أن جابر بن سمرة روى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سلموا في الصلاة أومأ كل واحد منهم بيده يمينًا وشمالًا: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة اللّه. فقال الرسول: (( مالي أراكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفيكم أن تقولوا عن شمالكم ويمينكم: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بأصبعه على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله ) )وهذا كالأمر بالالتفات عن اليمين والشمال عند التسليم فلابد من بيان المكروه من الإشارة والمستحب. فالمكروه ما أشار إليه من رفع اليد بالسلام يمينًا وشمالًا، وشبهة بالأشمس من الخيل، والأشمس من الخيل هو الذي يضرب بذيله على جاعريته ( [11] )
يمينًا وشمالًا، فهكذا حال من يرفع يده بالسلام يمينًا وشمالًا، وأما المستحب الذي أشار إليه بأصبعه يمينًا وشمالًا فهو أنه إذا وضع يده على فخذه اليمنى وبسطها عليها وعقد الإبهام على الوسطى فإذا سلم على اليمين فتح العقد وفتل أصبعه إلى ناحية اليمين وهكذا يفعل بيده اليسرى وهي مبسوطة على فخذه اليسرى يفتلها إلى ناحية اليسار فهكذا تفسير إشارته بإصبعه على هذه الكيفية.
الفرع السابع:قال الهادي في الأحكام ومن جلس في آخر تشهده فسلم تسليمتين مستقبل القبلة غير منحرف عن يمينه وعن يساره بطلت صلاته، وهو اختيار السيدين الأخوين.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله مخالفة للمشروع في التسليم للصلاة فيجب القضاء ببطلانه ولقوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). فما خالف صلاته يجب القضاء بفساده إلا لدلالة، فأما الشافعي فالظهاهر من كلامه أنه يقول بوجوب الترتيب بين التسليمتين لأنه قال: لو سلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه أجزأه وقال: لو سلم تسليمتين الأولى عن يمينه وهي من الصلاة والثانية عن يساره وليست من الصلاة أجزأه فاقتضى ذلك أنه لو سلم تسليمتين تلقاء وجهه كان مجزيًا له، والظاهر من المذهب وجوب الترتيب بين التسليمتين فيبدأ أولًا بالتسليم عن يمينه ثم بالتسليم عن يساره.
قال الإمام المؤيد بالله: من سلم على يساره قبل يمينه بطلت صلاته.
والحجة على هذا: قوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). ولم يكن مصليًا على هذه الصفة فلهذا قضينا ببطلانها.
وإذا قلنا: بوجوب الترتيب بينهما فسلم أولًا على يساره ثم سلم ثانيًا على يمينه ثم أعاد تسلميه على يساره صحت صلاته وتسليمة واحدة لا تضره في صحة صلاته.
الفرع الثامن: والمستحب إذا فرغ من صلاته أن يمكث قليلًا لما روي عن الرسول أنه كان إذا فرغ من صلاته مكث قليلًا ثم انصرف ( [12] )
وروى ابن الزبير أن الرسول كان إذا سلم من الصلاة يقول بصوته الأعلى: (( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) ) ( [13] ) .
وروي أنه كان يقول بعد السلام: (( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) ) ( [14] ) ،
وروي أن الرسول كان إذا أراد الإنصراف من الصلاة استغفر ثلاث مرات ثم قال: (( اللهم أنت السلام ومنك السلام"تباركت ياذا الجلال والإكرام ) ) ( [15] ) ."
وروي أنه كان يقول: (( سبحان ربك رب العزة عما يصفون،"وسلام على المرسلين، والحمدلله رب العالمين ) ). فنحمل رواية من روى أنه مكث قليلًا وانصرف على أنه دعا سرًا بحيث يسمع نفسه، ونحمل رواية من روى أنه دعا وجهر أنه أراد أن يعلم الناس الدعاء."
الفرع التاسع: والمستحب إذا كان خلف الإمام نساء أن يقف مكانه بعد التسليم ساعة بحيث لو خرج سرعان الناس لم يلحقوا بالنساء، لماروت أم سلمة رضي الله عنها أن الرسول كان إذا سلم من الصلاة انصرف النساء حين يقضي سلامه ويمكث في مكانه يسيرًا ( [16] ) .
قال الزهري: أرى ذلك كيلا يلحق الرجال بالنساء، وإن كان خلفه رجال لا نساء معهن فإنه يستحب أن يمكث ساعة يدعو بدعاء ولا يطيل القعود بعد الصلاة لأنه إذا أطال القعود كان مخالفًا للسنة وربما وقع عليه سهو لطول قعوده أنه قد سلم أم لا، فإن وقف الإمام استحب لمن بعده أن يقفوا معه لأنه ربما يذكر سهوًا فيتبعونه للسجود للسهو ويستحب للإمام والمأمومين إذا قضوا فروضهم من الصلاة أن تصلي النافلة في البيوت لما روى [ابن] عمر رضي الله عنه أن الرسول قال: (( اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا" ) ) ( [14] ) ."
فإن لم يصل في البيت فالمستحب إذا صلاها في المسجد أن يتحول يمينًا وشمالًا وقدامًا ووراء لما روى أبو رمثة ( [18] )
عن النبي أنه قال: (( أيعجز أحدكم إذا صلى المكتوبة أن يتقدم أو يتأخر" ) ) ( [19] ) ."
الفرع العاشر:والمستحب لمن أراد الإنصراف من الصلاة، فإن كانت له حاجة توجه لها إلى أي جهة كانت يمينًا أو شمالًا، وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن أكثر انصراف رسول الله كان ذات الشمال ( [20] ) ؛
لأن منازله كانت ذات الشمال فإن لم يكن للمصلي غرض ولا حاجة فالمستحب أن يكون انصرافه ذات اليمين لما روي عن النبي أنه كان يحب التيامن في كل أفعاله وحركاته وأشغاله ( [21] ) ،
ويستحب لمن دخل المسجد للصلاة أن يكون دخوله برجله اليمنى ويقول عند دخوله: (( اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ) ). ويستحب إذا خرج من المسجد أن يكون خروجه برجله اليسرى وأن يقول عند خروجه: (( اللهم، إني أسألك من فضلك ) ). لما روي أن الرسول كان يفعل ذلك ويقوله ( [22] ) .
الفرع الحادي عشر:ومعنى قولنا: السلام عليكم ورحمة الله أما السلام فإن كان إسمًا من أسماء الله تعالى فالغرض بركات السلام ورضوان السلام عليكم، وإن كان معناه السلامة فالغرض سلامة الله عليكم من عدائه وسلامة من غضبه، ومعنى الرحمة من الله تعالى للأحياء والأموات هو استحقاق الأجر والمثوبة والمباعدة من الغضب والسخط والعقوبة، فإذا قال المصلي: السلام عليكم ورحمة اللّه. فالمقصود رضوان الله وبركاته وسلامه من كل سوء، فالمعنيان محتملان كما أشرنا إليه وكل واحد منهما لا غبار عليه والحمدلله.
وقد تم غرضنا من بيان أركان الصلاة وفروضها وجملتها عشرة: النية وتكبيرة الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والقيام منه والسجود والقيام منه والقعود للتشهد والتسليم وبتمامه يتم الفصل الثاني في مقاصد الصلاة ونشرع الآن في لواحقها.
الفصل الثالث: في بيان لواحق الصلاة من السنن والهيئات.
اعلم أن من العلماء من يعدُّ ما ليس بركن ولا فرض مسنونًا، ولا يفرق بين المسنون والهيئة، ومنهم من يقسم المسنونات في الصلاة إلى هيئة وغير هيئة وقد قدمنا التفرقة بين المسنون والهيئة فلا نعيده والأجود التفرقة بينهما فلا جرم جعلنا هذا الفصل قسمين:
القسم الأول: في بيان سنن الصلاة المستقلة وجملتها أربعون:
السنة الأول: يستحب للإمام ومن بعده من المسلمين إذا قال المؤذن: حي على الصلاة أن يقوموا لأنه دعا إلى الصلاة، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كبَّر ليكون التكبير مطابقًا لمقالة المؤذن.
السنة الثانية: المستحب أن يقول الإمام والمؤتمون به عند قوله: قد قامت الصلاة (( أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض ) ). لما روي أن الرسول قال ذلك ( [23] ) .
السنة الثالثة: يستحب الاستفتاح بالأدعية المأثورة عن الرسول وهو يستحب في حق الإمام والمأموم جميعًا.
السنة الرابعة: يستحب التعوذ لما روي عن الرسول أنه كان يتعوذ في الصلاة وقد قدمنا وقته وكيفيته فأغنى عن التكرير.
السنة الخامسة: يستحب رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح لا غير وقد ذكرنا وقت الرفع وكيفيته.
السنة السادسة: يستحب القراءة في الصلاة الرباعية في ثلاث ركعات وفي الصلاة الثلاثية في ركعتين وفي الثنائية في الركعة الثانية.
السنة السابعة: يستحب الترتيب بين قراءة السورة والفاتحة فتقدم الفاتحة على قراءة السورة بعدها.
السنة الثامنة: تستحب الموالاة بين السورة والفاتحة فلا يفرق بينهما بفاصلة.
السنة التاسعة: تستحب الموالاة بين آي الفاتحة في ركعة واحدة فلا يفرق على الركعات.
السنة العاشرة: تستحب القراءة في الركعتين الأخريين من الصلاة الرباعية والركعة الثالثة من المغرب.
السنة الحادية عشرة: يستحب التطويل في قراءة صلاة الفجر بخلاف سائر الصلوات، وإذا كان يوم الجمعة استحبت القراءة بتنزيل السجدة وفي الركعة الثانية بهل أتى على الإنسان.
السنة الثانية عشرة: يستحب تسبيح الركوع ثلاثًا على الصفة التي ذكرناها.
السنة الثالثة عشرة: يستحب تسبيح السجود على الصفة التي أوردناها.
السنة الرابعة عشرة: يستحب التسميع للمنفرد والإمام والتحميد للمأموم.
السنة الخامسة عشرة: يستحب التشهد الأوسط القعدة وما فيه من الذكر.
السنة السادسة عشرة: يستحب القنوت في صلاة الفجر وصلاة الوتر وإن نزلت بالمسلمين نازلة استحب القنوت لأجلها.
السنة السابعة عشرة: أول التشهد الأخير وآخره بالأدعية التي ذكرناها فيه.
السنة الثامنة عشرة: يستحب للمصلي أن يكون نظره في حال القيام إلى موضع سجوده وفي حال ركوعه إلى موضع قدميه وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال قعوده إلى حجره.
السنة التاسعة عشرة: يستحب أن تكون القراءة في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية بمقدار تنزيل السجدة والقراءة في الركعتين الأخريين على النصف من ذلك ومقدار الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر ومقدار الأخريين من العصر على النصف من ذلك.
السنة العشرون: يستحب سكتتان الأولى منهما بعد تكبيرة الافتتاح قبل القراءة والسكتة الثانية بعد القراءة قبل الركوع.
السنة الحادية والعشرون: ويستحب أن يكون أول ما يقع على الأرض عند السجود اليدان ثم الركبتان ثم الجبهة ثم الأنف لما روي أن الرسول كان إذا سجد فعل ذلك.
السنة الثانية والعشرون: ويستحب السجود على الأنف لأنها غير واجبة لما روي عن الرسول أنه سجد على أنفه.
السنة الثالثة والعشرون: ويستحب السجود على جميع الجبهة لما روي عن الرسول أنه قال لمن علمه الصلاة: (( ثم اسجد ومَكِّن جبهتك على الأرض ) ).
السنة الرابعة والعشرون: يستحب مساعدة اللسان للقلب في النية فيلفظ بلسانه ما يكون مطابقًا للنية بقلبه خاصة لمن بلي بوسواس في النية فإنه إذا تلفظ بالنية بلسانه كان فيه خلاص عن الوسوسة مع المطابقة للنية لما يلفظ به بلسانه.
السنة الخامسة والعشرون: الترتيل في القراءة من غير عجلة ولا تمطيط، ويستحب ذلك لكل قارئ لكنه في الصلاة أكثر استحبابًا لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } [المزمل:4] .
السنة السادسة والعشرون: تستحب قراءة السورة في الركعتين الأوليين وحذفها في الثانيتين من الرباعية وفي الثالثة من المغرب وإثباتها في الركعتين من الفجر كلتيهما لما روي أن الرسول كان يفعل ذلك.
السنة السابعة والعشرون: يستحب للإمام إذا فرغ من صلاته أن يقف مكانه ساعة حتى ينصرف النساء إذا هن خلفه فإن كان خلفه رجال لا نساء معهن فإنه يقف ساعة ليتم صلاته من دخل معه من أول الصلاة ( [24] )
ولا يطيل الوقوف مخافة أن يظن أنه سهى في تسليمه.
السنة الثامنة والعشرون: يستحب للإمام والمأموم إذا فرغا من الصلاة المكتوبة أن يتحولا يمينًا وشمالًا لما روي عن الرسول أنه قال: (( أيعجز أحدكم إذا صلى المكتوبة أن يتقدم أو يتأخر" ) ) ( [25] ) ."
السنة التاسعة والعشرون: أن الإمام والمأموم إذا فرغا من تأدية الصلاة المكتوبة أن يصليا النافلة في البيت لما روي عن الرسول أنه قال: (( أجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا ) ).
السنة الثلاثون: يستحب الدعاء في حال السجود لما روي عن الرسول أنه قال: (( أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان في السجود فادعوا في السجود فقمن أن يستجاب لكم ) ).
السنة الحادية والثلاثون: ويستحب الإستكثار من النوافل لما روي عن الرسول أنه قال: (( الصلاة خير موضوع فمن شاء أن يقلل فليقلل ومن شاء أن يكثر فليكثر ) ). وقوله: (( خير أعمالكم الصلاة ) ).
السنة الثانية والثلاثون: وتستحب الزيادة في نوافل الليل لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) ) ( [26] ) .
وتكون مثنى مثنى لما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: (( صلاة الليل مثنى مثنى ) ) ( [27] ) .
السنة الثالثة والثلاثون: ويستحب حمل النفس على مشاق النوافل وتكلفها لما روى المغيرة بن شعبة أن الرسول قام حتى اسمعرت قدما أي انتفخا من القيام في الصلاة فقيل له أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ) ). وقيل: كان بين إيجاب قيام الليل عليه بقوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ} [المزمل:2] . وبين نسخه بقوله: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ } [المزمل:20] . سنة وقيل: عشر سنين والله أعلم.
السنة الرابعة والثلاثون: وتستحب المداومة على ما أعتاده الإنسان من النوافل وإن قل لما روي عن الرسول أنه قال: (( إن الله يحب المداومة على العمل وإن قل ) ) ( [28] ) .
السنة الخامسة والثلاثون: ويستحب لمن فرغ من الصلاة أن ينصرف يمينًا وشمالًا إذا كان له حاجة في اليمين أو الشمال فإن لم يكن له حاجة فالمستحب أن يكون أنصرافه إلى جهة اليمين لما روي عن الرسول أنه كان يحب التيامن في تصرفاته.
السنة السادسة والثلاثون:ويستحب في القنوت في صلاة الفجر بآي القرآن التي تدل على الدعاء دون غيرها من آي القرآن لأن موضوعه الدعاء وإن قنت بالأدعية المأثورة عن الرسول جاز ذلك.
السنة السابعة والثلاثون: ويستحب إذا قنت بالدعاء ألا يزيد مقداره على مقدار القنوت بالقرآن كقوله تعالى: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } [البقرة:136] . وكقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة:286] . اللهم إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة جاز الزيادة في الدعاء على قدر الحال.
السنة الثامنة والثلاثون: ويستحب أن يكون القنوت في صلاة الوتر بالأدعية المأثورة عن الرسول بالكلمات التي علمنهن جبريل رسول الله وعلمهن رسول الله الحسن بن علي وهي قوله: (( اللهم اهدني فيمن هديت ) )إلى آخرها؛ لأن الرسول خصهن بصلاة الوتر فدل ذلك على الإستحباب فيهن من غيرها.
السنة التاسعة والثلاثون: ويستحب الجهر بالقنوت للإمام والمنفرد لأنه من جملة القرآن، ويستحب ألا يخص نفسه بالدعاء إذا كان إمامًا ويقنت بالآي التي تشمل الكل كقوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ} . وقوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا} . إلى غير ذلك من الآي الدالة على الشمول.
السنة الأربعون: ويستحب للمصلي إمامًا كان أو منفردًا أن يرغب إلى الله تعالى بالأدعية المأثورة عن الرسول لقوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:7،8] . وقيل في تفسير: {فَإِذَا فَرَغْتَ} من الصلاة فانصب في الدعاء وارغب إلى الله تعالى في إعطاء الوسائل وإحراز الفضائل. ولنقتصر على هذا القدر من السنن المستقلة ونذكر على أثره السنن في الهيئات.
القسم الثاني في بيان سنن الهيئات في الصلاة، قد ذكرنا فيما سبق التفرقة بين السنة والهيئة فأغنى عن الإعادة، وتنقسم الهيئة: إلى ما يكون بالإضافة إلى جملة الصلاة، وإلى ما يكون بالإضافة إلى أبعاضها.
فالذي يكون مضافًا إلى جملة الصلاة، فيستحب للمصلي إذا افتتح الصلاة بالتكبير أن يكون خاضعًا خاشعًا متذللًا لجلال العظمة والكبرياء، وأن يعرف بين يدي من هو ومن يناجي ومن يخاطب، وعلى قدر ما يكون من هذه الأمور يعظم قدر الصلاة ويتفاضل أجرها وثوابها كما ورد عن الرسول: (( أن الرجل ليصلي ثم ينصرف ولم يكتب له من صلاته إلا نصفها"ثلثها ربعها خمسها سدسها سبعها ثمنها عشرها ) ) ( [29] ) ."
وأراد بذلك الفضل وزيادة في الثواب فأما الإجزاء فهو حاصل بتمام ركوعها وسجودها وسائر فروضها. ويحكى عن بعض الصالحين أنه دخل في الصلاة فانهدم جدار المسجد ولم يشعر به وعن بعضهم أنه تآكل بعض أطرافه فأرادوا قطعه فقيل اقطعوه في الصلاة فإنه لا يشعر به فهذه صلاة الأوابين الذين ليس لهم شغل إلا فيما عند الله وإحراز معرفة جلاله وعظمته فهذه الهيئة تعم جميع الصلاة وكيفما كان أدخل في الإشتغال بما ذكرناه كان أدخل في الفضل.
وأما ما يكون متعلقًا بأبعاض الصلاة من الهيئات كالقراءة من الجهر والمخافتة على رأي من يقول أنهما هيئتان على ما هو الأقوى والمختار ونحو الترتيل في القراءة وبيان الأحرف وإيضاحها ولا يهدها هدًا من غير بيان وهكذا حال القيام فإنه يجب عليه الإنتصاب فيه ويستحب ألا يميل رأسه إلى يمينه وشماله ولا يجعل ذقنه في صدره، وأما الركوع فيستحب فيه مد الظهر وتسوية الرأس لا رافعًا له ولا يكبه ويفرج أصابع يديه فهذا كله هيئة مستحبة تركها لا يخل بالوجوب، وأما السجود فيخوي في سجوده ويرفع يديه عن خاصرته ويضع كفيه حذاء منكبيه أو حذاء خديه خلا أنه إذا وضعها حذاء منكبيه كان أبعد من أن يفترش ذراعيه، ويضم أصابعه نحو القبلة ويفترش رجله اليسرى في كلتا القعدتين أو يفترش رجله في القعدة الأولى ويتورك في الثانية على ما مضى من الخلاف في هاتين القعدتين فكله هيئة لا تضر مخالفة فيه لما كان هيئة ليست بركن فيكون تركه مفسدًا للصلاة ولا يكون نقصًا فيكون بتركه يجبر بالسجود للسهو وإنما هو هيئة تابعة غير مستقلة فلهذا لم يكن فيها سجود سهو، وهكذا الكلام في الجهر في الأذكار نحو التشهد في الأول والأخير ونحو تسبيح الركوع والسجود فإن المخافتة هي السنة فيه لكنه هيئة تابعة لا يخل تركها بالصلاةـ وبتمامه يتم الكلام في الباب الخامس في صفة الصلاة وبالله التوفيق.
( [1] ) رواه زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي"بلفظ قال: قال رسول الله: (( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريهما التكبير، وتحليلها التسليم ) )."
قال السياغي رحمه الله في (الروض النضير) 1/643: قال في (البدر المنير) : له خمس طرق عن علي. وعن جابر، وعن أبي سعيد، وعن عبد الله بن زيد، وعن ابن عباس، وروي عن ابن مسعود وأنس موقوفًا.
قال في (التلخيص) بعد إيراد الحديث: الشافعي، وأحمد، والبزار، وأصحاب السنن إلاَّ النسائي، وصححه الحاكم وابن السكن من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية عن علي . اهـ.
( [2] ) أورده السياغي في (الروض النضير) 2/73 قال: واختلف العلماء في حكم التسليمتين فذهب الناصر وأبو حنيفة إلى أنهما سنة وهو إحدى الروايتين عن زيد بن علي كما ذكر في (المنهاج) وهو ظاهر صنيع البخاري في صحيحه، فإنه ترجم له في (باب التسليم) ولم يبين حكمه، وكأنه لم يَقْوَ له الدليل على وجوبه، فدل الحديث على أن التسليم ليس بركن واجب، وإلاَّ وجبت الإعادة مع الحدق قبل تأديته. اهـ ملخصًا.
( [3] ) روي في التسليمتين جميعًا أحاديث عن جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشقر،طلق بن علي، وأوس بن أويس، وأبو رمثة وعدي بن عميرة، والمغيرة بن شعبة، وواثلة بن الأسقع، ويعقوب بن الحصين، أخرجت أحاديثهم بأسانيد مختلفة، نقل السياغي في (الروض) 2/73 ما في (التلخيص) عن العقيلي: أن الأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين ولا يصح في تسلمية واحدة شييء، اهـ باختصار.
( [4] ) تقدم ضمن الحديث السابق.
( [5] ) تقدم.
( [6] ) روى نحوًا منه عمران بن حصين عن النبي وأخرجه أبو داود والترمذي في رد الرسول السلام على رجل جاءه فقال: السلام عليكم، فرد عليه، وقال: (( عشر ) )ثم جا ء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال: (( عشرون ) )ثم جاء آخر فقال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه رسول الله وقال: (( ثلاثون ) ).
( [7] ) جاء في حاشية الأصل، حديث سمرة رواه أبو داود وابن ماجة ولفظه: أمرنا أن نرد على الإمام وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض، وفي رواية: أمرنا رسول الله أنه نسلم على أئمتنا وأن يسلم بعضنا على بعض.
( [8] ) قال في حاشية الأصل: إن الراوي علي قال: كان النبي ...الحديث، رواه الترمذي وحسنه النسائي، وعن علي أن النبي كان يصلي قبل العصر ركعتين، رواه أبو داود بإسناد صحيح. ا هـ.
( [9] ) قال ابن بهران في (الجواهر) 1/239 حاشية (البحر) : قال في (التلخيص) : لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي حكاه عنه الترمذي وجاء معناه عند الترمذي وأبي داود والحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ: (( حذف السلام سنة ) )وقال الدار قطني: الصواب [أنه] موقوف.
تنبيه: حذف السلام: الإسراع به، وهو المراد بقوله جزم.
( [10] ) أخرجه أبو داود بلفظ: كنا إذا صلينا خلف رسول الله فسلم أحدنا أشار بيده عن يمينه وعن يساره، فلما صلى قال: (( ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم، أو ألا يكفي أحدكم أن يقول هكذا، و أشار بأصبعه يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله ) ).
( [11] ) الجاعرتان: حرفا الوركين المشرفان على الفخذين، وقيل: هما ما اطمئن من الورك والفخذ في موضع المفصل، وقيل: هما رؤوس أعالي الفخذين، وقيل: هما مضرب الفرس بذنبه على فخذيه. اهـ لسان4/141،
( [12] ) روت أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا، قالت: فيرى والله أعلم لكي تنصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال، وفي رواية: أن النساء في عهد رسول الله كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله ومن صلى معه من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله قام الرجال، أخرجه البخاري، وأخرج النسائي الثانية، وأخرج أبو داود نحو الأولى.
( [13] ) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
( [14] ) متفق عليه عن المغيرة بن شعبة بدون: (( ... وهو حي لا يموت ) ).
( [15] ) أخرجه مسلم والترمذي عن عائشة، وفيه رواية عن ثوبان بلفظه.
( [16] ) تقدم.
( [14] ) أخرجه الستة إلاَّ الموطأ عن ابن عمر.
( [18] ) أبو رمثة البلوي، ويقال: التميمي، و يقال: التيمي، تيم الرباب، قيل: اسمه رفاعة بن يثربي، وقيل: يثربي بن رفاعة، وقيل: ابن عوف، وقيل: عمارة بن يثربي، وقيل: حبان بن وهب، وقيل: حبيب بن حبان، وقيل: خشخاش، ويبدو من الأسماء النادرة التي اختلف فيها رجال التراجم اختلافًا كثيرًا، وعُرف بأبي رمثة بكسر الراء، قال في الكنى والأسماء 1/328: له صحبة، وفي (تهذيب التهذيب) 12/106: روى عن النبي وعنه إياد بن لقيط، وثابت بن أبي متفذ، قال: وفرق ابن عبد البر بين أبي رمثة التيمي وبين أبي رمثة البلوي، فذكر أن البلوي سكن مصر ومات بإفريقية، وفي (الإصابة) 7/141: روى له أصحاب السنن الثلاثة، ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم.
( [19] ) في (جواهر الأخبار) : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر وعن يمينه أو عن شماله ) )زاد حماد: يعني في الصلاة، يعني في السبحة، أخرجه أبو داود، وعن المغيرة قال: قال رسول الله: (( لا يصلي الإمام في موضعه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتحول ) )أخرجه أبو داود. اهـ 1/284.
( [20] ) رواه الجماعة إلاَّ الترمذي، ويستحب هنا التنبيه إلى ما أورده ابن بهران في (الجواهر) 1/284 فيما جاء عن عمارة قال: أتيت المدينة بعد فرأيت منازل النبي عن يساره.
( [21] ) وذلك فيما روت عائشة قالت: كان رسول ا لله يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله، وفي رواية: أنه كان يحب التيمن ما استطاع، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، وللترمذي والنسائي نحوه.
( [22] ) روى أبو أسيد وأبو قتادة أن رسول الله قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) )، وإذا خرج فليقل: (( اللهم إني أسألك من فضلك ) )أخرجه مسلم والنسائي، وكذا أبو داود، وزاد في الدخول: (( فليسلم على النبي وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) ).
( [23] ) تقدم في الإقامة، أخرجه أبو داود عن أبي أمامة.
( [24] ) لعل الصواب: أثناء الصلاة.
( [25] ) يقصد أن يتحول عن مكان صلاة المكتوبة عند أن يصلي السنة، وقد تقدم.
( [26] ) رواه الجماعة عن أبي هريرة بلفظ: سئل النبي أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: (( الصلاة في جوف الليل ) )قال [السائل] : فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: (( شهر الله المحرام ) ).
( [27] ) تتمة الحديث: (( ... فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ) )متفق عليه.
( [28] ) أخرج الستة عن عائشة أن رسول الله قال: (( أكلفوا من العمل ما تطيقوا، فإن الله لا يَمَلّ حتى تملُّوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل ) )وجاء الخبر بروايات عدة، وهذا اللفظ لأبي داود.
( [29] ) أخرجه أبو داود عن عمار بن ياسر بلفظ: (( إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها ) ).