فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 129

وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا بعدد لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة:9] . وهذا خطاب للمسلمين بخطاب الجمع.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ثمانية:

المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام وثلاثة مأمومين، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فَاسْعَوْا} إنما هو خطاب للجمع، وأقل الجمع: ثلاثة؛ لأن ما دون الثلاثة فليس جمعًا وما فوقها زائد على الجمع، فلهذا قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي إنما هو إلى الإمام فلهذا كان مغايرًا للساعين إليه.

المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور والأوزاعي والثوري.

والحجة على هذا: هو أن قوله: {فَاسْعَوْا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجهًا إليهم، ويمكن أن يقال: إن الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة.

المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره.

وهل يكون الإمام من جملة الأربعين أو يكون زائدًا؟ فيه وجهان: أجودهما: أنه يكون من جملة الأربعين.

والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك. ( [1] )

قال: كنت قائدًا لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من جَمَّع بنا في بني بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلًا. وروي عن جابر بن عبدالله أنه قال: مضت السنَّة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة.

المذهب الرابع: أنها تنعقد بإثني عشر رجلًا، محكي عن ربيعة.

وعن عكرمة: أنها تنعقد بتسعة.

وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو محكي عن داود.

وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده.

وعن مالك: أني لا أجد في ذلك حدًا وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام في قرية ويتمكنون فيها.

والمختار: ما ارتضاه الأخوان وحصَّلاه للمذهب، من أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام.

وحجتهم: ما ذكرناه.

ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في الأخبار متعارضة، فروي عن أسعد بن زرارة أنه جَمَّعَ في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير ( [2] ) :

أنه جَمَّعَ في اثني عشر رجلًا ( [3] ) .

وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه الآية بقوله تعالى: {فَاسْعَوْا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في الجمعة.

ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ.} [الجمعة:9] . وهذا جمع، وأقل الجمع إثنان مع الإمام، كما حكي عن أبي العباس.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع اثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية صيغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان. وللجمع صيغة فيقال: رجال وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعًا.

وأما ثانيًا: فلأن التثنية إذا كانت جمعًا فيجب أن يكون واحد مع الإمام كافيًا في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان.

قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين، كما حكي عن الشافعي اعتمادًا على ما حكي عن أسعد بن زرارة.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسول÷ فليس الحجة إلا في كلام الله وكلام رسوله÷، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا.

وأما ثانيًا: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلًا، فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر.

قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا باثني عشر رجلًا. كما روي عن ربيعة، وعن عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحدٍ. وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حدًا بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ولا تتأيد بمسلك نقلي.

وأما ثانيًا: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها الأقيسة باستنباط المعاني لانسدادها فيها، ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه.

الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان:

المذهب الأول: أنهم ضربان:

فالضرب الأول: [الذين] تنعقد بهم الجمعة ويجب عليهم فعلها. وهؤلاء هم الرجال البالغون الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.

الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة.

قيل للسيد أبي طالب رضي الله عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين يعتبرون في الجمعة أحرارًا بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين.

قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالًا أحرارًا؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيدًا وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة.

المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ضروب أربعة:

الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالًا بالغين عاقلين مسلمين أحرارًا، وكانت عدتهم أربعين رجلًا مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفًا إلا لحاجة.

الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد منهم أربعون رجلًا، أو من كل صنف منهم أربعون رجلًا لم تنعقد بهم الجمعة.

الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة، وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع، فإن حضر هؤلاء انعقدت بهم الجمعة وتوجه عليهم وجوبها.

الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة، وفي انعقادها بهم وجهان. وهؤلاء هم المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به.

وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن الرسول÷ لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت دار إقامتهم لأنها ليست وطنًا لهم. وهذا هو رأي الشافعي.

فهذا تقسيم العدد المعتبر في انعقاد الجمعة وصفاتهم. وقد مضى الخلاف فيما يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا يجب فأغنى عن تكريره.

الفرع الثالث: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطًا في ابتداء الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أن العدد شرط في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين.

والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ.} [الجمعة:9] . والذكر هاهنا هو الخطبة.

المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطًا في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة؛ والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطًا في ابتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده وحضر العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة.

والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي، من أن العدد شرط في ابتداء الخطبة.

وحجتهم: ما ذكرناه.

ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم.

الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه.

قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطًا في الإبتداء كصلاة الجماعة.

قلنا: المعنى في الأصل: هو أن الجماعة ليست شرطًا في صحة انعقاد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح في الجمعة.

فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في الخطبة على ما يأتي في تقريره، دون ما سواها فلا عبرة به.

فإن انفضوا بعد فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام على الخطبة وأحرم بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل. وحدُّ التطاول: ما يكون في تعارف الناس تطاولًا، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة.

وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان.

فإن نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي جمعة، وإن لم يعودوا إليها أتمها ظهرًا، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة فسيأتي تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا [اختل] أحد شروطها المعتبرة فيها.

( [1] ) أبو الخطاب عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي، روى عن أبيه وأخيه عبد الله بن كعب وأبي قتادة وجابر وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه كعب وأبو أمامة بن سهل والزهري وغيرهم، ولد على عهد النبي÷ ولم يرو عنه شيئًا، توفي في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان، وقيل: في ولاية هشام. اهـ (تهذيب التهذيب) 6/233، وقال في (الإصابة) : قال ابن سعد: كان ثقة وأكثر حديثًا من أخيه. اهـ. 5/47.

( [2] ) أبو عبد الله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، من جلة الصحابة ومشاهيرهم وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، شهد بدرًا، وكان رسول الله÷ قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى: القارئ المقرئ، ويقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، ذكر في (الاستيعاب) عن الواقدي ما عُرف به مصعب بن عمير في مكة بأنه كان فتاها شبابًا وجمالًا، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان رسول÷ يذكره ويقول: (( ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير ) )ولما بلغه أن رسول الله يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم جاءه وأسلم وظل يختلف إلى رسول الله سرًا، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه وأمه، فأخذوه وحبسوه فلم يزل محبوسًا إلى أن خرج مهاجرًا إلى الحبشة، استشهد في أحد رحمه الله ورضي عنه، وكانت راية رسول الله معه يوم بدر ويوم أحد حتى استشهد فأخذها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، راجع (الاستيعاب) 4/1473، و (الإصابة) 6/123.

( [3] ) جاء في (جواهر الأخبار) 2/13: عن جابر، بينما نحن نصلي مع رسول الله÷ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا فالتفوا إليها حتى ما بقي مع النبي÷ إلاَّ اثني عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة:11] وفي رواية أن الرسول÷ كان يخطب قائمًا فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، وقال: إلاَّ اثني عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر، وفي أخرى: إلاَّ اثني عشر رجلًا أنا فيهم، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، قال: وقوله في الكتاب (يقصد: كتاب البحر) : وبقي معه ثمانية، وقوله في (الانتصار) ولم يبق معه إلاَّ ثمانية مخالف لما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت