اعلم أنما يتطهر به ينقسم إلى: مائع وجامد.
فالمائع هو: الماء، لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ \s"\c 1} [الأنفال:11] . وما روي أنه عليه السلام قال: (( خلق الماء طهورًا ) )."
والجامد هو: التراب، يكون طهورًا عند عدم الماء في سفر أو حضر، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوْا \s"\c 1 صَعِيْدًا طَيِّبًَا \s"\c 1} [النساء:43] . وقد يكون بالحجر عند أثر الغائط والبول، لقوله ً: (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن \s"\c 2 ) ) ( [1] ) . كما سنوضحه بعد هذا بمعونة اللّه تعالى."
وهل يجوز التطهر بنبيذ التمر أم لا؟ فيه مذهبان:
الأول: أنه لا يجوز التطهر بشيء من الأنبذة بحال، وهذا هو رأي أئمة العترة ومن تابعهم من فقهائهم، وبه قال الشافعي ومالك ومحكي عن أحمد بن حنبل وأبي عبيد \s"\c 3 ( [2] ) وداود ( [3] ) ."
والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا \s"\c 1} [المائدة:6] . ثم قال: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدًَا طَيِّبًَا \s"\c 1} . فنقلهم عند عدم الماء إلى التراب، فلو كان غيره جائزًا لم يقصرهم في النقل إليه ولكان نقلهم إلى غيره أقرب من نقلهم إلى التراب؛ لأن النبيذ أقرب إلى صفة الماء وخلقته من التراب. ولقوله ً: (( التراب طهور المؤمن مالم يجد الماء \s"\c 2 ) ) ( [4] ) ."
وتقرير الحجة فيه: ما ذكرناه في تقرير الآية، ولأن التطهر ورد من جهة الشرع مقصورًا على الماء والتراب، فلا يجوز نقله إلى غيرهما إلا بدلالة شرعية.
المذهب الثاني: أنه يجوز التطهر بنبيذ التمر، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، ثم اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات:
الرواية الأولى: مثل مذهبنا، أنه لا يجوز التطهر به، إلا في كونه نجسًا [فإنه] قال بطهارته مع أنه لا يجوز التوضؤ به، وهو قول أبي يوسف، وعند أصحابنا والشافعي: أن كلما انْتُبِذَ يكون نجسًا.
الرواية الثانية: أنه يجوز التوضؤ به والتيمم بعده، وهذا هو المحكي عن محمد بن الحسن.
الرواية الثالثة: أنه يجوز التوضؤ به إذا طبخ وانتبذ عند عدم الماء في السفر، والحجة على ذلك حديث ابن مسعود ليلة الجن، فإنه قال: كان مع الرسول ً في تلك الليلة، فلما أراد الصلاة لفرض الفجر، فقال له: (( أمعك وضوء ) )؟ فقال: لا. معي إداوة ( [5] ) فيها نبيذ. فقال: (( تمرة طيبة وماء طهور \s"\c 2 ) )، فتوضأ به."
والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي، لما ذكرناه عنهم من الأدلة الشرعية، ولأن الكتاب والسنة ظاهرهما دال على عدم النقل من الماء إلى غير التراب، فلو كان التطهر بالنبيذ جائزًا إذًا لذكره؛ لأنه في موضع تعليم الشرع وهو وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره عن الذكر، والإعراض عنه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه، أما ما ذكره من الاحتجاج بحديث ابن مسعود، فعنه أجوبة ثلاثة:
أما أولًا: فلأن هذا الحديث، رواه أبو زيد \s"\c 3 ( [6] ) ، عن ابن مسعود وهو مجهول عند رواة الحديث، فلا يكون مقبولًا."
وأما ثانيًا: فلأن الرسول ً قال: (( تمرة طيبة وماء طهور ) ) ( [7] ) . فأطلق اسم الماء عليه، فلو [كان] نبيذًا لم يطلق عليه اسم الماء.
وأما ثالثًا: فلأنه ً قال: (( تمرة طيبة ) ). فلو كان التمر قد صار نبيذًا لم يطلق عليه [اسم] التمر بعد تغيره، فأما قول ابن مسعود جوابًا له، حيث قال له: ما في إداوتك \s"\c 2؟ فقال: نبيذ تمر، فلا حجة فيه؛ لأنه كلام لصحابي، وقد قررنا أنه لا حجة في قول الصحابي فأغنى عن تكريره."
وله تأويل، وهو أنه إنما قال: نبيذ تمر. جريًا على عادة العرب في نبذهم في الأمواء تُمَيْرَاتٍ تجتذب ملوحته وتطيبه؛ لأن الغالب الملوحة في أمواء الحجاز، فلهذا قال: نبيذ تمر، من أجل ذلك أجابه الرسول بقوله: (( تمرة طيبة ) ). جريًا على ما هو المألوف من عادات العرب في ذلك كما أشرنا إليه، فإطلاق اسم التمرة والماء من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه، فيه دلالة ظاهرة على أنهما لم يتغيرا عما هما عليه من صفة المائية والتمرية؛ لأن إطلاق اسم الماء والتمر على ما تفاحش تغيره وزال عن صفته يشابه إطلاق الماء على المرق والعصيدة وهو محال لا وجه له.
ثم إنا نقول: إنه لم يجر من عادة العرب أنهم يستصحبون الأنبذة في أسفارهم إذ لا حاجة لهم إليها، وإنما يستصحبون الأمواء لحاجتهم إليها في المفاوز، فلا وجه لاستصحاب ابن مسعود النبيذ في السفر، وفيه دلالة وأمارة قوية علىأن ما كان في إداواته إنما هو الماء المنبوذ فيه تمرات لا غير.
لا يقال: لو كان في إداوته ماء لم يكن لنفيه للوضوء [معنى] لما سأله الرسول ً: (( هل معك وضوء ) )؟ فقال له: لا، لأنا نقول: هذا فاسد، لأن الحجة إنما هي في كلام صاحب الشريعة دون كلام ابن مسعود، فلا حجة فيه، وقد قال: (( تمرة طيبة وماء طهور ) ). ولعله إنما نفى الماء الذي يتوضأ به اعتقادًا منه أن كل ما خالطه الطاهر ولم يغير شيئًا من أوصافه فإنه لا يجوز التوضؤ به، فبطل ما توهموه.
( [1] ) حكاه في البحر وفي أصول الأحكام والشفاء، وجاء في رواية عن ابن عباس بلفظ: (( إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب ) )ا.هـ ملخصًا من البحر.
( [2] ) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، ذكره الشيرازي في فقهاء بغداد ولقبه مرة بأبي عبدالله ومرة بأبي عبيد. وقال: قال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل تُنفخ فيه الروح يحسن كل شيء، ولي القضاء لطرسوس ومات بمكة سنة 224هـ عن سبع وستين سنة. (طبقات الفقهاء) .
( [3] ) داود بن علي بن خلف الظاهري العلامة الفقيه الزاهد. نشأ في بغداد بلغ في الزهد كما روى المرشد بالله: أنه أُعطي دراهم كثيرة وردها وكان يأكل في العيد البقل ولا يقبل من أحد شيئًا، عده الإمام المهدي من العدلية، توفي ببغداد في ذي القعدة سنة 270هـ.، وفي طبقات الشافعية وطبقات الشيرازي أنه ولد سنة 200هـ، وتوفي سنة 290هـ.
( [4] ) مكانه باب التيمم.
( [5] ) الإداوة: المَطْهَرَةُ، وعن ابن سيده: إناء للماء، وتجمع على أداوي. ا.هـ لسان.
( [6] ) جاء في (التهذيب) : المخزومي مولى عمرو بن حريث. وقيل: أبو زائد أو أبو زيد بالشك. روى عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ليلة الجن. وعنه أبو زرارة رشد بن كيسان. قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راوٍ غير أبي فزارة، ولم يرو هذا الحديث من وجه ثابت، وأبو زيد مجهول. وقال أبوداود: كان أبو زيد نباذًا بالكوفة. وقال الترمذي: مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث. قلت: وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أبو زيد مجهول لا يُعرف ولا أعرف كنيته ولا أعرف اسمه.. إلخ. تهذيب التهذيب ج12/113.
( [7] ) أخرجه الترمذي وكذا أبو داود إلا قوله: فتوضأ منه. ا.هـ. البحر: ج2/11.