فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 129

الفصل الأول

في بيان ابتداء الأذان

وللعلماء في إثبات ابتدائه طريقان:

الطريق الأول: يعتمدها أئمة العترة وأكابر أهل البيت"ولهم في إثباتها تقريران:"

التقرير الأول: تسلكه القاسمية، وهو أن ابتداء الأذان إنما كان في ليلة المعراج. وهو أن الرسول لما جاءه جبريل بالبراق وهو دابة ما بين الحمار والبغل فركبه الرسول ثم انتهى إلى السموات ومر على الأنبياء وسلم عليهم وسلموا عليه واستبشروا به واستروّا ببعثته، آدم وإبراهيم وإدريس وعيسى وموسى وغيرهم من الأنبياء، ثم انتهى إلى البيت المعمور وصلى بالملائكة والنبيين وأكمل اللّه له الشرف، وجبريل بجنبه لا يفارقه ثم انتهى إلى سرادقات الحجب والأنوار فخرج ملك من تلك الحجب وهو ينادي بصوته: اللّه اكبر اللّه اكبر. فأجابه مجيب من خلف تلك الأنوار: صدق عبدي أنا الكبير وأنا الأكبر، فقال الملَك: أشهد أن لا إله إلا اللّه. فقال المَلِك: صدق عبدي لا إله إلا أنا. فقال الملك: أشهد أن محمدًا رسول اللّه. فقال المَلِك: صدق عبدي هو رسولي وأنا أرسلته. ..إلى آخر الأذان، ثم قال بعد ذلك: اللّه اكبر لاإله إلا الله ( [1] ) .

التقرير الثاني: تعتمده الناصرية، وهو أن ابتداء الأذان ما كان إلا من جهة جبريل نزل به على الرسول وعلمه إياه كما علمه مواقيت الصلاة وغيرها من أصول الشريعة لأن الأذان من جملة الأصول والمصالح الغيبية التي استأثر اللّه بعلمها فلا يكون إلا بالتوقيف من جهة جبريل صلوات اللّه عليه.

فهذان التقريران هما المعتمدان في ابتداء الأذان عند أهل البيت"وكل واحد منهما مرشد إلى تقريره وإثباته ولا يفترقان إلا أن الأول كان في ليلة المعراج والثاني كان تعليمًا من جبريل كسائر الشرائع التي نزل بها وأوضحها للرسول ."

الطريق الثاني: يعتمده الفقهاء الفرق الثلاث الشافعيه والحنفيه والمالكيه وهو: ما رواه أبو عمير \s"\c 3 ( [2] ) عن عمومته من الأنصار قال: اهتم رسول اللّه في أمر الصلاة كيف يجمع الناس لها واستشار المسلمين في ذلك فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، فذكروا له البوق فقال: (( هو مزمار اليهود ) )فذكروا له الناقوس فقال: (( هو مزمار النصارى ) )فذكروا له النار فقال: (( ذلك من شأن المجوس \s"\c 2 ) ). فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتم لاهتمام رسول اللّه ، فأُري الأذان في منامه فغدا إلى الرسول فأخبره بذلك فقال: يا رسول اللّه إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا ثم أخبر به الرسول فقال له: (( ما منعك أن تخبرنا به \s"\c 2 ) ). فقال: سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت فقال الرسول: (( قم يا بلال فانظر ماذا يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله ) ) ( [3] ) قال: فأذن بلال. قال أبو عمير عن عمومته من الأنصار، وإنما لم يأمر عبدالله بن زيد بالأذان لأنه كان يومئذ مريضًا. فهذه طريقة الفقهاء في ابتداء الأذان."

والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أن طريق ابتداء الأذان وحي من اللّه تعالى على رسوله إما بما كان من طريق خبر المعراج كما نقلناه لأن ابتداء فرض الصلاة كان في ليلة المعراج أيضًا وأنها فرضت خمسين صلاة وما زال موسى صلى الله عليه يردد الرسول في الرجوع إلى ربه وأن أمته لا تطيق عليها حتى بلغت خمسًا، وإما من طريق الإبتداء من جبريل على طريق الوحي كما في سائر الأصول الشرعية المتلقاة من جهة جبريل، فهذا هو الأصح في طريق ابتداء الأذان.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

قالوا: روينا عن عبدالله بن زيد أنه أري ذلك في المنام فحكاه للرسول لما اهتم بأمر الإجتماع للصلاة فأقره الرسول على هذه الرؤيا وأمر بلالًا فأذن به، والشرع متلقى من جهة الرسول إما بقوله وإما بفعله وإما بتقريره، كما كان منه هاهنا، وإما بإشارته وقد قرر ما رآه عبدالله بن زيد فدل ذلك على كونه شرعًا.

قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:

الجواب الأول: إنا لا ننكر ما ذكرتموه إذا حمل على وجه مستقيم وإنما أنكرنا أن يكون أصل من أصول الشريعة والإشعارات المفعولة من أجل الصلاة مبنيًا على المنامات التي أكثرها أضغاث أحلام وإن مثل هذا لا يعهد له نظير فلهذا كان مستبعدًا لما ذكرناه.

الجواب الثاني: أن ما عولتم عليه محمول على أن جبريل صلوات اللّه عليه قد كان نزل به على الرسول وأخبره به وقص عليه صفته ولكن اتفق أن رآه عبدالله بن زيد فكانت الرؤيا مطابقة لما نزل به جبريل من غير حاجة إلى تقريره على المنام على انفراده.

الجواب الثالث: أن الرواية فيه مضطربة، فمرةً رأى الرجل على ظهر الكعبة في المنام، ومرة قالوا: على حرم من أحرام المدينة، وتارة عليه بردان أخضران وجثا مستقبل القبلة، ومرة مستدبرًا بيت المقدس، وهذا الإضطراب يضعف الرواية مع ما فيها من الضعف في النقل وبنائها على الأحلام.

قالوا: لو كان الأمر كما قلتموه لما كان لتعليمه بلالًا بالأذان [فائدة] إذا كان معلومًا من قبل.

قلنا: عن هذا جوابان:

الأول: أن يكون جبريل قد نزل به على الرسول وأعلمه أصحابه بما نزل عليه من أمر الأذان فطابق ما رأوه وكان بلالٌ لم يعلمه فلما رأيا ( [4] ) ذلك أمرهما أن يعلماه بلالًا فيكون لهما في ذلك فضيلة وأجر وثواب.

الجواب الثاني: أن هذا معارض بما ذكرناه من الرواية في ابتدائه فإذا حملنا ما نقوله على هذه التأويلات كانت الأدلة متوافقة من غير مناقضة بينها والله أعلم بالصواب.

قالوا: هذه الرواية قد نقلها المحدثون في كتب الحديث كالبخاري والترمذي ومسلم وغيرها من كتب الصحاح، يدل ذلك على صحتها وثبوتها.

قلنا: عن هذا جوابان:

الأول: أنا لم ننكر ما نقلتموه على جهة التكذيب للرواية وإنما قلنا: إنها ضعيفة لما قررناه.

الجواب الثاني: أنا قبلناها وتأولناها على ما حكيناه من التأويلات لتكون مطابقة لروايتنا، وهذا هو دأب العلماء في مضطرباتهم الاجتهاديه في الأخبار المروية والقياسات المعنوية في ترجيح بعضها على بعض ليتسع منهاج الاجتهاد ويعظم أمره وتتضح مسالك الشريعة.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: لا يجوز الأذان قبل دخول وقت الصلاة؛ لأن الأذان إنما شرع للإعلام بدخول الوقت فلا معنى له قبل دخول وقتها. فإن أذن أعاد لأن الأول ليس مشروعًا ولا مجزيًا للصلاة. ولو افتتح الأذان قبل الوقت ثم دخل الوقت استأنفه لأنه مشروع على فساد فلا يعتد به ولا يكون مجزيًا كما لو صلى قبل الزوال ثم دخل وقت الزوال فإنه يستأنف فهكذا في الأذان.

وهل يؤذن لصلاة الفجر قبل طلوعه أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي ومحكي عن الناصر وزيد بن علي والمؤيد بالله وأبي حنيفة ومحمد والثوري.

والحجة على ذلك: ما روي أن بلالًا أذن بليل فدعاه الرسول فقال: (( ما حملك على أن تجعل صلاة الليل في النهار وصلاة النهار في صلاة الليل \s"\c 2، عد فناد: ألا إن العبد قد نام ) )فصعد بلال وهو يقول:"

ليت بلالًا لم تلده أمه

وابتل من نضح دمٍ جبينه

فنادى بلال: ألا إن العبد قد نام، وأعاد الأذان ( [5] ) .

الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال لبلال: (( لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا \s"\c 2 ) ) ( [6] ) ومد يده عرضًا."

الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك الأنصاري عن النبي أنه قال لبلال: (( لاتؤذن حتى يكون الفجر هكذا \s"\c 2 ) )ومد يده. فهذه الأخبار كلها دالة على النهي عن التأذين قبل الفجر، والنهي في العبادات يقتضي فسادها."

المذهب الثاني: جواز الأذان قبل الفجر لصلاة الفجر وهذا هو رأي الشافعي ومالك وأبي يوسف.

والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر عن رسول اللّه أنه قال: (( إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s"\c 2 ) ) ( [7] ) ."

والحجة الثانية: ما روى زياد بن الحرث الصدائي ( [8] ) قال: لما كان أول الفجر أمرني رسول اللّه أن أؤذن فأذنت فجعلت أقول: أقيم يا رسول اللّه؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: (( لا ) )حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى ( [9] ) . فدل هذا الخبر على جواز الأذان قبل طلوع الفجر.

الحجة الثالثة، قياسية: وهي أنها عبادة تجب بطلوع الفجر فوجب أن يجوز تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر قياسًا على نية الصوم.

فإن كان للمسجد مؤذنان فالمستحب أن يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والثاني بعد طلوعه، لأن بلالًا كان يؤذن قبل طلوع الفجر وابن أم مكتوم كان يؤذن بعد طلوعه. وذكر أصحاب الشافعي لمذهبه أن كل من كان في بلدة قد جرت عادتهم بالأذان بعد طلوع الفجر لم يسع أحد أن يؤذن لها في ذلك البلد قبل طلوع الفجر لئلا يغرهم بأذانه، واختلف أصحاب الشافعي في أول وقت الأذان للفجر على خمسة أقوال:

أولها: وهو المشهور: أنه يكون بعد نصف الليل كالدفع من مزدلفة.

وثانيها: أنه إذا كان في الشتاء فلسُبُعٍ يبقى من الليل، وإن كان في الصيف فلنصف سُبُع يبقى من الليل وهو رأي الجويني عبدالملك قال: وتلك سنة رسول اللّه .

وثالثها: ما ذكره المسعودي أنه يكون لوقت السحر قبل الفجر.

ورابعها: ما قاله صاحب (العدة) ( [10] ) أن الليل كله وقت لأذان الصبح، واستضعف هذا القول.

وخامسها: أن ذلك يبنى على آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: إنه يكون إلى ثلث الليل، أذن للفجر إذا ذهب ثلث الليل، وإن قلنا: إنه إلى نصف الليل، أذن للفجر إذا ذهب نصف الليل. هذا كله تفريع على قولهم بأن الأذان للفجر قبل طلوع الفجر كما حكيناه عنهم.

والمختار: ما عول عليه علماء العترة.

وحجتهم: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججًا ثلاثًا:

الحجة الأولى: ما روى سنان ( [11] ) قال: دخلت على رسول اللّه وهو يتغدَّا فقلت: يا رسول اللّه إني أريد الصوم؟ فقال: (( وأنا أريد الصوم إن مؤذننا في بصره سوء \s"\c 2 أذن قبل طلوع الفجر وقدمه على أذانه في الليل ) ) ( [12] ) وهذا هو مرادنا."

الحجة الثانية: ما روي عن علي % أنه قال: من أذَّن قبل الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد.

الحجة الثالثة: ما روي عن علقمة \s"\c 3 ( [13] ) : أنه شُيِّعَ إلى مكة فخرج بليل فسمع مؤذنًا يؤذن قبل الفجر فقال: أما هذا فقد خالف سنة رسول اللّه ولو كان نائمًا لكان خيرًا له. فهذه الأخبار كلها دالة على أن الأذان قبل الفجر خلاف السنة وأنه غير مجزي."

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: (( إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s"\c 2 ) )."

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن أذان بلال ليس أذانًا للصلاة وإنما هو تذكير، وكلامنا إنما هو في أذان الصلاة المكتوبة ولهذا قال %: (( لا يهيدنكم( [14] ) أذان بلال عن السحور )).

وأما ثانيًا: فلأن أخبارنا دالة على المنع وأخباركم دالة على الإباحة والباب باب العبادة فلهذا كانت أخبارنا أحق بالقبول لما فيها من الإحتياط للعبادة.

قالوا: روى زياد بن الحرث الصدائي أنه لما كان أول الفجر أمرني رسول اللّه بالأذان فأذنت فأردت أن أقيم فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: (( لا ) )حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن قوله: لما كان أول الفجر. ليس من كلام الرسول وإنما هو من كلام زياد فلا حجة فيه ولعله ظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع.

وأما ثانيًا: فيحتمل أنه يريد بقوله: حتى إذا طلع الفجر انتشر الضوء وكثر وانكشف الظلام وكل ذلك كان بعد طلوع الفجر.

قالوا: عبادة تجب بطلوع الفجر فيجب ( [15] ) تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر كَنِيَّةِ الصوم.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن هذا يوجب عليكم جواز الإقامة قبل طلوع الفجر على منهاج هذا التعليل ولا قائل به.

وأما ثانيًا: فعلى هذا لا يختلف الحال قبل نصف الليل أو بعده، وأنتم لا تجوزون التأذين إلا في الثلث الأخير. فبطل ما عولوا عليه.

الفرع الثاني: لا تخلو بلدة في الغالب عن متطوع بالأذان لما فيه من الأجر وإحراز الفضل ويؤيد ذلك قوله: (( المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة \s"\c 2 ) ) ( [16] ) . وهذا الحديث له تأويلات خمسة:"

التأويل الأول: أن يكون مراده أطول الناس رجاءً لأنه يقال: طال عنقي إلى رجائك، أي: إلى وعدك.

التأويل الثاني: أن يكون المراد منه، المؤذنون أكثر الناس أتباعًا يوم القيامة لأنهم يتبعهم كل من صلى بأذانهم يقال: جاءني عنق ( [17] ) من الناس، أي: جماعة.

التأويل الثالث: أن يكون مراده أن تكون أعناقهم تطول يوم القيامة حتى لا ينالهم العرق في ذلك اليوم لأنه قد روي أن العرق يلجم الناس.

التأويل الرابع: أن يكون الغرض أطول الناس أصواتًا، وعبر بالعنق عن الصوت لأنه منه يخرج.

التأويل الخامس: أن تكون الرواية في الخبر: إعناقًا بكسر الهمزة، أي: أشد الناس في السير إسراعًا ومنه العنق وهو ضرب من السير بين الإرقال والخبب.

فإن لم يوجد من يؤذن إلا بأخذ الجعل نظرت في حال الجعل. فإن كان حاصلًا من غير شرط جاز ذلك على جهة البر والصلة والمواساة، هكذا قاله الإمامان القاسم والهادي لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى \s"\c 1} [المائدة:2] وإن كان على جهة الشرط لم يجز."

قال الإمام أبو طالب: التفرقة بين ما يكون على جهة البر وبين ما يكون على جهة الشرط هو أن ما كان على جهة الشرط فإن الأذان ينقطع بإنقطاعه وما كان على جهة البر فإنه لا ينقطع بإنقطاعه.

دقيقة: ثم هاهنا صور يقع التردد في أخذ الأجرة عليها مفارقة للأذان.

الصورة الأولى: القاضي. ولا خلاف في جواز أخذ الرزق له من بيت المال لأنه من جملة المصالح الدينيه فيرزقه الإمام منه، والتفرقة بينه وبين المؤذن هو أن القاضي لا يلزمه التصرف في القضاء لا على وجه الكفاية ولا على وجه التعيين وإنما يلزم الإمام لقيامه بمصالح الدين، فإذا لم يمكن الإمام القيام بالخصومات استعان بالحاكم وتوجه عليه رزقه مفوضًا إلى رأي الإمام ونظره.

الصورة الثانية: ولا خلاف في جواز أخذ الأجرة على حفر الآبار وبناء المساجد والمناهل والقناطر والخانكات ( [18] ) وحفر القبور. والتفرقة بينها وبين الأذان ظاهرة فإن هذه الأشياء قد تكون واقعة لغير القربة كمن يبنى بناء لنفسه، وحفر القبر يجوز أن يجعل لغيره فلهذا لم يمنع أخذ الأجرة عليها فصارت القربة غير متعلقة بها وإنما تتعلق القربة بجعله مسجدًا أو منهلًا.

الصورة الثالثة: الجهاد، ولا خلاف في أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه من أعظم قواعد الدين كالصلاة والصيام والحج وهو من مهمات الإسلام لما فيه من إشادة معالمه وتقوية أمره، والإمام إنما يعطي المجاهدين والمرتزقة من أموال اللّه فليس يعطيهم على الجهاد وإنما يعطيهم ما يتقوون به من السلاح والكراع ( [19] ) والآلات التي لا تصلح أمورهم إلا بها على قدر كفاياتهم وعلى ما يراه من المصلحة في التوسعة.

الصورة الرابعة: الختان، وهو وإن كان واجبًا ولكن وجوبه على المختون في ماله لأن الوجوب متعين عليه، فإن أمر به غيره جاز دفع الأجرة منه، وإن كان المختون فقيرًا لا يقدر على دفع الأجرة من نفسه، توجه على الإمام ذلك لأنه من جملة ما يقوم به الإمام ويكون مفوضًا إليه لقوله: (( من ترك مالًا فلأهله ومن ترك كلًا أو عيالًا فإليَّ \s"\c 2 ) ) ( [20] ) . والإمام قائم مقامه."

الصورة الخامسة: تردد الإمامان المؤيد بالله وأبو طالب في غسل الميت هل يكون لاحقًا بالأذان أو بحفر القبور فقال المؤيد بالله: لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه مؤدٍ للواجب عن نفسه فيكون كالأذان والجهاد. وقال أبو طالب: هو غير متعين عليه فلهذا كان لاحقًا بحفر الآبار وبناء المساجد. وكلا المذهبين جيد لا غبار عليه خلا أن ما قاله المؤيد بالله أقرب؛ لأنه يفتقر إلى النية كافتقار العبادات إلى النية وإن لم ينوِ أجزأ لأن المقصود هو التطهير.

الفرع الثالث: فإن لم يوجد من يقوم بالأذان إلا بشرط الأجرة فهل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه بالشرط، وهذا هو الذي رآه الإمامان القاسم والهادي، ومحكي عن الناصر وأبي حنيفة.

والحجة على ذلك: ما روى عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: يا رسول اللّه اجعلني إمام قومي قال: (( أنت إمام قومك فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا \s"\c 2 ) ) ( [21] ) ."

الحجة الثانية: ما روي عنه أنه قال لرجل: (( إنْهَ مؤذنك لا يأخذ على أذانه أجرة \s"\c 2 ) ) ( [22] ) . فهذان الخبران دالان على ما نريده من المنع عن أخذ الأجرة على الأذان."

الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها هو أن الأذان قربة محضة واجبة لا يصح دخول النيابة فيها فلا يجوز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصيام.

فقوله: قربة، يحترز به عمن لا قربة في أذانه كالصبي والمجنون والحربي والذمي فإن هؤلاء لا يصح أذانهم لعدم القربة.

وقوله: محضة، يحترز عن حفر القبور وبناء المساجد فإنها ليست قربة محضة ولهذا يصح أخذ الأجرة عليها.

المذهب الثاني: جواز أخذ الأجرة على الأذان وهذا هو رأي الشافعي.

والحجة على هذا قولهم: نفع الأذان مما يعود إلى الغير من غير أن يودي فرض نفسه فجاز له أخذ الأجرة عليه، دليله كتابة المصاحف وبناء القناطر وحفر الآبار.

والمختار: ما قاله أئمة العترة من المنع من أخذ الأجرة عليه.

وحجتهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي % أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك في الله. فقال: وأنا أبغضك في اللّه قال: ولم؟ قال: لأنك تتغنى في أذانك وتأخذ على القرآن أجرًا وقد سمعت رسول اللّه يقول: (( من أخذ على تعليم القرآن أجرًا كان حظه يوم القيامة \s"\c 2 ) ) ( [23] ) ."

الحجة الثانية: هي أن الأذان واجب على الكفاية كما سنقرره، فالقيام به قيام بعبادة فيحرم أخذ الأجرة عليه قياسًا على سائر العبادات من الصلاة والصيام.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: إن نفعه راجع إلى الغير من غير أن يؤدي فرض نفسه فجاز أخذ الأجرة عليه قياسًا على كتابة القرآن وعمارة المساجد.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلا نسلم قولكم أنه يؤدي غير فرض نفسه بل هو مؤدٍ فرضًا عن نفسه لكونه واجبًا على الكفاية كما سنوضحه، فإذا قام به فقد أدَّا فرضًا عن نفسه.

وأما ثانيًا: فلأن المعنى في الأصل أنه ليس بقربة محضة لأنه يصلح ممن ليس من أهل القرب كالذمي والحربي ويصح وقوعه على وجه لا تتعلق به القربة وليس كذلك الأذان فإنه قربة محضة فصار كالصلاة والصيام.

الفرع الرابع: وإذا أقام المؤذن فأي وقت يفتتح الإمام الصلاة؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه يفتتحها عند فراغ المؤذن من الإقامة وهذا هو رأي الهادي في (المنتخب) ( [24] ) ، ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف.

والحجة على ذلك: ما روى أبو داؤد في سننه أن بلالًا أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة. قال الرسول: (( أقامها اللّه وأدامها سوّوا صفوفكم \s"\c 2 ) ) ( [25] ) فدل هذا على أن الرسول لم يفتتح الصلاة إلا بعد الفراغ من الإقامة."

المذهب الثاني: أن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة، قام الإمام والمسلمون، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإمام والمسلمون بعده، وهذا هو الذي ذكره الهادي في (الأحكام) ( [26] ) ومحكي عن زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى وأبي حنيفة ومحمد.

والحجة على هذا: هو أن قول المؤذن: حي على الصلاة، دعاء إلى الصلاة وتصديقه: التأهب للصلاة بالقيام إليها والإشتغال بفعلها، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، فتصديقه: الدخول فيها والشروع في أولها بالإحرام بتكبيرة الإفتتاح ليكون ذلك تصديقًا للحال.

والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام وهو رأي زيد بن علي والباقر وغيرهم.

والحجة على ذلك: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، ولم يقم الإمام والمسلمون إلا بعد الفراغ من الإقامة لا يطابق قول المؤذن: قد قامت الصلاة.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

قالوا: إن بلالًا لما أخذ في الإقامة قال الرسول: (( أقامها اللّه ..إلى آخر الحديث ) )، فدل على أن قيامه إلى الصلاة كان بعد الإقامة.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فإنا لا ننكر الجواز في الإفتتاح بعد الفراغ من الإقامة وقبلها ولكن كلامنا في الأفضل.

وأما ثانيًا: فلأن الدعاء في حال الإقامة وأمرهم بتسويه الصفوف إنما هي حالة عارضة، فلعله رأى في بعض الصفوف ميلًا وازورارًا واضطرابًا فأمرهم بتسويتها وسد الخلل فيها فهذه حالة عارضة والأصل هو ما ذكرناه.

الفرع الخامس: هل الأذان أفضل أو الإمامة؟ فيه أقوال أربعة:

فالقول الأول: أن الأذان أفضل من الإمامة لقوله: (( الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين \s"\c 2 ) )والأمين أحسن حالًا من الضمين. ومن وجه آخر، وهو أنه دعا للأئمة بالرشد وللمؤذنين بالمغفرة. والغفران أفضل من الرشد من جهة أن الرشد تحصيل الألطاف في تحصيل الطاعات والتكاليف، والمغفرة يكون بها استحقاق الجنة."

ومعنى قوله: المؤذنون أمناء، فوصفهم بالأمانة، فيه احتمالات أربعة:

الاحتمال الأول: أنهم أمناء على الأوقات فلا يؤذنون إلا بعد دخول الوقت ولا يؤذنون قبله لما فيه من الغرر والخيانة.

الاحتمال الثاني: أنهم يؤذنون على المنازل والأمكنة العالية فيكونون أمناء على الإطلاع على المحارم وعلى عورات المسلمين في بيوتهم.

الاحتمال الثالث: أنهم أمناء في تبرعهم بالقيام بالأذان من دون غيرهم.

الاحتمال الرابع: وإذا كانوا أمناء فإنه يسقط عنهم بالأذان فرض الكفايه.

وأما الأئمة فهم ضمناء إذا قاموا بفروض الصلاة وواجباتها؛ لأنهم يتحملون سهو المأمومين إذا وقع عليهم ويتحملون القراءة والقيام إذا أدركهم المأمومون في الركوع.

القول الثاني: أن الإمامة أفضل من الأذان لأن الرسول والخلفاء الراشدين والأئمة السابقين والمقتصدين، كانوا أئمة في الصلاة ولم يكونوا مؤذنين، وفي هذا دلالة على فضل الإمامة ولهذا اختصوا بها.

القول الثالث: أنهما سواء في الفضل لأن الأئمة والمؤذنين قد خص الشرع كل واحد منهما بفضيلة ودرجة في الفضل ومنزلة في الثواب والأجر.

القول الرابع: أن الإمام إذا كان يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة في الصلاة وما يتوجه عليه فيها فالإمامة أفضل، و إن كان يعلم من نفسه أنه لا يقوم بما يتوجه عليه من حقوقها ولوازمها فالأذان أفضل؛ لأنه أقل خطرًا وأسهل حالًا في التكليف. فهذه الأقاويل كلها كما ترى في أيهما الأفضل؟ ولم أعلم لأئمة العترة في هذه المسألة قولًا في ترجيح أحدهما على الآخر.

والمختار: أن الإمامة أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: (( الإمام وافد فقدموا أفضلكم \s"\c 2 ) ) ( [27] ) . وما روي عن النبي أنه قال: (( كن إمام قومك تدخل الجنة \s"\c 2 ) ) ( [28] ) . وقوله: (( أول ما تفاض الرحمة على الإمام ثم على من يليه \s"\c 2 ثم على الصف الأيمن ثم على الصف الأيسر ثم على سائر الصفوف ) ) ( [29] ) فهذه الأخبار كلها دالة على فضل الإمامة على الأذان."

الفرع السادس: ومن جمع بين الصلاتين ممن يجوز له الجمع بينهما نظرت، فإن جمع بينهما في أول وقت الأولى منهما فإنه يؤذن للأولى ويقيم لأنها مؤداة في وقتها ثم يقيم للثانية من غير أذان، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ويجب تقديم الأولى على الثانية.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين الظهر والعصر في عرفة.

وإن جمع بينهما في وقت الثانية فإنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين كما في الأولى عند أئمة العترة.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة في أول وقت الثانية بأذان واحد وإقامتين.

وحكي عن الشافعي: أنه لا يؤذن للثانية قولًا واحدًا، فأما الأولى ففيها قولان.

وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يؤذن للعشاء الآخرة ولا يقيم في مزدلفة.

الفرع السابع: ذهب أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية ومالك إلى أنه ليس على النساء أذان للرجال ولا إقامة لهم ( [30] ) .

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: (( ليس على النساء جمعة ولا جماعة \s"\c 2 ولا أذان ولا إقامة ) ) ( [31] ) ."

الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن علي % عن رسول أنه قال: (( ليس على النساء أذان ولا إقامة \s"\c 2 ) ) ( [32] ) ."

الحجة الثالثة: هو أن الأذان والإقامة أمور شرعية مستندها صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه وهي مفوضة إلى رأيه وموكولة إلى أمره ولم يثبت أنه أمرهن بذلك، وفي هذا دلالة على عدم الوجوب.

وهل يؤذنَّ لأنفسهن أو يقمن؟ فيه أقوال ثلاثة:

القول الأول: أنه ليس لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم، وهذا هو رأي الشافعي ذكره في (الأم) واختير لمذهبه.

القول الثاني: يحكى عن المروزي من أصحاب الشافعي: أنه يكره لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم لنفسها استحبابًا.

القول الثالث: أن الأذان غير مسنون في حق المرأة سواء صلت بانفرادها أو كن جماعات، فإن أذنت كان ذكرًا. وهذا هو المحكي عن ابن الصباغ صاحب (الشامل) .

والمختار: جواز الأذان والإقامة للنساء في أنفسهن في خفية.

والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن النبي أنه قال: (( ليس على النساء أذان فإن أذن كان ذكرًا \s"\c 2 ) ) ( [33] ) . وإذا جاز الأذان جازت الإقامة في حقهن لأنها أولى وأحق."

الحجة الثانية: هو أن الأذان والإقامة مشروعان في حق المصلين والنساء من جملة أهل الصلاة فلهذا استحب لهن الأذان والإقامة.

الحجة الثالثة: هو أن المحذور من ذلك إنما هو رفع الصوت خوفًا من الإفتتان بسماع أصواتهن، فإذا أذن وأقمن في أنفسهن فلا يكره ذلك لأنه ذكر لله تعالى سواء كن منفردات أو جماعات.

الفرع الثامن: إذا أذن لصلاة المغرب فما المستحب له؟ فيه ثلاثة أقوال:

أولها: أنه يبقى قائمًا حتى يقيم ولا يقعد، وهذا هو رأي أبي حنيفة.

وثانيها: أنه يقف مقدار ثلاث آيات ثم يقيم، وهذه أيضًا رواية عن أبي حنيفة.

وثالثها: أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقيم، وهذا هو قول أبي يوسف ومحمد.

والمختار: ما قاله أبو حنيفة أولًا.

والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( لن تزال أمتي بخير مالم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم \s"\c 2 ) )وفي حديث آخر: (( لن تزال أمتي على الفطرة مالم يؤخروا صلاة المغرب \s"\c 2 ) ) ( [34] ) .

ويستحب أن يكون المؤذن غير الإمام وعلى هذا جرت عادة السلف الصالح من الصدر الأول إلى يومنا هذا، ويحكى عن عمر أنه قال: لولا الخِلِّيفى ( [35] ) لكنت مؤذنًا. فهذا يؤيد ما ذكرناه.

ويستحب أن لا يصلي المصلي منفردًا أو بجماعة إلا بأذان وإقامة.

قال القاسم بن إبراهيم: ومن نسي الأذن حتى دخل في صلاته مضى في صلاته ولا نقص عليه. ولا يعرف في هذا خلاف لأن الأذان فرض من فروض الكفايات كما سنوضحه فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فمن تركه من آحاد الناس أجزته صلاته وكان مسيئًا لترك السنة.

وسئل الإمام أبو طالب عمن ترك الأذان هل تبطل صلاته إن كان في قرية يعلم أنه لم يؤذن فيها؟ فقال: لا تبطل لأن الأذان ليس من شروط الصلاة. قال: ويحتمل أنها تبطل لأنه ترك الذكر المفروض المفعول للصلاة متقدمًا عليها في وقتها فمنع من صحتها كالخطبة في صلاة الجمعة.

وجوابه الأول هو الصحيح المعمول عليه؛ لأن المعنى في الأصل: أن الخطبتين بدلًا عن ركعتي الظهر بخلاف الأذان فافترقا. فهذه الفروع الثمانية نشأت من ابتداء الأذان ولم تدخل في الفصول الخاصة كصفة الأذان وصفة المؤذنين فلا جرم أفردناها بالذكر لما كانت غير مندرجة فيما يأتي مما نريد ذكره وبالله التوفيق.

( [1] ) ورد الخبر بألفاظ مختلفة ومن طرق عدة، واختلاف في ابتداء الأذان وأين تم وكيف شُرع، والذي أورده المؤلف تسنده روايات بأن ابتداءه كان ليلة الإسراء والمعراج كما جاء في أمالي أحمد بن عيسى وفي الأحكام للهادي وفي صحيفة علي بن موسى الرضى، وفي مجمع الزوائد عن علي %: لما أراد الله أن يعلم رسول الله الأذان أتاه جبريل % بدابة... وساق الحديث بطوله حتى قال: فقال الملَك: الله أكبر الله أكبر... إلخ، وقال (يعني في مجمع الزوائد) : رواه البزار وفيه عن عمر: أن النبي لما أسري به إلى السماء (هكذا) أوحي إليه بالأذان فنزل به فعلمه جبريل (لعل الصواب فعلمه جبريل فنزل به) قال: رواه الطبراني في الأوسط، وكذا ما رواه الأمير الحسين في الشفاء بسنده عن علي إلى آخره.

قال الإمام القاسم بن محمد: قال الهادي: والأذان من أصول الدين، وأصول الدين لا يتعلمها رسول الله على لسان بشر من العالمين، ا ه‍، اعتصام، باب الأذان ج1/ ص 276، وهذه الروايات تسند ما أورده المؤلف وتنكر ما روي أن الأذان شُرع برؤيا في المنام رآها عبد الله بن زيدٍ بن عبد ربه قال: لما أجمع رسول الله أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى، طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، حتى انتهى في سياق الرواية إلى قوله: فلما أصبحت أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت، فقال رسول الله: (( هذه الرؤيا حق إن شاء الله ) )ثم أمر بالتأذين... إلى آخره في حديث طويل، أورده في فتح الغفار، وقال: رواه أحمد وأبو داؤد من حديثه. ا ه‍ ج1/ ص 123.

( [2] ) أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري، أكبر ولد أنس، قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد الله، روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي في رؤية الهلال وفي الأذان، وعنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في (الثقات) . وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به، اه‍. المصدر السابق 12/206.

( [3] ) تقدم في الحديث السالف من رواية عبد الله بن زيد، وفي آخره: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله: (( فلله الحمد ) )وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبخاري، المصدر السالف.

فائدة: ومن ا لمفيد في هذا الباب تلخيص بعض التعليقات والفوائد الواردة حوله، ومنها: ما أورده في الجواهر بعد قول عمر: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى...إلخ، قال ابن بهران: وقد أخرج الستة إلا الموطأ حديثًا في الأذان ليس فيه ذكر المنام المذكور إلى آخر ما أورده من روايات متقاربة عن أنس وعن ابن عمر وغيرهما، قال: (فائدة) قد استشكل كثير من أصحابنا وغيرهم حديث رؤيا الأذان والعمل به، قالوا: لأن الأذان شرع، والشرع لا يبنى على الرؤيا، ثم أورد ابن بهران ما جاء في (الشفاء) من كلام الهادي السابق ذكره حتى انتهى إلى قوله (ابن بهران) . قلت: وقد أشار النووي في شرح مسلم إلى الجواب عن ذلك حيث قال: ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان فشرعه النبي بعد ذلك إما بوحي وإما بإجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس هو عملًا بمجرد المنام، هذا ما لا شك فيه بلا اختلاف، واسترسل مؤلف الجواهر إلى ذكر (فائدة أخرى) جاء فيها ما لفظه: قال الترمذي: لا يصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه عن النبي شيء غير حديث الأذان، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصم...يعني: راوي حديث الوضوء كما تقدم، فله أحاديث كثيرة في الصحيحين، وهو عم عبادة بن تميم، ا ه‍.

ونقل عن التلخيص قول الترمذي: لانعرف لعبد الله بن زيد شيئًا يصح إلا حديث الأذان، وكذا قال البخاري قال: وفيه نظر فإن له عند النسائي وغيره حديثًا غير هذا في الصدقة، وعند احمد آخر في قسمة النبي شعره وأظفاره وإعطائه لمن لم يحصل له أضحية. ا ه‍، بتصرف ج1 ص 181.

( [4] ) المقصود بضمير المثنى، عمر وعبد الله بن زيد.

( [5] ) رواه الترمذي وأبو داؤد، وقال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، المصدر السالف.

( [6] ) هذا جزء من الحديث السالف عن بلال، أخرجه أبو داؤد بلفظ: (( حتى يتبين لك الفجر ) ).

( [7] ) متفق عليه كما جاء في فتح الغفار، قال: ولأحمد والبخاري (( فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) )ولمسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ا ه‍ 1/126 وفيه رواية عن عائشة أخرجه البخاري ومسلم والموطأ.

( [8] ) قال في (تهذيب الأسماء) 1/195: صحابي مذكور في باب الأذان منسوب إلى صُداء بضم الصاد المهملة، قدم على النبي وأذن له في سفره في صلاة الصبح لغيبة بلال، وحديثه في سنن أبي داؤد، قالوا: وبعثه النبي إلى قومه ليسلموا فأسلموا، ا ه‍، وولاه رسول الله على قومه.

( [9] ) جاء الحديث في (الجواهر) بلفظ: عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أمرني رسول الله أن أؤذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله: (( إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم ) )هذه رواية الترمذي، ثم أورد في الجواهر رواية لأبي داؤد تضارع ما أورده المؤلف حتى انتهى إلى قوله: ... حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم الصلاة فقال له: ... إلخ، ا ه‍ 1//184. وفي (فتح الغفار) في باب: من أذن فهو يقيم: عن زياد نفسه قال: قال رسول الله: (( من أذن فهو يقيم ) )رواه الخمسة إلا النسائي وضعفه أبو داؤد، وله شواهد أضعف منه، وقال في الخلاصة: إن ما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف، وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي. ا ه‍ 1/128.

( [10] ) كتاب (العدة) .

( [11] ) لم يحدد المؤلف نسبًا أو لقبًا له، ولكن موضوع الحديث رجح أن المقصود هو سنان بن سنَّة (بفتح المهملة وتشديد النون) الأسلمي المدني، له صحبة، روى عن النبي ، وعنه: حكيم بن أبي حرة، ويحيى بن هند الأسلمي، وروى له ابن ماجة حديثًا واحدًا (( الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر ) )قيل: توفي سنة 32ه‍. ا ه‍ 4/213 (التهذيب) . لم يرد في ترجمته شيء عن الأذان، ولا في تراجم ابن حجر لمن اسمه سنان، ومن ثم فلعل هذا هو المقصود، والله أعلم.

( [12] ) أورده في الجواهر بزيادة: فقال -يعني رسول الله: (( هلموا إلى الغداء المبارك...إلخ ) )اه‍ 1/185، وفي الحديث السالف كما أورده المؤلف زيادة: (( .. وقدمه على أذانه في الليل ) )ولم يظهر في المصار ما إذا كانت من الحديث أم من كلام المؤلف إلا أنه يسند الأول ما أورده ابن بهران عقب الحديث السالف في رواية عن علي % أنه قال: من أذن قبل الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد، ويظهر أن هذا موقوفًا على الإمام علي، والمؤلف يعتبر ما جاء موقوفًا عن علي مأخوذًا من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وآله.

( [13] ) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله ، ورورى عن جملة من الصحابة منهم: علي وعمر وعثمان وسعد وحذيفة وأبو الدرداء وعائشة وغيرهم، وعنه: ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي وغيرهم، اشتهر بالفقه والرواية، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، كما وثقه ابن معين، وكان الناس بالكوفة يأتون إليه ويستفتونه، توفي سنة 62 ه‍، وقيل: غير ذلك. ا ه‍.

( [14] ) هاده الشيء هيدًا وهادًا: أفزعه وكربه، ا ه‍ لسان 3-440.

( [15] ) يقصد: فيجوز.

( [16] ) رواه احمد ومسلم وابن ماجة بلفظه عن معاوية كما في فتح الغفار 1/121.

( [17] ) والعُنُق: الجماعة الكثيرة من الناس. ا ه‍ لسان 10/273.

( [18] ) ليست واضحة في الأصل لعدم عجمها، ولعلها أقرب إلى ان تكون (الخانكات) ، وهي ربما باللغة التركية ما يعني مباني النزل للمسافرين كما كانت تسمى في اليمن بـ (السماسر) جمع (سمسرة) وتسمى أيضًا بـ (الخان) مفردة، ولم نجد لكلمة الخانكات أصلًا في معاجم اللغة، نظرًا لكونها غير عربية، ولم تدخل ضمن المفردات المعربة. والله أعلم.

( [19] ) والكراع من الدواب وهو من ذوات الحوافر ما دون الرسغ وقد يستعمل للإبل. ا ه‍ لسان 8/306.

( [20] ) سيأتي في موضعه، وهو عن أبي هريرة بلفظ: إن رسول الله كان يقول: (( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا أو كلًا أو ضياعًا فإلي وعلي، ومن ترك مالًا فلورثته ) )هذا طرف من حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وفي معناه أحاديث أخر. ا ه‍ جواهر 1/186.

( [21] ) في فتح الغفار بلفظ: عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إلي رسول الله أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، رواه الخمسة وصححه الحاكم وحسنه الترمذي، وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي قال لعثمان بن أبي العاص: (( واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا ) )ثم عقب الرباعي على الحديث بقوله: وأما ما أخرجه ابن حبان عن أبي محذورة أنه قال: ألقى علي رسول الله الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها شيء من فضة، فذلك من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام، وأيضًا حديث عثمان متأخر عن قصة أبي محذورة. اه‍ 1/129. وقد ورد الحديث في مصادر عدة.

( [22] ) أورده في (الشفاء) ولم نعثر على مصادر لتخريجه، وربما كان حديث عثمان بن أبي العاص السالف بزيادة فيه و بلفظ آخر.

( [23] ) جاء الحديث في (الروض النضير) ، شرح مجموع الإمام زيد باختلاف في اللفظ إذ جاء بلفظ: أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، والله لإني أحبك في الله، قال: ولكني أبغضك في الله، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: لأنك تتغنى بأذانك وتأخذ على تعليم القرآن أجرًا، وقد سمعت رسول الله يقول: (( من أخذ على تعليم القرآن أجرًا كان حظه يوم القيامة ) ).

قال في (الروض) ما ملخصه: أن الإمام المهدي في (البحر) قال: وندب التطريب، وقال الإمام زيد بن علي وأحمد بن عيسى والنخعي وعمر بن عبد العزيز: يكره. لنا: (زينوا القرآن بأصواتكم) ونحوه. (لأن حديث زينوا.. لم يصح لديهم كما يبدو) ا ه‍ 1/554، ونسب السياغي إلى الإمام يحيى قول: وإذا جاز التطريب في القرآن جاز في الأذان.

فائدة: وكما سلف من حديث علي عن النهي عن التغني بالأذان وردت أخبار وآراء لعدد من الصحابة والتابعين سواء ما كان مرفوعًا أو موقوفًا أو اجتهادًا تخالف الحديث السابق منها: (( زينوا القرآن بأصواتكم ) (( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) )هذا الإختلاف محمول على أن المذموم من التغني أو التطريب هو إخراج الأذان إلى صفة الألحان المعروفة عند أهل اللهو، وكراهته معلومة، بل لا يبعد القول بتحريمه وعدم إجزائه. ا ه‍، المصدر السابق ملخصًا.

( [24] ) (المنتخب) أحد كتب الهادي، وهو وكتاب (الفنون) كلاهما في الفقه مؤلف من إجابات الإمام الهادي على أسئلة القاضي العلامة محمد بن سليمان الكوفي. وقد طبع الكتابان في مجلد واحد في 1414ه‍/1993. عن (دار الحكمة اليمانية) تحقيق الباحث محمد يحيى سالم عزان.

( [25] ) روى الحديث أبو داؤد بلفظه عن أبي أمامة أو بعض أصحاب رسول الله ، ا ه‍ جواهر 1/198، وجملة: أو بعض أصحاب رسول الله يبدو أنها ضمن رواية أبي داؤد إذ لم يعلق عليها مؤلف الجواهر ويؤيد ما سلف أن هذه الجملة وردت ضمن رواية أبي داؤد في مسندات منها: فتح الغفار. وزاد فيها: رواه أبو داؤد بإسناد فيه شهر بن حوشب، تكلم فيه غير واحد، ووثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل. ا ه‍ 1/127.

( [26] ) أشهر وأكبر مؤلفات الإمام الهادي، وعنوانه الكامل: (كتاب الأحكام في الحلال والحرام) في الفقه، جمعه ورتبه أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي حريصة، مطبوع في مجلدين طبعة أولى في العام 1410ه‍/1990م، تولى طبعه وتحقيقه الباحث محمد بن قاسم الهاشمي.

( [27] ) هو في مسند الحارث 1/265.

( [28] ) هو في مصنف ابن أبي شيبة 1/332.

( [29] ) سيأتي موضعه في صلاة الجماعة.

( [30] ) ولا لأنفسهن، كما سيأتي.

( [31] ) ذكره ابن بهران في رواية عن ابن عباس بزيادة: (( ...فإن أذنَّ كان ذِكْرًا ) )وفي الروض النضير ما رواه الإمام زيد بن علي عن علي % قال: (( ليس على النساء أذان ولا إقامة ) ).

قال: ويشهد له ما ذكره في (التلخيص) من حديث ابن عمر: ليس على النساء أذان، رواه البيهقي من حديثه موقوفًا بسند صحيح، وزاد: ...ولا إقامة.

قال ابن الجوزي: لا يُعرف مرفوعًا، ورواه ابن عدي والبيهقي من حديث أسماء مرفوعًا، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو ضعيف جدًا، ا ه‍. واستطرد السياغي -رحمه الله- إلى أن أورد ما جاء في التلخيص من حديث عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه الحاكم والبيهقي، وزاد: وتؤم النساء وتقوم وسطهن، ا ه‍، وزاد في الروض في الباب نفسه: بأن الحديث يدل على نفي وجوب الأذان والإقامة على النساء.

قال الإمام عز الدين: ولا خلاف في ذلك؛ لأنهما من الأمور الشرعية، ولم يثبت أنه أمرهن بذلك، وظاهر كلام الهادوية: تحريمه؛ لأنه يجب عليها خفض صوتها ولذلك نمنعها من الأذان والإقامة في جميع أحوالها، كما جاء في الروض من كلام القاسم، وزاد: قال القاضي زيد: و إليه ذهب الناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي.

قال الصعيتري: وتوقف أبو طالب في استحباب الأذان والإقامة للنساء...إلخ 1/553.

( [32] ) سبق في الحديث السالف.

( [33] ) سبق آنفًا.

( [34] ) تقدم في الأوقات.

( [35] ) في حاشية الأصل ما لفظه: الخِلِّيفى: الخلافة، وكلام عمر لو أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت، ا ه‍. وفي لسان العرب: والخلافة الإمارة وهي الخِلِّيفى، وإنه لخليفة بيِّن الخلافة والخليفى، وفي حديث عمر: لولا الخليفى لأذنت، ا ه‍ لسان 9/83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت