فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 129

المرتبة الثانية: في المستحاضة المعتادة

وصفتها أن يثبت لها حيض صحيح ثم عبر الدم على عادتها وعلى العشر، وحكمها أنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم على عادتها إذا كانت عادتها دون العشر لجواز أن ينقطع للعشر فإذا جاوز الدم العشر علمنا أنها مستحاضة فتغتسل عند ذلك وتقضي ما زاد على أيام عادتها، وأما الشهر الثاني فتغتسل عند مجاوزة الدم أيام عادتها ويكون حيضها أيام عادتها، والأصل في هذه ما روي أن أمراة كانت تهراق الدماء على عهد رسول اللّه فاستفتت لها أم سلمة الرسول فقال: (( لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل وتستثفر بثوب تصلي ) ).

واعلم أن هذه المستحاضة قد اشتملت على أحكام نفصلها بمعونة اللّه وجملتها عشرة:

الحكم الأول: أنه أمرها بالرجوع إلى عادتها وجعلها أصلًا للفصل بين الحيض والاستحاضة وهي أمارة قوية في حقها عند اختلاط الحيض بالاستحاضة فلهذا قال: (( لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ما أصابها ) )فردها إليها لأنها أقرب أمارة في حقها.

الحكم الثاني: أنه أمرها بترك الصلاة في هذه الأيام والليالي لما كانت حيضًا في حقها والحيض قاطع لسائر العبادات وهكذا حال الصوم أيضًا مثلها، ودخول المسجد وقراءة القرآن.

الحكم الثالث: قوله: (( فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ) ). أراد فإذا خرجت عن أيام العادة مع إتصال الدم وعبوره على العشر فلتغتسل لأن الحيض قد انقضت أيامه، فالواجب عليها الغسل والتطهر للصلاة والصوم والوطء وسائر العبادات لأن الحيض مانع من هذه وبعد الغسل صار الحيض مرتفعًا.

الحكم الرابع:أنه ندبها إلى الإستثفار وهو ثوب يجعل من تحت الفرج يقي [من] الدم عن التلوث به مأخوذ من ثفر الدابة وهو حبل يجعل من تحت الذيل.

الحكم الخامس: أنه قد مر أن العادة تثبت بقرئين وقد دللنا عليه وحكينا فيه الخلاف ونصرناه وهو الأصح من قولي الشافعي، وحكي عنه قول آخر، أنه يثبت بقرء واحد واحتج بما روي عن النبي أنه قال: (( لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها ) ) ( [1] ) .

فأمرها بالرجوع إلى عادتها ولم يفصل بين الحيض مرة أو مرتين.

والجواب أن العادة مأخوذة من العود والتكرر وذلك لا يستعمل في أقل من مرتين وهي عادة معروفة ولهذا لم يسألها لظهور الحال فيها فإذا رأت الدم في خمسة أيام من شهر مرتين ثم استحيضت في الشهر الثالث فإنها ترد إلى الخمس لا محالة، وإن رأت الدم خمسة أيام مرة، وأربعة أيام مرة، كانت عادتها أربعة أيام؛ لأن الأربع قد تكررت مرتين مرة وقفت عليها ومرة جاوزتها إلى الخمسة فصارت العادة لها أربعة أيام.

الحكم السادس: في المستحاضة الذاكرة لوقتها وعددها ثم عبر الدم على عادتها وعلى العشر فإنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم عادتها إذا كانت عادتها دون العشر لجواز أن ينقطع الدم للعشر، فإذا جاوز الدم العشر وعبرها علمنا أنها مستحاضة فتغتسل عند ذلك وتقضي صلاة ما زاد على أيام عادتها، وفي الشهر الثاني تغتسل عند مجاوزة الدم أيام عادتها ويكون حيضها أيام عادتها.

الحكم السابع: وكما ثبتت العادة في ذات العادة والمبتدأة بانقطاع [الدم] فإنها تثبت بالتمييز بين الدمين فإن كانت عادتها أن ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعًا أو خمسًا من أول الشهر وهو الأسود وترى باقي الشهر الدم الأحمر ويستمر ذلك شهورًا كثيرة فلما كان في بعض الشهور رأت دمًا واستبهم عليها أمره في السواد والحمرة وعبر العشر فإنه يجعل حيضًا أيام السواد.

ووجهه أنا قد أوضحنا من قبل أن الدم الأسود أقوى في كونه أمارة للحيض من الوقت والعدد لما له من مزية القوة والإختصاص.

الحكم الثامن: وإن كان هاهنا امرأة معتادة مميزة بين الدمين وكانت عادتها أن تحيض خمسة أيام من أول الشهر فلما كان في بعض الشهور رأت من أول الشهر عشرة أيام دمًا أسود ثم احْمَرَّ الدم إلى آخر الشهر فهل ترجع إلى عادتها وهي الخمسة الأيام؟ فيه وجهان:

أحدهما: أن الرجوع إلى عادتها أحق فيكون حيضها الخمس الأولى لأنها قد ثبت أنها عادتها فلا تنتقل عنها إلا بحيض صحيح.

وثانيهما: وهو الأقوى، أن التمييز بين الدمين، فيكون حيضها هاهنا العشرة الأولى من جهة أن التمييز كما أشرنا إليه علامة قائمة في شهر الاستحاضة، فلا جرم كان الرد إليها هو الأولى من رده إلى عادة قد نقضت.

الحكم التاسع: هو أن ذات العادة إذا رأت الدم في أيام عادتها كان الدم حيضًا فإن استقر الدم على العشر فهو حيض كله وإن عبر الدم على العشر واتصل بالحادي عشر فما فوقه، فهل ما زاد على عادتها كله استحاضة أو يكون الإعتماد على صفة الدم؟ فيه مذهبان:

أحدهما:أن الزائد على عادتها يكون استحاضة وهذا هو رأي القاسمية.

والحجة على هذا:هو أن التعويل على العادة أمارة قوية في كون الدم حيضًا وقد وقع الدم في أيام العادة فلهذا قضينا بكونه حيضًا، وما زاد عليه يكون استحاضة لخروجه عن العادة واتصاله بالاستحاضة.

وثانيهما: أن التعويل في ذلك على صفة الدم ولونه الأسود فإذا أتى في أيام العادة فهو حيض وما زاد عليه فهو استحاضة، وهذا هو رأي الناصر في أحد قوليه.

والحجة على هذا: هو أن اتصاف الدم بالسواد أمارة قوية يعول عليها في كون الدم حيضًا، فإذا كان الدم خارجًا عن ( [2] )

صفة السواد حكمنا عليه بكونه استحاضة، وهذا يخالف المبتدأة فإن المبتدأة إذا رأت الدم في العشر فما دونها فهو حيض فإذا عبر الدم على العشر فهل يكون الزائد على العشر استحاضة وحده أو يكون الدم كله استحاضة؟ فيه مذهبان:

أحدهما: أن الدم إذا جاوز العشر في المبتدأة فهو حيض كله وهذا هو رأي المؤيد بالله وأحد قولي الناصر.

والحجة على هذا: هو أن المبتدأة ليست لها عادة فترجع إليها في نفسها فلهذا قضينا بأن الدم كله استحاضة.

وثانيهما: أن الزائد على العشر يكون استحاضة لا غير، وهذا هو رأي الإمام أبي طالب.

والحجة على هذا: هو أن الحيض واقع في زمان الإمكان وهو العشر فيصير بمنزلة العادة، إذا عبر على العشر كان الزائد استحاضة كما في ذات لعادة.

والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله لأنا إنما نعول في كون العشر حيضًا لو لم تتصل بها الاستحاضة فأما مع اتصال الحيض بالاستحاضة لم يتخصص بعضه من بعض فيكون بعضه حيضًا وبعضه استحاضة، فلهذا كان الكل ستحاضة.

الحكم العاشر: في المعتادة التي نسيت عادتها وقتًا وعددًا وهي المتحيرة التي خفي عليها جميع معاني حيضها وطهرها وأطبق عليها الدم فلا تعرف الإبتداء ولا الإنتهاء، وصورة وجود ذلك أن يصيبها الجنون سنين كثيرة ثم أفاقت من جنونها وقد استحيضت فلا تذكر وقتًا ولا عددًا ثم يستوضح أمرها بأن يقال لها: هل تذكرين ابتداء حيضك؟ فإن ذكرته كان ابتداء حيضها من ذلك الوقت. وإن قالت: لا أذكره. قيل لها: فهل تذكرين وقتًا كنت فيه طاهرة؟ فإن ذكرته جعل ابتداء حيضها من ذلك الوقت. وإن قالت: لا أذكره، فالمختار عندنا: فيمن بلغت حالها إلى هذه الحالة واستبهم أمرها هذا الإستبهام أن يرجع بها إلى أصلين:

الأصل الأول: أن يكون حالها كحال الطاهرات في إيجاب العبادات من الصلاة والصوم ويحرم عليها ما يحرم على الحائضات وتؤمر بالإحتياط والأخذ بأسوأ الأحوال في أمور سبعة:

أولها: أنها لا تدخل المسجد ولا تقرأ القرآن ولا تصلي صلاة نافلة.

وثانيها: أنها إذا طلقت فعدتها تكون بثلاثة أشهر ولا تقدر [بالحيض] لتباعد حيضها وتعذره إلى سن اليأس أخذًا بأسوأ الاحتمالات، فإن ما هذا حاله فيه حرج عظيم وتشديد كثير في حقها وإضرار بها في ذهاب شبابها وزوال غضارتها بالتربص إلى ستين سنة في انقضاء عدتها.

وثالثها: أنها تؤدي الصلوات المكتوبات لإحتمال الطهر في أول أوقاتها ولا تقرأ القرآن إلا في الصلوات المفروضة.

ورابعها: أنها تغتسل لكل صلاة لإحتمال انقطاع الدم ولا تغتسل لكل صلاة إلا بعد دخول وقتها.

وخامسها: أنها يجب عليها صوم رمضان جميعه لإحتمال دوام الطهر.

وسادسها: أنه لا يلزمها قضاء الصلاة والصوم لأنها إن كانت طاهرة وقت الصلاة والصوم فقد صحت صلاتها وإن كانت حائضًا فلا صلاة على حائض.

وسابعها: أنها لا يأتيها زوجها لإحتمال الحيض. فهذه الوظائف السبع يحب عليها الأخذ بها والعمل عليها.

الأصل الثاني: أنها ترد إلى المبتدأة في العمل على الطهر والحيض بالرجوع إلى عادة نسائها والأخذ بأكثرهن عادة وتعمل [بذلك] في وظائف العبادات من الصلاة والصوم، وإن كانت تميز بين الدمين عملت على التمييز عند اتصال الاستحاضة والتباسها، فهذان الأصلان يمكن الرجوع إليهما فيمن هذه حالها من النساء، لكن التعويل على الأصل الأول أعجب وأقرب، لأن المبتدأة قد عرف حالها من ابتداء الحيض وهذه لم يعرف حالها في الإبتداء ولا في الإنتهاء فلهذا كان التعويل على ما ذكرناه في حالها من مراعاة الأمور السبعة والله اعلم بالصواب.

وللعلماء الخائضين في تفاصيل الفقه تردد في أحكام حيضها وطهرها وأمرها بالصلاة والصوم والقضاء، وأمرها بالقضاء فيما يتحقق من طهرها على حد ما يغلب على الظن من الطهر والحيض في كل حالاتها، ولنقتصر على هذا القدر في المعتادة.

( [1] ) تقدم.

( [2] ) في الأصل: على.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت