فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 129

اعلم أنه لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة الجمعة لأن الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، وإنما الخلاف في الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما سنوضح القول فيه.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر الله تعالى وبأمور المسلمين، هل يكون شرطًا في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة:9] . ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من معرفة صفتها وشروطها، وبيانها موكول إلى الرسول÷ لأن الشرع مأخوذ منه، وقد تقرر أنه÷ لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه واليًا من جهته.

الحجة الثانية: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: (( أربعة إلى الولاة الجمعة والحدود والفيء والصدقات ) ) ( [1] ) .

أراد بالولاة: من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم والفيء والصدقات.

الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطًا في إقامتها كإقامة الحدود.

المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطًا في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز إقامتها خلف من يكون إمامًا في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي.

والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطًا.

الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطًا في إنعقادها كالصلوات المكتوبة.

المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلامًا يخصه على إثر هذا بمعونة الله.

والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة فإنها لا تنعقد من دونه.

وحجتهم: ما ذكرناه.

ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: (( إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافًا بحقها وحجودًا لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب الله عليه ) ).

الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسول÷ أنه أقامها في أيامه وهكذا حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطًا في وجوبها.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسول÷ وأن إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا أقامها على هذه النية.

وأما ثانيًا: فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه عند الله تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط ( [2] )

لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحدَّه عثمان فأراد أمير المؤمنين أن يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حدِّه يتولى حارها من تولى قارها، يشير بذلك إلى أن عثمان أحق بحدِّه لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير المؤمنين: ما كان ليضيع حدٌ من حدود الله وأنا على الدنيا فحدَّه حد الشارب والحسن يعد الجلدات حتى أتمها.

قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطًا في إنعقادها كالصلوات الخمس.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة، ونحن وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد.

وأما ثانيًا: فلأن الرسول÷ نزلها منزلة الحدود بقوله: (( أربعة إلى الولاة ) ). وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات في إشتراط الإمام فيها.

قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى قال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9] . ولم يذكر اشتراط الإمام.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسول÷، وقد أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إمامًا بنفسه، وقد ظهر ذلك في فعله، وأما قوله فقد بينها بقوله: (( فمن تركها وله إمام عادل أو جائر ) ). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته.

وأما ثانيًا: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفًا عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط الإمام في الجمعة، وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسول÷ في أقواله وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك.

الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطًا في صحة صلاة الجمعة، فهل يعتبر كونه عدلًا أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة.

والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود:113] .

ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي كونه ضامنًا للصلاة كما هو جارٍ في حق أهل العدالة من الآئمة.

الحجة الثانية: قوله÷: (( لا يؤمكم ذو جرأة في دينه ) ). ولا جرأة أعظم من ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع الجور والفساد.

المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.

والحجة على هذا: قوله÷: (( فمن تركها وله إمام عادل أو جائر ) ). فظاهر الخبر دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما تجوز خلف العادل.

والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة.

وحجتهم: ما ذكرناه.

ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إمامًا للمسلمين إلا إذا كان مختصًا بصفات حاصلًا على شرائط، ومن جملتها: العدالة. لأنه إذا كان عدلًا كان متوليًا لمصالح الدين جامعًا لشمل المسلمين واضعًا للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذابًا عن الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلًا بطلت هذه المصالح كلها وبطل الغرض به ولم يكن صالحًا للإمامة بحال.

الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة والوصاة فكيف لا تعتبر في أجلّ الإشياء وأخطرها وأعظمها حقًا عند الله تعالى وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: (( وله إمام عادل أو جائر ) ). فلم يفصل بين العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز إمامة الظالم ومن كان جائرًا خارجًا عن التمسك بالدين.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار.

وأما ثانيًا: فلأن المراد بقوله: (( عادل أو جائر ) )في الباطن؛ لأن الظاهر إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى ولسنا مكلفين بعلم الله تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا.

الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة العترة على كون الإمام شرطًا في إنعقاد الجمعة وصحتها، واشتراط عدالته وقررنا ذلك بأدلة شافية. والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا الإجماع مقطوعًا أو مظنونًا؟ وهل يكون مانعًا من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق مخالفه أم لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور المسألة ويبدو رونقها.

الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلومًا أو مظنونًا.

فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين:

أحدهما: أن يكون متواترًا نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجبًا للعلم. كما نقوله في مكة وبغداد، فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم نشاهدهما، ولكن طريقنا إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في العلم بالرسول÷ وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا التواتر.

وثانيهما: أن يكون منقولًا بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعًا به.

فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط الإمام في الجمعة واشتراط عدالته ليس منقولًا بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، فلا جرم كان مثمرًا للظن معمولًا به في الأمور العملية ومن جملة الأمور العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة.

فأما كون إجماعهم حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في الكتب الأصوليه ودفعنا عنه الأسئلة الواردة عليه، وهذه الأحكام الثلاثة كلها متفرعة عليه.

الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعًا من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في مسألة من مسائل الشريعة.

فنقول: متى كان منقولًا بالتواتر كان موجبًا للعلم لا محالة وكان مانعًا من الاجتهاد كالنص فإنه مانع من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعًا بظاهره. فأما إذا كان نصًا وليس مقطوعًا بأصله فإنه لا يكون مانعًا من الاجتهاد كما نقوله في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصًا في المسألة فلا يكون هناك مانع من مخالفته، ومتى كان منقولًا بطريق الآحاد فإنه يكون مظنونًا ومتى كان مظنونًا لم يكن مانعًا من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة الأخبار فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم.

ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أن هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما كان مظنونًا من جهة نقله بطريق الآحاد لم يكن مانعًا من الاجتهاد، فإن المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ولو كان الإجماع مقطوعًا بطريقه لم يكن لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصًا مقطوعًا به. فلما خالفوا من غير نكير دل على أن طريق الإجماع مظنون. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه يكون مانعًا من الاجتهاد على خلافه.

الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟

فنقول: المخالف لإجماع العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنونًا أو مقطوعًا، أما إذا كان مظنونًا فلا إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا كان مقطوعًا فلم يرد الوعيد على مخالفته فلهذا لم نقطع بفسق من خالفه.

ويخالف إجماع الأمة، وإن اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما، لمَّا ورد الوعيد على مخالفة إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة دون من خالف إجماع العترة، لكن نقطع بخطئه لا غير لكونه قد خالف قاطعًا.

وقد نجز غرضنا من بيان هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع.

الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطًا في انعقاد الجمعة وكان بعض المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغت دعوته إليه ولا يمكنه الوصول إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره السيد أبو طالب رضي الله عنه.

والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: (( ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن ) ). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام، مع بلوغ دعوته إليه واستكمال الشرائط فيه، أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع من الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك. لأن اختيار المسلمين له ورضاهم بإقامته للجمعة للإمام، قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسول÷ لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدَّم المسلمون أبا بكر يصلي بهم ولم ينكره الرسول÷ وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما جهزهم وأمَّر عليهم زيدًا ( [3] )

وقال: (( إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة ) ). فلما قتلوا جميعًا اختار المسلمون خالد بن الوليد ( [4] )

فأمَّروه عليهم ولم ينكر الرسول÷ ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه وتوليته.

المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سرًا.

والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام، فوجب أن يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه.

والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب، من جواز ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب وذكره الهادي في المنتخب.

وحجتهم: ما ذكرناه.

ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا على الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2] . ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر الظلم ويخفى جانب الظلمة خوفًا من سطوة الإمام وتوقعًا لنكاله.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد.

قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكنًا لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان الوصول متعذرًا لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية.

قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم تقم في عهد رسول اللّه÷ إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا بالاستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده.

وعن أبي حنيفة والأوزاعي: وجوب ذلك. كما مر بيانه.

الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوسًا، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة.

والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا كان محبوسًا بطل تصرفه، وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه.

المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة لأن هذا موضع ضرورة.

والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين.

والمختار: ما قررناه أولًا من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما قدمنا من الأدلة. فإذا مات أو حبس فقد بطل شرط إقامتها.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا بجواز إقامتها من جهة المسلمين.

قلنا: إن كل ما كان شرطًا في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطًا تقف صحته على وجوده وثبوته.

الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والاستسقاء والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين:

أما أولًا: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والاستسقاء.

وإن اجتمع صلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة لقوله÷: (( ثلاث لا ينبغي التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا حضر وقتها، والأيِّم إذا حضر كفؤها ) ) ( [5] ) .

إلا أن يخشى فوات الكسوف بالانجلاء فالبداية به.

وإن حضر الكسوف والاستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالانجلاء فهو أحق بالبداية.

ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلًا لما روي عن الرسول÷ أنه قال: (( بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) ) ( [6] ) .

لأن الثواب بالمشي أكثر أجرًا وأعظم ثوابًا من الركوب.

ويستحب أن يأتيها حافيًا غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافيًا، وهذا كله في الرواح في الجمعة فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والانتعال لأن الفضل إنما يكون في القصد إليها لا في المراح بعد انقضائها.

ولا يجوز الائتمام في صلاة الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند الشافعي في أحد قوليه.

ويجوز الائتمام بالأعمى لما روي عن الرسول÷ أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم يصلي بالناس في المدينة، ويجوز الائتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة مفروضة فجاز الائتمام به كصلاة الظهر.

وحكي عن مالك: أنه لا يجوز أن يكون العبد إمامًا لأن إمامة الصلاة فيها علو ورفعة والرق في غاية النزول والركة فلأجل هذا تناقض حكمهما.

والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم تقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر.

الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا كان متوليًا من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه الصفة تعلق بهم حكمان:

الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت"ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم الله به من الصلابة في ذات الله والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم."

الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية: أن كل من حضر خطبهم فهو آثم.

الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد بها معهم ويُؤَثِّم من حضرها.

الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي خلفه وأجعلها تطوعًا؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة.

الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم.

الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس -وكان ممن يحضر جُمَعَ الظلمة وأهل الجور والفسق-: إنكم تحضرون الجمعة وهي فرض من فرائض الله مع الظلمة فيأتي خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو في حال دعائه خِمِّير فاسق فيكذب مثل هذه الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة فما أحد منكم يشري نفسه من الله فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب للظلمة.

الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات كلها دالة على تأثيم الحاضرين.

الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: من سوَّد علينا فقد شرَّك في دمائنا. ومعنى كلامه هذا: من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم علينا. فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم. ويدل على البعد منهم والمجانبة لهم.

ومن كان له إلى الله أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد على ما رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسول÷ أنه قال: (( من دعا لظالم بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام ) ). وقوله÷: (( إذا مدح الفاسق اهتز العرش ) ) ( [7] ) .

قوله÷: (( من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ) ) ( [8] ) .

الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في إنعقاد الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب عليهم إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. فإنه ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم إعادة ما صلوا وهم على هذه الحالة.

وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء بعد فوات الوقت لأنها من المسائل الخلافية.

كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية، أنه لا يجوز التأخر عن الجمعة وإن كان الخطيب يخطب للأئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين.

الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفًا في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف، فهل يجوز أن تقام الجمعة في مسجد واحد أو في كل مسجد؟

فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة فيها إلا في مسجد واحدٍ.

والحجة على هذا: قوله÷: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). والمعلوم من حالهم في المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحدٍ، وهي بلدة كبيرة ومصر من الأمصار، فإذا كان هذا واقعًا في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية أحق وأولى.

وحكي عن عطاء، وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر الصلوات المفروضة.

وحجتهم: ما ذكرناه.

ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في القرية والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة.

الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة.

قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطًا في الصلوات المكتوبة فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا.

وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة فيه في مسجد واحدٍ أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة:

القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب.

والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة فإن إجتماعهم في مكان واحدٍ تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج:78] . فلهذا جاز فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك.

القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا يُجَمَّع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحدٍ.

وحجته على هذا: هو أن الرسول÷ والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في موضع واحدٍ وقد قال÷: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ).

القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي وسطها نهر عظيم يجري مثل مدينة السلام -يعني بغداد وواسط-، جاز أن يُصلى في كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي.

القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس: أنها لا تقام إلا في مسجد واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحسانًا، ولا يجوز إقامتها في ثلاثة مساجد.

القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة، إذ ليس له في المسألة نص، فحكي: أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في الاستحسان.

واعلم أن الاستحسان وادٍ من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في غلبات الظنون. والقياس: إقامتها في مسجد واحدٍ لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت عليه أدلة الشرع. والاستحسان: إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعو إلى ذلك من غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا من جهة الاستحسان.

والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد واحدٍ ممكنًا فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتت الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في الإجتماع بالازدحام والتضايق، جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية إلى ذلك لأن العذر إذا كان ظاهرًا فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان، وإذا لم يكن العذر ظاهرًا تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسول÷، كما حكي عن الشافعي: المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان كبغداد، أقيمت في مسجدين، والاستحسان: إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. فأما أبو حنيفة، فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد.

قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: وهو تقرير الحال على ما تدعو إليه المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا إنتهى إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين أو للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمد لله.

الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا.

وإن أقيمت جمعتان في البلدة الصغيرة التي لا يصح إقامتهما فيها؟ نظرت، فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها الأولى ومعها الإمام الأعظم. وإن كان الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق بالصحة؟ فيه تردد.

والمختار: الثانية هي الصحيحة لأنها جمعة الإمام، ولأنا لو حكمنا بصحة الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم بصحة الثانية هو الأحق والأولى.

وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على خمسة أوجه:

الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة. وهل يعتبر السبق في الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين.

الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعًا في حالة واحدة حُكم ببطلانهما جميعًا لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعًا.

الوجه الثالث: إذا لم يُعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحدٍ، فإنه يحكم ببطلانهما جميعًا كما ذكرناه في الوجه الثاني، إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعًا لأن فرضها لازم لهم فلا بد لهم من أدائه.

الوجه الرابع: إذا علم أن أحدهما سابق لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة - إذا قلنا: الإعتبار بالسبق بالإحرام- ثم كبر الثاني ولا يُعلم الذي كبر أولًا.

الوجه الخامس: إذا عُلِم عين السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم عين المكبر أولًا لكنه نسي. فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معًا صار كأنه لم تقم في المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى صحيحة، وإذا لم نعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم فلهذا توجه عليهم الإعادة.

الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.

والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعًا حاصلة فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعًا. وحكي عن زفر: أنها غير مجزية للإمام والمأمومين جميعًا.وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام مسافر، وقد قال÷: (( لا تختلفوا على إمامكم ) ). وإنما لم تصح صلاة الإمام لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معًا.

والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم. وما ذكره زفر فلا وجه له لأمرين:

أما أولًا: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر.

وأما ثانيًا: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ركعتان في حق المقيم والمسافر.

الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنبًا بطلت صلاته لبطلان طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه، لأن الإمام هاهنا شرط في صحة صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة.

ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة الإمام لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته.

والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة كالإمام، وبالله التوفيق.

( [1] ) وفي بعض الروايات: (( أربعة إلى الأئمة.... ) )أورده ابن أبي شيبة في (المصنف) 5/506، بلفظ: (( ... الجمعة والحدود والزكاة والفيء ) ).

( [2] ) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب القرشي، ابن عمرو بن أمية بن عبد شمس، روى عن النبي÷ وعنه أبو موسى عبد الله الهمداني وعامر الشعبي وحارثة بن مضرب، قال ابن سعد بسنده: أسلم الوليد يوم الفتح وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة [بدلًا عن سعد بن أبي وقاص] ثم عزله، فلما قتل عثمان تحول إلى الرقة فنزلها حتى مات بها سنة 61هـ على خلاف، وكان أخبر النبي÷ عن بني المصطلق أنهم ارتدوا عن الإسلام وأبوا أداء الصدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه فهابهم ولم يعرف ما عندهم، فبعث رسول الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت فيهم فأخبروه أنهم متمسكون بالإسلام، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...} الآية 6 من الحجرات، راجع (تهذيب التهذيب) 11/125 (وتهذيب الكمال) 31/53.

( [3] ) زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى، مولى النبي÷ صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، تبناه رسول الله÷، وقال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاَّ زيد بن محمد حتى نزلت: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} وكان اشتراه حكيم بن حزام من سوق عكاظ بأربعمائة درهم لعمته خديجة رضي الله عنها، فلما تزوجها رسول الله وهبت زيدًا له، ونقل ابن سعد في (الإصابة) عن عبد الرزاق بسنده: ما نعلم أن أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، وكان يعرف بأنه حِبُّ رسول الله÷ كان قائد جيش رسول الله في مؤته، واستشهد فيها بعد أن أبلى فيها بلاءً عظيمًا سنة 8 من الهجرة. اهـ. 2/895.

( [4] ) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أسلم قبل الفتح بعد الحديبية، وكان أميرًا على الجيش في أكثر من غزاة أثناء الفتوحات، و هو قائد محنك وفارس معروف، كان مع المشركين يوم أحد واستغل ومن معه نزول الرماة وانشغالهم بتعقب المشركين فالتف على جيش المسلمين وكان سبب هزيمتهم يوم أحد الناتج عن مخالفة الرماة لأمر رسول الله÷، كان في جيش المسلمين يوم مؤتة، وهو الذي تولى قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة زيد وابن رواحة وجعفر، وقفل بالجيش عائدًا إلى المدينة، مات سنة 22 بحمص ودفن بها، انظر: (مشاهير علماء الأمصار) 1/31، و (تقريب التهذيب) 191، و (الاستيعاب) 2/427.

( [5] ) تقدم.

( [6] ) وروي الحديث بزيادة: (( .... المشائين في الظلام ) (( ... في الظلم ) (( ...في ظلم الليل ) )أخرجه بهذه الزيادات ابن خزيمة في صحيحه 1/331، والترمذي 1/435، وأبو داود 1/154، وابن ماجة 1/257.

( [7] ) رواه عن أنس بن مالك، أبو يعلى في معجمه 1/165 بلفظ: (( إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش ) )وهو في (ميزان الاعتدال) بلفظه في الأصل 3/161، وكذا في (لسان الميزان) 3/2.

( [8] ) ورد على أنه كلام بعض السلف، وقد ذكره ابن حنبل في (الورع) 1/97، وهو في (شعب الإيمان) 7/53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت