فهذه المرأة إذا ابتدأها الحيض وعبر على العشر خلا أن الدم على لونين قوي وضعيف بأن يكون الدم في بعض الأيام ثخينًا أسود محتدمًا قانيًا وفي بعضها أحمر مشرقًا رقيقًا، فالقوي هاهنا هو الأسود. والضعيف هو الأحمر والأصفر، فإذا تقرر هذا فإنها لا تغتسل عند تغير صفة الدم لجواز أن لا يعبر على العشر لأنه إذا لم يعبر على العشر كان الدم كله حيضًا على اختلاف أحواله كما مر بيانه في الصفرة والكدرة أنها حيض، فإذا عبر الدم على العشر تحققنا أنها استحاضة فيكون حيضها أيام السواد، وأيام الأحمر يكون استحاضة، والرجوع إلى التمييز في الصفات المتعلقة بالدم هو أحد قولي الناصر والقول الصحيح للشافعي وبه قال مالك.
وأما القاسمية وأحد قولي الناصر وهو قول أبي حنيفة فلا يعرجون على صفة الدم وإنما الاعتبار عندهم بالوقت والعدد في الحيض والاستحاضة، وقد قررنا فيما سبق الحجة للمذهبين وأوضحنا المختار والانتصار له فلا وجه لتكريره.
والأصل في هذه المميزة ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت يارسول اللّه إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: (( إنما ذلك دم عرق وليس حيضًا إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الأحمر فتوضائي وصلي ) ). وهذا الخبر قد اشتمل على فوائد ثلاث عشرة:
الفائدة الأولى: أنها لما قالت: أفأدع الصلاة؟ أجابها بأن ذلك دم عرق فأفاد ظاهر الخبر أن دم الحيض يخالف دم الاستحاضة، وأن لكل واحد منهما مخرجًا معروفًا معتادًا فدم الاستحاضة دم عرق ينفتق ويكون جرحًا وقد قيل إن دم الحيض يخرج من قعر الرحم وأنه ينفصل من لحمها.
الفائدة الثانية: قوله (( وليس حيضة ) )فأكد بذلك قوله إنه دم عرق ونفى أن يكون من الحيض في شيء فلا تتعلق به أحكام الحيض ولأن أمرها بالصلاة لما كان ليس من الحيض في ورد ولا صدر.
الفائدة الثالثة: قوله: (( إن دم الحيض أسود يعرف ) ). فكلامه هذا دال على أن صفة دم الحيض هو السواد بصريح كلامه هاهنا وأنه معروف للنساء ولكل واحدة منهن لا لبس فيه على واحدة منهن لكثرة ملابسته وعلاجه فلهذا أضاف معرفته إليهن.
الفائدة الرابعة: قوله: (( فإذا كان ذلك يعني الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة ) ). فأمْرهَا بالإمساك عند رؤية الدم الأسود فيه دلالة قوية وأمارة شرعية على التعويل على صفة الدم ولونه وأنه أمارة في الحيض يجب الإعتماد عليها وأن عدمه أمارة في الاستحاضة عند مجاوزة الدم لأكثر الحيض لا محالة.
الفائدة الخامسة: قوله (( وإذا كان الأحمر فصلي ) )فدل ظاهر كلامه هذا على أن وجود الأحمر أمارة الاستحاضة مع تقدم الأسود ولهذا فإنه أمرها بالصلاة عند رؤيته، فدل ذلك على ما قلناه من اعتبار التمييز بين الدمين من الحيض والاستحاضة وهذا هو مطلوبنا.
الفائدة السادسة: أن المرأة إذا رأت الدم الأسود أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام لم يكن حيضًا لأن الحيض لا ينقص عن ثلاثة أيام ولا يزيد على عشرة أيام، وإنما [هو] تغير وفساد فلا تعريج عليه.
الفائدة السابعة: إذا رأت الدم ثلاثة أيام دمًا أسود وثلاثة أيام دمًا أحمر وثلاثة أيام صفرة ويومًا كدرة ثم انقطع فالكل حيض لأنه لم يزد على أكثر الحيض فلا جرم حكمنا بكونه حيضًا لما كان حاصلًا في مدة الإمكان ولم يجاوز أكثر الحيض.
الفائدة الثامنة: إذا رأت المرأة يومًا دمًا أسود ثم احمرَّ الدم أو اصفرَّ وجاوز العشر مع السواد فإنا نأمرها بالغسل عند انقضاء العشر وبالصلاة والصوم لأنه لا يجوز أن يكون حيضًا مع المجاوزة فأما دون العشر فتعمل على ما تعهد من حالها في المبتدأة وذات العادة.
الفائدة التاسعة: فإذا رأت السواد في الشهر الثاني يومًا وليلة أو ثلاثًا أو أربعًا ثم أحمرَّ الدم أو اصفرَّ فإنا نأمرها بالاغتسال عند تغير الدم وبالصلاة والصوم لأن الظاهر أنها استحاضة في هذا الشهر كالأول مع مجاوزة العشر فإن لم يجاوز الدم العشر في هذا الشهر علمنا أن الكل حيض وأنها إنما استحيضت في الشهر الأول دون الثاني.
الفائدة العاشرة: وإن رأت المرأة خمسة أيام دمًا أسود وخمسة أيام طهرًا وعشرة أيام دمًا أحمر فالأسود مع الطهر يكون حيضًا كله وعشرة الأيام يكون استحاضة لأن الطهر ما لم يستكمل العشر فهو حيض مع ما قبله.
الفائدة الحادية عشرة: وإن رأت نصف يوم دمًا أسود ونصف يوم دمًا أحمر وكذلك فيما بعده أربعة أيام فلما كان في اليوم الخامس رأت في جميعه دمًا أسود ثم احمرَّ الدم وعبر العشر، فالدم الأسود الذي وجد في الخامس يكون حيضًا لا محالة مع ما قبله من الأنصاف الأربعة.
الفائدة الثانية عشرة: وإن رأت ثلاثة أيام دمًا أحمر وثلاثة أيام دمًا أسود ثم احمر الدم وعبر على العشر فإن حيضها يكون أيام السواد مع ما قبله، وما بعده يكون استحاضة لأن السواد هو صفة الحيض فكان حيضًا كما لو تقدم.
الفائدة الثالثة عشرة: وإن رأت ثلاثة عشر يومًا دمًا أسود وثلاثة عشر دمًا أحمر فإنه يحكم بحيضها ستًا أو سبعًا والباقي يكون استحاضة لأنه لما أناف على أكثر الحيض كانت هذه الأيام حيضًا والباقي استحاضة، وأما الأحمر فكله استحاضة ولا نحيضها من الأحمر شيئًا لأنها قد بطلت دلالته لما زاد على أكثر الحيض، ونختصر على ما ذكرناه في حال المميزة بين الدمين، ومن عرف ما أوردناه هاهنا هان عليه معرفة ما لم نورده قياسًا عليه. فهذا هو الكلام على الأحاديث الثلاثة الواردة في أحكام المستحاضات قد أوردنا ما يتعلق به من الأحكام، فما ورائها من تفاصيل المستحاضات مميز مردود إليها ويؤخذ منها والله أعلم.