اعلم أن الذي عليه أهل التحقيق من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة ومحققي الأشعرية، أنه لا يجوز التقليد في المسائل الدينية نحو: العلم بالصانع وصفاته، والعلم بحكمته ومعرفة صدق الرسول إلى غير ذلك من مسائل الديانة، والواجب على كل مكلف الوصول فيها إلى العلم اليقين، بالنظر في الأدلة القاطعة.
وذهب كثير من الفقهاء إلى جواز حصول هذه المعارف كلها بالتقليد لمن علمها بالنظر والاستدلال، وهو محكي عن أبي إسحاق النصبي \s"\c 3 ( [1] ) ويأتي على رأي عبدالله بن الحسن العنبري \s"\c 3 ( [2] ) وإلى هذه المقالة ذهب أهل الحشو والتعليمية ( [3] ) وزعموا أن الطريق إلى معرفة الحق إنما تكون بالتقليد، وأما النظر فهو موضع حيرة.
والمختار: هو الأول؛ لأن المقلد في هذه الأمور ليس يخلو حاله [إما] أن يكون مقلدًا لجميع الفرق المخالفة، أو يكون مقلدًا لفريق دون فريق، وباطل أن يكون مقلدًا لجميع الفرق، لما يؤدي إليه ذلك من الإعتقادات المتناقضات، فإن منهم من أثبت الصانع ومنهم من زعم نفيه، وما هذا حاله يستحيل الجمع بينهما، وإن قلد بعضًا دون بعض، فإما أن يكون ذلك التخصيص لمرجح أو لا لمرجح، وباطل أن يكون ذلك من غير مرجح؛ لأن اعتقاد أحد الجائزين من غير مرجح يكون باطلًا عقلًا، وإن كان لمرجح فليس ذلك يكون إلا بالنظر لبطلان ما سواه من الطرق، إذ لا يمكن الوقوف على حقيقة الأمر إلا به، وفيه بطلان التقليد بكل حال وهو المقصود.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل الخلافية، ثم نذكر من هو أحق بالتقليد في ذلك، فهذان مطلبان نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة اللّه تعالى:
( [1] ) إبراهيم بن عياش البصري النصيبي المعتزلي (أبو إسحاق) من علماء المعتزلة، قال في (المنية والأمل) : كان من الورع والزهد والعلم على حد عظيم وهو من الطبقة العاشرة من المعتزلة، وله كتاب في إمامة الحسنين وكتب أخرى . ا.هـ (مقدمة الأزهار) .
( [2] ) صوابه عبيدالله، من تميم، قاضٍ من الفقهاء العلماء بالحديث وهو من البصرة وُليَّ قضاءها وعزل سنة 166هـ، وتوفي في هذه السنة. الأعلام 4/192.
( [3] ) من الأشعرية والإسماعيلية.