ولا خلاف في كونه مشروعًا لأن الرسول فعله وقد قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول في هذه القعدة: هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وهو أحد قولي الشافعي ورأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يواضب على فعله ويستمر عليه وقد قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). فدل ذلك على وجوبه، ومقدار الواجب منه ما تؤدى فيه الشهادتان والصلاة على الرسول وعلى آله لأنهما واجبان كما سنوضحه.
المذهب الثاني: أن هذه القعدة مستحبة غير واجبة وهذا هو المحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو قول مالك والزهري والثوري.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77] .
ووجه الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بالركوع والسجود من غير زيادة ولم يأمر بالقعود فإذا فرغ من الركعة الرابعة فقد تمت صلاته قعد أو لم يقعد.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم.
وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله: (( إذا قعدت فقد تمت صلاتك" ) ) ( [1] ) ."
فظاهر الخبر دال على أن آخر واجبات الصلاة من الأفعال هو هذه القعدة فإن فيها إتمام الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا:الآية دالة على أن هذه القعدة غير واجبة لأنها ليست ركوعًا ولا سجودًا.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الآية وإن كانت نصًا في طلب الركوع والسجود فهي ظاهرة في طلب الأمر لكنها مجملة بالإضافة إلى كيفية آداء الركوع والسجود فتكون مفتقرة إلى البيان وبيانها موكول إلى لسان صاحب الشريعة وقد بينها بفعله بأن قعد عقيب الركوع والسجود، وفي هذا دلالة على أنها من جملة الركوع والسجود في الوجوب.
وأما ثانيًا:فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الخبر والجمع بينهما ممكن لأن الآية ليس في ظاهرها ولا في صريحها ما يدل على بطلان هذه القعدة وإذا كان الأمر هكذا وجب حمل الآية على وجوب الركوع والسجود والخبر على إيجاب هذه القعدة فيكون جمعًا بينهما من غير مناقضة وهذا هو مطلوبنا.
الفرع الثاني: في الشهادتين ولا خلاف في كونهما مشروعتين في هذه القعدة وإنما الخلاف هل تكونان واجبتين أم لا؟ وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبتان، وهذا هو رأي الهادي والقاسم وزيد بن علي ومحكي عن عمر بن الخطاب وأبي مسعود البدري وابن عمر.
والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخذ بيدي رسول الله فقال: (( قل التحيات لله" ) ) ( [2] ) ..."
إلى آخره. والأمر للوجوب.
المذهب الثاني: أنهما غير واجبين، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أمير المؤمنين والزهري ومالك والثوري وهو قول أبي حنيفة.
والحجة عليه: هو أن الرسول علم الأعرابي الصلاة حتى قال له: (( ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ) ). فعلق صحة الصلاة بالقعود ولم يذكر التشهد فلو كان واجبًا لذكره لأنه في محل التعليم والبيان وإن جاز تأخيره عن وقت الخطاب فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
والمختار: ما قاله الأكثر من علماء العترة من وجوب الشهادتين.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نؤمر قبل أن يفرض علينا التشهد بأن نقول: السلام على اللّه.قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال الرسول صلى الله عليه: (( لا تقولوا: السلام على الله"، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات ) ) ( [3] ) ."
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه قال: قبل أن يفرض علينا التشهد. فدل على أنه قد فرض.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن النبي علَّم الأعرابي الصلاة ولم يذكر الشهادتين فدل على أنهما لا تجبان.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فإنه إنما لم يذكر الشهادة لأنه اعتمد على بيان الأفعال لما كانت أهم إذ لا خلاف فيها ويرجع في مقام ثاني إلى بيان ما يجب من الأقوال والأذكار.
وأما ثانيًا: فلأن هذا مُعَارَض بما ذكرناه وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وخبرنا دال على الزيادة فلهذا كان راحجًا على غيره مما لم يدل على الزيادة.
الفرع الثالث: في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله، ولا خلاف في أنها مشروعة، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي القاسم ومحكي عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله بن عمر وأبي مسعود البدري وهو قول الشافعي وأصحابه واختيار الأخوين لمذهب الهادي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] . وهذا أمر وظاهر الأمر للوجوب ولا خلاف أنها لا تجب الصلاة على الرسول إلا في الصلاة ( [4] ) .
المذهب الثاني: أن الصلاة على الرسول غير واجبة وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أمير المؤمنين والزهري ومالك والثوري، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه علم عبدالله بن مسعود التشهد وقال له: (( إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم، فقم وإن سئت أن تقعد فاقعد ) ).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه علمه التشهد ولم يذكر فيه الصلاة على الرسول وهو في موضع التعليم فدل هذا على أنها غير واجبة كما قلناه.
والمختار: هو القول بوجوبها كما حكيناه عمن تقدم ذكره.
وحجتهم:ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روته عائشة عن الرسول أنه قال: (( لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة عليَّ ) ) ( [5] ) .
ويؤيد هذا ما روي أنه كان يقول في الصلاة: (( اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) ) ( [6] ) .
هكذا رواه أبي بن كعب عنه وقد قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). والواجب هو قولنا: (( اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد ) ). لأن ذلك أقل ما يكون من الصلاة. والأفضل أن يقال: (( اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) ). روى أبو حميد أنه قيل للرسول: كيف نصلي عليك؟ فقال: (( قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ) ) ( [7] ) .
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: علَّم بن مسعود التشهد ولم يذكر فيه الصلاة فدل على عدم وجوبها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فإن امتناع تعليمه للصلاة لابن مسعود في هذا الموضع لا يدل على أنها غير واجبة فلعله منع هناك مانع من ذكره ويريد ذكره من قبل فلا يبطل وجوبها بالاحتمال.
وأما ثانيًا: فلأن ما قالوه مُعَارَض بما رويناه عن عائشة وأبي بن كعب وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، وما ذكرناه راجح لكونه أصرح بالغرض وأدل على المقصود فلهذا كان هو الأولى بالعمل عليه.
الفرع الرابع: في الصلاة على الآل. ولا خلاف في كونها مشروعة وأنها مستحبة، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة على الآل وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن المؤيد بالله، قال الإمام المؤيد بالله: ولا يصح التشهد حتى تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. فهذا تصريح بوجوبها عليهم.
والحجة على هذا: أنه كان يقول في صلاته: (( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) ). وقد قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ).
المذهب الثاني: أنها غير واجبة؛ وهذا هو المحكي عن أمير المؤمنين والزهري ومالك والثوري والمنصوص للشافعي.
والحجة على هذا: هو أن من لم يكن ذكره شرطًا في صحة الأذان لم يكن شرطًا في صحة الصلاة كالصحابة.
والمختار: ما عليه أئمة العترة من القول بوجوبها عليهم.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو حميد [أنه قيل] : يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: (( قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) ).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: من لا يكون ذكره شرطًا في صحة الأذان فلا يكون شرطًا في صحة الصلاة كالصحابة.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولًا: فلأنه لا معنى لإيراد الأقيسة في العبادات فإنه لا مدخل لها فيها ولا تجري فيها الأقيسة المعنوية ولا الشبهية.
وأما ثانيًا: فلأن المعنى في الأصل أنه كلمات محصورة معدودة لا يتصرف فيها بزيادة ولا نقصان بخلاف الأدعية.
وأما ثالثًا: فلأنه إنما بطل ذكر الآل في الأذان لما كان المقصود به الإشعار للصلاة والدعاء إليها بخلاف ذكر الآل في الصلاة فإن الأذكار مشروعة في الصلاة من أجل إحراز الفضل، وذكر الآل من الأذكار الفاضلة فافترقا، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن ذكر الآل في الصلاة واجب وهو رأي أحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي.
فأما ذكر إبراهيم وآل إبراهيم فهل يكون واجبًا أم لا؟ فيه تردد فذكر بعض أصحاب الشافعي أن الصلاة عليهم واجبة.
والمختار: أنه سنة وليس واجبًا. قال المؤيد بالله: والأقرب أن آل رسول الله إنما هم الأخيار دون الأشرار كما أن المراد بآل إبراهيم الأبرار دون الأشرار ولم يمنع الإطلاق من صحة التشهد به فهكذا هاهنا. ثم اختلف الناس في آل الرسول من هم؟ فمن العلماء من قال: هم بنو هاشم وبنو المطلب لأنهم قرابة الرسول وأقرب من يتصل به والآل هم الأهل لكن الألف واللام أبدلت من الهاء. ومنهم من قال: هم الذين كانوا على دينه لقوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر:46] . ومنهم من قال: هم من تحرم عليهم الزكاة وهم آل جعفر وآل عقيل وآل عباس وآل علي ومن كان ينسب إلى هاشم، وهذا هو الأقرب لأن هؤلاء هم خاصة الرسول وأقرباؤه.
الفرع الخامس: في بيان هيئة هذه الجلسة وصفة الذكر المشروع فيها. أما ما هية هذه القعدة فقد أوضحنا فيما سبق ذكر الخلاف فيها وبينا أن الأفضل في هيئتها هو التَّورّك بخلاف القعدة الأولى فإن الأفضل فيها هو الإفتراش دون التَّورّك وقد أوضحنا وجه التفرقة بينهما فأغنى عن الإعادة، وأما بيان صفة الذكر المشروع فيها فللأئمة والعلماء فيه اختيارات ونحن نوردها لاشتمالها على فوائد وجملتها سبعة:
الاختيار الأول: مأثور عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه يقول فيه: التحيات لله والصلوات والطيبات الغاديات الرائحات الطاهرات الناعمات السابغات ما طاب وطهر وزكا وخلص لله وما خبث فلغيره أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا أشهد أنك نعم الرب وأن محمدًا نعم الرسول. ثم بحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي وآله ثم يسلم عن يمينه وعن شماله.
الاختيار الثاني: ما ذكره الهادي في الأحكام يقول فيه: بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يسلم عن يمينه ويساره رواه عن أبيه وأبوه يرويه عن زيد بن علي عن علي"."
الاختيار الثالث: ذكره في المنتخب قال: التحيات لله والصلوات والطيبات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يسلم عن يمينه ويساره، فهذا ما ذكره في الجامعين (الأحكام) و (المنتخب) وكل واحد من هذين الاختيارين على انفراده وحياله داخل في الفضل محرز لكمال السنة في الدعاء عند القعدة الأخيرة.
الاختيار الرابع: محكي عن الناصر يقول فيه: بسم الله وخير الأسماء لله وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله التحيات لله والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الغاديات الرائحات لله ما طاب وزكا وطهر ونما وما خبث فلغير الله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يسلم عن يمينه ويساره. وحكى الشيخ أبو جعفر من أصحاب الناصر والجامعين لمذهبه أن للناصر اختيارات مختلفة في التشهد الأخير في كتبه (الصغير) و (الكبير) وفي (المسائل) و (الألفاظ) خلا أن الذي ذكرناه هاهنا هو المختار من مذهبه.
الاختيار الخامس: مروي عن المؤيد بالله وهو الجمع بين التشهدين اللذين رويناهما عن الهادي وهو أن يقول: بسم الله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى قوله إنك حميد مجيد. ثم يقول بعد ذلك: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ربنا آتنا في الدينا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ثم يسلم عن يمينه ويساره.
الاختيار السادس: محكي عن الإمام أبي طالب وحاصله أنه يجمع بين التشهدين اللذين ذكرهما الهادي في (الأحكام) و (المنتخب) من غير زيادة فيقول: (( بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله التحيات لله والصلوات والطيبات أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، إلى قوله: حميد مجيد. ولا يزيد الزيادة التي ذكرها أخوه المؤيد بالله فهذه الاختيارات كلها التي نقلناها عن أكابر أهل البيت وعلمائهم مأثورة عن جِلَّة الصحابة نقلوها عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الاختيار السابع: محكي عن الشافعي رضي الله عنه قال: فإذا فرغ المصلي من التشهد والصلاة على الرسول فله أن يدعو بما شاء من دين ودنيا والأفضل أن يدعو بما روى أبو هريرة عن الرسول فإنه قال: (( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع من عذاب النار ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) ) ( [8] ) .
الدعاء الثاني: رواه أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول كان يقول بين التشهد والسلام: (( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسررت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ) ) ( [9] ) .
الدعاء الثالث: رواه عن ابن مسعود رضي اله عنه قال: كان رسول الله يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كلما تعلمنا التشهد: (( اللهم، ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا،"واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتمها علينا إنك على كل شيء قدير ) ) ( [10] ) ."
ولنكتف بهذا القدر من الاختيارات في الدعاء في القعدة الأخيرة ونردفه بالمطلوب في الدعاء ومقداره فهذان تقريران:
التقرير الأول: في بيان المطلوب بالدعاء قال أبو حنيفة: لا يدعو المصلي إلا بالأدعية المأثورة عن الرسول أو بما يشبه ألفاظ القرآن. ومن أصحابه من قال: ما لا يطلب إلا من الله يجوز أن يدعو به في الصلاة، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إذا سأله الله في الصلاة أفسدها، فعلى هذا يجوز أن يدعو في الصلاة بقوله: اللهم أغفر لي وارحمني واهدني. إلى غير ذلك مما لا يطلب إلا من اللّه. وإن قال: اللهم يسر لي بنت فلان زوجة لي فسدت صلاته. وقال الشافعي: يجوز أن يقول في صلاته: اللهم ارزقني جارية حسنة وزوجة صالحة وضيعة مباركة وخلص فلانًا من الحبس واهلك فلانًا لظلمه. إلى غير ذلك. وهذا هو المختار لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي علمه التشهد إلى قوله: (( وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ) ). ثم قال بعد ذلك: وليدع بما شاء ولم يفصل بين مطلوب ومطلوب من منافع الدين والدنيا. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن الرسول رفع رأسه من الركوع الأخير في الفجر فقال: (( اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وأنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، وأهلك رعل وذكوان وعصية، واجعل سنيهم كسني يوسف ) ). وعن أبي الدرداء أنه قال: إني لأدعو لسبعين صديقًا في كل صلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم،فهذا فيه دلالة على ما قلناه من جواز الدعاء في الصلاة لمن أحب وعلى من أحب ممن يستحق ذلك.
التقرير الثاني: في بيان مقدار ما يدعى به في الصلاة، وليس يخلو حال الداعي إما أن يكون إمامًا أو مأمومًا. فإن كان إمامًا فإنه يدعو بمقدار القنوت والتشهد لئلا يثقل الكثرة على من بعده من المأمومين، وإن كان منفردًا فإن يطيل ما شاء. ولقد كان يدعو بكلمات طيبات خفيفات مباركات في الصلاة على من دعا له أو دعا عليه وبعد فراغه من الصلاة لا يطيل في الدعاء ويقوم بعد فراغه من الصلاة تارة من عن يمينه وتارة من عن شماله وتكره قراءة القرآن في حالة التشهد لأمرين:
أما أولًا: فلأن موضوعه الدعاء وليس موضوعه القراءة.
وأما ثانيًا: فلأنها حالة في الصلاة لم تشرع فيها القراءة فكرهت فيها كالركوع والسجود.
دقيقة: اعلم أن الدعاء المأثور عن الرسول في التشهد الأخير يرد على وجهين:
أحدهما: أن يكون واردًا من غير واوٍ وعلى هذا تبطل المغايرة بين الأوصاف فإذا قال: (( التحيات لله الصلوات ) ). كانت الصلوات هي التحيات. وإذا قال: (( الطيبات ) ). كانت الطيبات هي الصلوات لأن حذف الواو دال على الإتحاد في الأوصاف على الوجه الذي ذكرناه وقد جاء في القرآن كقوله تعالى: {هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } [الحشر:24] .
وثانيهما: أن يكون واردًا بالواو وعلى هذا تحصل المغايرة بين الأوصاف لأن الشيء لا يعطف على نفسه فإذا قال: التحيات والصلوات. كانت الصلوات غير التحيات. وإذا قال: والطيبات. كانت الطيبات غير الصلوات وقد ورد الأمران جميعًا أعني اتحاد الواو وحذفها والمعنى فيهما على ما ذكرناه، وقد تم غرضنا من الكلام في القعدة الأخيرة ونذكر الآن التسليم وهو آخر أركان الصلاة والحمد لله.
( [1] ) جاء هذا في رواية للترمذي عن رفاعة أن النبي قال لمن علمه الصلاة: (( إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ ) )إلى آخر الحديث، وقد تقدم.
( [2] ) تقدم.
( [3] ) في الحديث روايات بألفاظ متقاربة لأبي داود والنسائي والدار قطني والبيهقي، وأصله في الصحيحين دون قوله: قبل أن يفرض علينا.
( [4] ) في حاشية الأصل: وخطبة الجمعة وعند ذكره على قول بعضهم ا هـ.
( [5] ) قال في (الجواهر1/277: هكذا حكاه في(المهذب) عن عائشة عن النبي وعزاه في (التلخيص) إلى البيهقي والدار قطني وضعفه.
( [6] ) هكذا في (الشفاء) ونص عليه في الأحكام قال: وكذلك حدثني أبي عن أبيه في التشهد، وكان يرويه عن زيد بن علي عن آبائه عن علي وورد الحديث في الصلاة على النبي في التشهد من عدة طرق وبألفاظ عدة متقاربة منها ما جاء في (نيل الأوطار) 2/285، عن طلحة بن عبيد الله عند النسائي وهو أقربها إلى ما سلف بلفظ: (( اللهم، صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ) )وفي رواية: (( ... وآل محمد ) )في الموضعين، ولم يقل فيهما: (( ...وآل إبراهيم ) ).
( [7] ) تقدم.
( [8] ) هذه رواية مسلم، ووافقه البخاري إلاَّ أنه لم يذكر: (( ...إذا تشهد أحدكم ) )ولأبي داود والنسائي نحو مسلم، وزاد النسائي: (( ...ثم ليدع لنفسه بما بدا له ) ).
( [9] ) نقله في (الجواهر) عن (المهذب) بلفظه ثم قال: والذي في (الجامع) عن علي ما لفظه: قال: كان رسول الله إذا سلم من الصلاة قال: (( الهم اغفر لي...) إلخ ا هـ 1/279.
( [10] ) وفي رواية: (( ...واجعلنا شاكرين لنعمك فأدمها وأتمها علينا ) )أخرجه أبو داود ا هـ، المصدر السابق.