الفصل الثالث
في بيان واجبات الغسل وذكر كيفيته
وقد أوضحنا أن الواجب من الغسل أنواع أربعة: الجنابة، والحيض، والنفاس، والموت، وما يتعلق [بها] . والذي نذكره هاهنا هو الأمور الواجبة في الغسل الذي لا يكون غسلًا شرعيًا مجزيًا في العبادة إلاَّ به ( [1] )
فالنية في غسل الجنابة وغيره واجبة عند أئمة العترة لا يختلفون في ذلك، وهو قول الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي عن سفيان الثوري أنها غير واجبة، والخلاف فيه وفي الوضوء واحد إذ لا قائل بالتفرقة بينهما، فمن أوجب النية أوجبها فيهما جميعًا، ومن منع النية منعها فيهما جميعًا، والأدلة التي أشرنا إليها في الوضوء في إيجاب النية جارية هاهنا، وذكر الإختيار والانتصار له قد أسلفناهُ فأغنى عن تكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: النية في الجنابة، يجب أن تكون لرفع الجنابة أو رفع الحيض أو رفع النفاس أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للغسل لأن ذلك السبب هو المؤثر في وجوب الغسل فلأجل ذلك أثر تعيينه في كون الغسل مجزيًا، وهكذا لو نوى في غسله أنه للصلاة مطلقًا أو لصلاة معينة أو لرفع الحدث الأكبر أجزأه ذلك.
قال السيد الإمام أبو طالب: لأن نية الغسل لا تعلق لها بالصلاة بخلاف نية الوضوء فإن لها تعلقًا بالصلاة فلأجل ذلك أنه إذا نوى في الغسل ما ذكرناه من تلك الأمور أجزأه بخلاف الوضوء كما مر بيانه، وإنما لم يكن للغسل تعلق بالصلاة من جهة أنه لا تؤدى به الصلاة حتى ينضم إليه الوضوء، فمن أجل ذلك افترقا. وهكذا لو نوى بغسله قراءة القرآن أو دخول المسجد اجزأه ذلك، أو غير ذلك من الأفعال التي تمنع من فعله الجنابة، ولو نوى رفع الحدث الأصغر لم يكن غسله مجزيًا من جهة أن الجنابة لا ترتفع بارتفاع الحدث الأصغر، ولهذا فإنه لو توضأ وهو جنب لم يكن حدث الجنابة مرتفعًا بالوضوء وهذا على رأي السيد أبي طالب وأبي العباس في التفرقة بين الوضوء وغسل الجنابة بالوجه الذي ذكرناه.
فأما على رأي المؤيد بالله وهو المختار عندنا، فإنه لا تفرقة بينهما في أنه لو نوى رفع الحدث أو نوى صلاة معينة أنه يكون مجزيًا له في الوضوء والغسل جميعًا كما قررناه في الوضوء.
الفرع الثاني: نية الغسل يجب أن تكون مقارنة لأول جزء من أجزائه كما ذكرناه في الوضوء من جهة أن المقارنة في النية هي الأصل في كل فعل، وإنما جوزنا التقديم والتأخير في بعض النيات لدليل دل عليه وأمر اقتضاه، فإن لم تدل دلالة ظاهرة على جواز التقديم والتأخير وجب القضاء بالمقارنة لأنه هو الأصل كما أشرنا إليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن كان جنبًا فاغتسل من غير أن ينوي رفع الحدث أو أداء الصلاة لم يكن اغتساله صحيحًا وإنما كان الأمر كما قلناه من جهة أن النية شرط في صحة الاغتسال كما قررناه من قبل فإذا لم يأت بها فإنه يكون مخلًا بشرط من شروط الاغتسال فلهذا لم يكن غسله مجزيًا له.
الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: فإن صلى فعليه الإعادة إذا أعاد الغسل.
واعلم أن كل ما كان من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين العلماء [في هذه المسألة] ففيه وجهان:
أحدهما: أنه تلزمه الإعادة على رأيه ولا يراعى في ذلك بقاء الوقت وخروجه.
وثانيهما: أن يُراعى في وجوب الإعادة بقاء الوقت فإن كان قد مضى الوقت لم تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الهادي، وقد قررنا هذه المسألة في باب الوضوء وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره.
الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن اغتسل للعيد أو للجمعة ثم ذكر أنه كان جنبًا وجب عليه إعادة الاغتسال للجنابة من جهة أن النية واجبة كوجوبها في الوضوء ولأنه اغتسل لغير الجنابة فلا يجزيه عن غسلها كما لو نواه للتبرد. وقال أيضًا: فإن اغتسل وهو شاك في جنابته ثم إنه تيقن بعد ذلك جنابة أجزأه غسله لأنه قد نوى الجنابة عند الاغتسال فوجب أن يكون مجزيًا له كما إذا كان متيقنًا لها عند الغسل.
مسألة: المضمضة والإستنشاق مشروعان في غسل الجنابة عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة لما روت عائشة عن النبي أنه كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق ( [2] ) .
وروى ابن عباس عن خالته ميمونة أنها قالت: وضعت لرسول اللّه غسلًا فتمضمض واستنشق ( [3] ) .
وهل يكونان واجبين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو قول الأكثر من أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وعطاء وطاووس وابن أبي ليلى وإسحاق وسفيان الثوري.
والحجة على ذلك:قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] .
ووجه دلالة الآية هو:أنه تعالى أمر بالتطهير وظاهرها دال على وجوب التطهير في كل عضو يلحقه التطهير من غير تخصيص، ولا شك أن الفم والأنف من جملة الأعضاء التي يلحقها التطهير بالماء فيجب القضاء بوجوب تطهيرهما.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( تحت كل شعرة جنابة"فبلوا الشعر وأنقوا البشر ) ) ( [4] ) . ولا شك أن في الأنف شعرًا وفي الفم ( [5] ) بشرًا قال ثعلب: البشرة هي الجلدة التي تقي اللحم من الأذى."
المذهب الثاني: أنهما سنتان، وهذا هو رأي الإمام الناصر والشافعي وأصحابه، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: قوله لأم سلمة لما سألته عن غسل الجنابة: (( إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء"ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت ) ) ( [6] ) ."
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من القول بوجوبهما في غسل الجنابة ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] . فالآية مجملة إذ لا يمكن امتثال الأمر من ظاهرها، وبيانها موكول إلى الرسول وقد أوضحها عليه الصلاة والسلام بقوله: (( المضمضة والإستنشاق فريضة في غسل الجنابة ثلاثًا" ) ) ( [7] ) ."
وبفعله، فإنه كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أن نقول: عضو من أعضاء الطهارة بدليل ما تقدم أنه يجب إيصال الماء إليه في الوضوء ويجب غسله من النجاسة فوجب غسله من الجنابة كالأذن وداخل اللحية ولأنهما عضوان يلحقهما حكم التطهير من النجاسة فوجب غسلهما من الجنابة كالرأس والرجل، ولأنه يُسُّن تكرير غسلهما في الجنابة فكان غسلهما مرة فرضًا واجبًا كسائر الأعضاء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية في قوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا"} [النساء:43] . فأمر بالغسل ولم يأمر فيه بالمضمضة والإستنشاق فدل ذلك على أنهما غير واجبين."
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الآية على ما قلناه أدل لأن ظاهرها لم يفصل بين عضو وعضو فهي بأن تكون دلالة لنا أحق من أن تكون دلالة لكم.
وأما ثانيًا: فلأنها تقتضي وجوب تطهير جميع ما يلحقه التطهير من البدن، وهذان العضوان من جملة ما يلحقه التطهير فلا جرم قضينا بوجوب غسلهما.
قالوا: حديث أم سلمة دال على أنهما غير واجبين لأنه قال لها: (( إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات"فإذا أنت قد طهرت ) )ولم يذكرهما."
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن ظاهر الحديث متروك لأنه دال على أن الوجه غير مغسول لأنه لم يذكره في الحديث.
فإن قالوا: قد علم بالدلالة وجوب غسله.
قلنا: المضمضة والإستنشاق معلوم غسلهما بالدلالة.
وأما ثانيًا: فلأنا قد دللنا على وجوب غسلهما بما ذكرناه من الأخبار فيجب الجمع بينها وبين ما أوردوه. وعلى هذا يكون التقدير فيما روته أم سلمة، أما أنا فأتمضمض وأستنشق ثم أحثي على رأسي ثلاث حثيات، وإذا كان الأمر فيه كما قلنا بطل ما توهموه.
قالوا: عضو باطن من أصل الخلقة دونه حائل معتاد فأشبه داخل العين.
قلنا: أما من قال بوجوب غسل داخل العين فلا يلزمه هذا القياس لأنه يمنع من الحكم من الأصل فلا يمكن القياس عليه، وأما من قال بأن غسل داخلهما غير واجب كما هو المختار عندنا وهو رأي أكثر العترة فالجواب عنه: أن في غسل داخل العين مشقة وحرجًا، وهذا غير حاصل في العضوين، ثم إنه معارض بما ذكرنا من الأقيسة المذكورة فيجب القضاء بتساقط الأقيسة والرجوع إلى الأدلة النقلية التي مهدناها.
قالوا: عضو ينطبق انطباق الخلقة أو عضو منطبق فلا يجب إيصال الماء إليه كداخل العينين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الطهارات كلها جارية على جهة التحكم من جهة الشارع، والمعاني فيها منسدة فلا تلوح فيها مخايل المعاني ولا تنقدح فيها مسالك الأشباه وإنما مستندها تحكمات الشارع في أقواله وأفعاله.
وأما ثانيًا: فهب أنا سلمنا جري الأقيسة فيها لكن ما ذكرتموه ليس من قبيل المعاني ولا من قبيل الأشباه المعتمدة، وإنما هو من قبيل الأوصاف الطردية التي لا يعول عليها محصل، ولهذا فإنه يعارض بأدنى معارضة على القرب، فيقال فيه: عضوان لهما أثر في جمال الوجه وكمال الخلقة فيجب غسلهما في الجنابة كالعين والشفة، أو عضوان تجب الدية الكاملة بقطعهما فيجب غسلهما في الجنابة كالعينين والشفتين إلى غير ذلك من الهذيانات الركيكة والركاكات المتروكة التي لا يعلق شيء من أحكام الشريعة عليها، ولولا أن القاضي زيد من أصحابنا حكاه عنهم لما تكلمنا عليه بالإبطال لكونه من الطرديات المهجورة. ولم أعلم أن أحدًا من نظار أصحاب الشافعي أورده وما ذاك إلا لركته ونزول قدره وأنه صار في حيز الهجران باتفاق الفقهاء الخائضين بحر القياس الممهدين لقواعده.
قالوا: غسل واجب فلا يجب غسلهما فيه كالغسل من الموت.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولًا: فنمنع الحكم في الأصل ونقول: بل يجب غسلهما في حق الميت لأنهما من جملة جسمه وهذا إنما يلزم الحنفية حيث لم يوجبوه.
وأما ثانيًا: فلأنهما عضوان يجب غسلهما من النجاسة ولا يبطل الصوم بترك [بقايا من] الطعام فيهما فيجب غسلهما في الجنابة كسائر الأعضاء فبطل ما توهموه.
مسألة: ويجب تخليل [شعر اللحية] وشعر الرأس وإيصال الماء إلى جميع البدن، ظاهره وهو ما لا يكون مستورًا بغيره، وغامضه وهو ما يكون مستورًا بغيره كالمعاطف و الأرفاغ ( [8] ) في البدن، نص الهادي على ذلك في المنتخب. وهو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة وذلك لما روي عن الرسول أنه قال: (( بلوا الشعر وأنقوا البشر"فإن تحت كل شعرة جنابة ) ). وقوله: (( من ترك موضع شعرة في جسده من جنابة فُعِلَ به كذا وكذا في النار") ) ( [9] ) .
ويجب عليه غسل ظاهر أذنيه وباطنهما لأنهما من الأعضاء الظاهرة. ويدخل الماء فيما ظهر من صماخيه لما ذكرناه من الخبر، ولا يجب عليه غسل ما بطن كالعين وداخل الأنف على الرأي المختار وهو قول أكثر الفقهاء وأكثر أئمة العترة.
فأما على رأي المؤيد بالله فإنه يجب عليه غسل عينيه كما ذكره في الوضوء وقد سبق تقريرها فيه، ولو كان داخل عينيه شعر فإنه لا يجب عليه غسله لما ذكرناه من عدم وجوب غسلهما.
وهل يجب الدلك لما يمكن دلكه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب دلك ما يمكن دلكه من الجسم في غسل الجنابة، وهو رأي أئمة العترة وهو محكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه قال: لما كان في ولاية عمر قدم وفد من العراق عليه فقالوا: جئنا نسألك عن أشياء.
فقال: هاتوا.
فقالوا: نسألك عن الغسل من الجنابة.
فقال: ويلكم أسحرة أنتم! ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول اللّه . ثم قال: ألست شاهدًا يا أبا الحسن؟. قال: بلى. قال: فماذا أجابني رسول اللّه فإنك أحفظ مني. فقال: سألته عن الجنابة فقال: (( تصب على يديك الماء قبل أن تُدخل يدك إناءك"ثم تضرب بيدك إلى مرافقك فتنقي ثم تضرب بيدك إلى الأرض ثم تصب عليها من الماء ثم تتمضمض وتستنشق ثلاثًا وتغسل وجهك وذراعيك وتمسح رأسك وتغسل قدميك وتفيض الماء على جانبيك وتدلك من جسدك ما نالت يدك ) ) ( [10] ) ."
فذلك أمر والأمر يقتضي الوجوب.
الحجة الثانية: قياسية وهو: أن الغسل إزالة مانع من الصلاة بماء فوجب أن يكون من شرطه إمرار اليد أو ما يقوم مقامها كغسل النجاسة ( [11] ) .
المذهب الثاني: أنه لا يجب الدلك وهذا هو رأي الناصر وهو محكي عن الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما في حديث أم سلمة حين قال لها: (( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت" ) ). ولم يشترط الدلك."
الحجة الثانية: قياسية وهي: أنها طهارة حكمية فكان المسح مجزيًا فيها كالتيمم.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة من اشتراط الدلك.
والحجة عليه: ما قالوه ونزيد ههنا وهو أن المفهوم من الغسل لغة وشرعًا هو إمرار اليد على الشيء المغسول ولهذا فإنه من طرح الثوب في الماء حتى جرى عليه فإنه لا يوصف بكونه غاسلًا له، وهكذا فإن من قعد بين الماء ولم يمر يده على جسده فإنه لا يكون غاسلًا له ولا يوصف بالغسل، ولأنه غسل مأمور به من أجل أداء الصلاة فلا بد فيه من الدلك أو ما يقوم مقامه كغسل النجاسة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: حديث أم سلمة لم يشترط فيه الدلك ( [12] ) .
قلنا: إنما لم يذكره اتكالًا في بيانه على ما هو المفهوم من الغسل في اللغة والعرف فلهذا لم يشترطه.
قالوا: طهارة فكان المسح مجزيًا فيها كالتيمم.
قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء فلهذا وجب اشتراط الدلك فيها ثم إنا نعني بالدلك إمرار اليد مع جري الماء فإذا كان هذا مسلمًا منكم ارتفع الخلاف.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا قعد الغاسل من الجنابة تحت ميزاب يصب عليه ونوى عنده [غسل الجنابة] أجزاه ذلك لأنه قد حصل ما هو أبلغ من إمرار اليد وهو قوة الماء فلهذا كان كافيًا، وهو الظاهر من كلام الإمامين القاسم والمؤيد بالله. والخلاف في وجوب الدلك في الوضوء والغسل واحد وقد قررناه في باب الوضوء وأن أهل اللغة يفرقون بين المسح والغسل فيقولون:
الغسل هو: إمساس العضو الماء حتى يسيل عنه مع الدلك.
والمسح: إمساسه الماء بحيث لا يسيل عنه.
وعلى رأي من لا يعتبر الدلك [شرطًا] يجعل الغسل مسحًا وتكون التفرقة عندهم بين الغسل والمسح هو أن التعميم مشترط في الغسل دون المسح فلا يعتبر فيه بل يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ، فصارت واجبات الجنابة خمسة عند أئمة العترة: النية، والمضمضة والإستنشاق ( [13] ) ،
وتخليل شعر اللحية والرأس ليصل الماء إلى مغارز الشعر، ودلك جميع البدن كله، ونقص أبو حنيفة النية والدلك، ونقص الشافعي المضمضة والإستنشاق والدلك، وقد قررنا الأدلة على ما ذكرناه من هذه الأمور الواجبة فكان مغنيًا عن الإعادة.
الفرع الثاني: ومن كان جنبًا ونسي الجنابة واغتسل عن الحدث أجزأه ذلك الغسل في أعضاء الوضوء دون غيرها من سائر جسده، وهكذا إذا توضأ عن الحدث أجزأه ما غسله من أعضاء الوضوء عن الجنابة. وكذلك لو غسل الجنب جميع بدنه إلا رجليه ونسي الجنابة وغسلهما بنية الوضوء أجزأه عن الجنابة، لأن فرض الطهارة في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد، فلهذا أجزأه غسلهما. وهكذا لو تيمم عن الحدث ونسي الجنابة أجزأه ذلك، لأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر مما فعل، وكذا لو توضأ ينوي أن حدثه ريح فكان بولًا أو غائطًا. أو لو اغتسلت المرأة بنية الغسل عن الحيض أو كانت نفساء أو جنبًا أجزأها ذلك لما ذكرناه.
الفرع الثالث: إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا أطراف شعره ثم إنه قطع ما بقي من الشعر مما لم يغسله فهل يجب غسله أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه يجب عليه غسل ما قطعه لقوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء:43] . والقطع لا يسمى غسلًا.
وثانيهما: أنه لا يجب عليه شيء، وهذا هو المختار للمذهب لأنه قد زال عنه ما وجب عليه غسله فصار كما لو توضأ وترك غسل رجله ثم قطعت من نصف الساق فإنه لا يجب عليه غسل ما قطع. فهكذا هاهنا ولأنه غير مخاطب بغسل الرجل ولا مندرجًا تحت الخطاب بعد القطع.
الفرع الرابع: في التسمية في الغسل هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنها واجبة، وهذا هو المحكي عن الشيخ الأستاذ ( [14] )
من أصحابنا.
والحجة على ذلك هو: أنها طهارة مفعولة من أجل الصلاة أو طهارة عن حدث فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء.
وثانيهما: أنها غير واجبة وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن الفريقين الحنفية والشافعية ، وهذا هو المختار، لأن الأصل هو عدم وجوبها وإنما يُقضَى بوجوبها لدلالة خاصة شرعية ولا دلالة هاهنا على الوجوب، والتفرقة بينه وبين الوضوء هو أن التسمية في الوضوء إنما شرعت ليرتفع الحدث عن سائر الجسد بغسل بعضه وقد دل على ذلك قوله: (( إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم اللّه فإنه يطهر جسده كله" ) ) ( [15] ) ."
بخلاف الاغتسال فإن الماء جار على الجسم كله فلهذا كان مستغنيًا عن التسمية.
الفرع الخامس: الترتيب في الغسل غير واجب عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف لأنه فعل واحد مختص بجميع البدن فهو كالعضو الواحد في الوضوء.
مسألة: فإذا أراد الجنب أن يغتسل من الجنابة فالمستحب له أن يقول: بسم اللّه. على جهة الذكر ولا ينوي بذلك التلاوة، ثم ينوي الاغتسال من الجنابة أو الغسل لأمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن أو دخول المسجد أو ينوي الصلاة أو غير ذلك، ثم يغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما [الإناء] ثم يغسل ما على من فرجه من الأذى ثم يضرب بيده على الأرض حتى تحمل التراب ثم يغسل فرجه ثم يضرب الأرض بها ضربة أخرى فيغسلها بما تحمل من التراب ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثم يتوضأ وضوء الصلاة إلا غسل الرجلين ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء فيحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء ثم يفيض الماء على سائر جسده ثم يدلك ما قدر عليه من بدنه ثم يدخل الماء في أصول الشعر من رأسه ولحيته. والأصل في هذه الكيفية ما روت عائشة وميمونة عن الرسول في كيفية الغسل من الجنابة قالت ميمونة: وضعت لرسول اللّه غسلًا يغتسل به من الجنابة فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثًا ثم صب الماء على فرجه فغسله بشماله ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ثم ضرب بيده على الأرض فحمل بها من التراب فغسل ( [16] ) به فرجه.
قالت عائشة: إن شئتم أريتكم أثر يد رسول اللّه في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة ثم إنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم صب على رأسه وجسده ثم تنحى ناحية فغسل رجليه ثم ناولته المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده ( [17] ) .
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: أن الرجل إذا كان جنبًا إما جامع فأنزل أو أولج فلم ينزل أو احتلم في ليل أو نهار فأنزل الماء فقد وجب عليه الوضوء والغسل جميعًا، فوجوب الوضوء لأجل الصلاة لقوله: (( لا صلاة إلا بوضوء" ) ). والغسل من الجنابة لما روي عنه أنه قال: (( فإذا فضخت الماء فاغتسل ) ). فهما شيئان مختلفان كما أوضحناه، وفيما يجزيه من ذلك مختلف فيه على مذاهب خمسه:"
المذهب الأول: أنه يجب عليه الوضوء والغسل جميعًا ولا يتداخلان، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، الهادي، والمؤيد بالله وهو اختيار السيدين أبي العباس وأبي طالب.
قال الهادي:والوضوء واجب على كل من أراد الصلاة. وهو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا"..} [المائدة:6] الآية إلى أخرها، وقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ."
ووجه تقرير هذه الدلالة هو: أن اللّه تعالى أوجب الوضوء على من أراد الصلاة وهو عبارة عن مسح وغسل مرتبًا، وأوجب الغسل على من كان جنبًا من غير ترتيب فيه، ولا شك أن إحدى الطهارتين مخالفة للأخرى فيجب أن لا تسقط إحداهما بالأخرى كحد الزنى والسرقة.
المذهب الثاني: إذا اغتسل بنية الجنابة وأَمَرَّ الماء على أعضاء الطهارة مرة واحدة من غير ترتيب أجزأه ذلك عنهما جميعًا فيتداخلان، وهذا هو الذي حكاه بعض أصحاب الناصر عنه، وحكي عنه أيضًا وجوب الوضوء. والمنصوص للشافعي أنهما يتداخلان، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] . ولم يفصل بينهما، وقوله لأمير المؤمنين: (( إذا فضخت الماء فاغتسل ) )ولم يأمره بشيء سواه ولأنهما طهارتان فتداخلتا كالحيض والجنابة.
المذهب الثالث: أنه يجب عليه الوضوء مرتبًا ويجب عليه غسل سائر بدنه ما خلا أعضاء الوضوء فلا يجب عليه تكرير غسلها لأنهما متفقان في الغسل مختلفان في الترتيب فتداخلا فيما اتفقا فيه، وعلى هذا يجزيه إمرار الماء على أعضاء الطهارة مرة واحدة لهما من غير تكرير وتجزيه نية الجنابة عن نية الوضوء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.
والحجة على ذلك هو:أنه إذا توضأ مرتبًا فقد أدى فريضة الوضوء وقد ارتفعت الجنابة بغسل هذه الأعضاء لأن المأخوذ عليه غسلها وقد غسلها بالتوضؤ فإذا غسل باقي جسده كان طاهرًا ولم يلزمه تكرير غسلها مرة ثانية.
المذهب الرابع: أنه يجب عليه أن ينويهما معًا ولا يجب عليه إلا إمرار اليد على سائر الأعضاء كلها من غير ترتيب، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.
والحجة على ذلك هي: أنهما عبادتان مختلفتان فيجب أن ينويهما جميعًا ويفصل بينهما في نيته كالحج والعمرة فيمن جمع بينهما.
المذهب الخامس: وهو أنه ينظر فيه فإن أحدث ثم اجتنب فعليه الوضوء والغسل جميعًا وإن اجتنب ثم أحدث كفاه الغسل عن الوضوء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.
والحجة: هو أنه إذا أحدث ثم اجتنب كان فيه طرؤ الأكبر من الطهارتين على الأصغر فلا يتداخلان، بخلاف ما إذا اجتنب ثم أحدث فإن فيه طرؤ الأصغر على الأكبر فوجب الحكم عليهما بالتداخل.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وهو وجوب الوضوء والغسل جميعًا.
والحجة عليه: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن اللّه تعالى ذكر حكم الجنابة وبيّن ما يجب فيها وذكر حكم الحدث وبيّن ما يجب فيه فلو كانا يتداخلان كان لا وجه لتخصيص كل واحد منهما بحكم يخصه، وما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: من اغتسل من جنابة ثم حضرت صلاة فليتوضأ لها ( [18] ) ، روى زاذان ( [19] ) عن ميسرة ( [20] ) أنه كان يفعل ذلك، وفي هذا دلالة على وجوبه.
الفرع الثاني: إذا تقرر كونه واجبًا بالأدلة التي ذكرناها فهل يكون وجوب فعله قبل الغسل أو بعده؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن فعله يجب أن يكون قبل الغسل، وهذا هو المحكي عن الناصر من أئمة العترة، ومروي عن أبي ثور من الفقهاء.
والحجة على ذلك:قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا"} [المائدة:6] ،الآية ولم يفصل بين أن يكون جنبًا أو محدثًا فالوضوء قبل الاغتسال واجب بظاهر الآية وفي هذا دلالة على أن الوضوء يقع وإن كان جنبًا وأن الجنابة غير منافية للقربة وأن بدن الجنب محل للقربة كالمحدث."
المذهب الثاني: أنه لا يجب إلا بعد فعل الغسل وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك هو:أن الوضوء على رأيه لا يقع إلا على طاهر البدن، وإذا كان الأمر عنده كما قلناه لم يجز الوضوء إلا بعد غسل الرجلين من الجنابة لتكون الطهارة كاملة وعند هذا يقع الوضوء بعد ذلك لما كانت الجنابة زائلة عنه. قال الهادي في (الأحكام) بعد ذكر الاغتسال. ثم يتوضأ للصلاة فإن الوضوء لا يقع إلا على طاهر البدن، ونص أحمد بن يحيى في (المفرد) على أن الرجل الجنب لا يتوضأ إلا بعد غسل قدميه أولًا.
والمختار: أن الغاسل مخير في تقديم وضوءه قبل الغسل لما رويناه من حديث ميمونة،وبين تأخيره بعد الغسل لما رويناه في حديث أمير المؤمنين وفعله وأن الوضوء كما يقع على بدن المحدث فإنه يقع على بدن الجنب وأن الجنابة غير منافية للوضوء وإنما الذي ينافيه هو الكفر فلا ينعقد الوضوء من جهة الكافر لعدم القربة كما مر بيانه، وقد ذكر القاضي أبو مضر من أصحابنا:أن ظاهر مذهب القاسم ويحيى يقتضي أن الجنابة غير منافية للقربة بالوضوء،وعلى هذا يصح الوضوء قبل غسل الجنابة.
وقال: وهو الذي يقتضيه رأي المؤيد بالله، فأما القاضي زيد من أصحابنا فقد قال: إن رأي الإمامين الهادي والقاسم يقتضي أن الوضوء لا يقع إلا على طاهر البدن، وما ذكره القاضي زيد هو الأقرب إلى بلاغة نصوص القاسم ويحيى لأن الهادي قد نص على ذلك وصرح به فلا وجه لأن يقال: إن مذهبه خلاف ما نص عليه، ولا يبعد أيضًا أن يكون رأي المؤيد بالله مثل ما اخترناه من جواز تقديمه وتأخيره وأن الوضوء يقع على بدن الجنب كوقوعه على بدن الطاهر، ويدل على ذلك أيضًا:هو أن الغرض الوصول إلى الصلاة بالوضوء، فهذا حاصل سواء كان قبل غسل الجنابة أو بعده من جهة أن قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] . ولم يفصل في ذلك بين تقدمه وتأخره عن الغسل فلهذا كان الوجه التخيير بين تقديمه وتأخيره.
الفرع الثالث: إذا كان الإجماع منعقدًا على استحباب الوضوء فإنما يكون ذلك على رأي من أوجب الوضوء بعد الغسل كما هو رأي الهادي وابنه أحمد، ويحمل حديث ميمونة على الاستحباب، ولهذا قال في (الأحكام) : الوضوء قبل الاغتسال مستحب وبعده فرض على من أراد الصلاة.
وقال في (المنتخب) : وهو أحب إلينا، يريد به الوضوء بعد الاغتسال. فخفف الأمر فيه، والرواية المعتمدة على رأيه هي رواية (الأحكام) وهو وجوبه بعد الغسل، فأما على رأي من أوجب الوضوء قبل الاغتسال كما هو رأي الناصر وغيره من الفقهاء فلا وجه لاستحبابه إذ لا قائل بتكرر الوضوء مرتين من غير فاصل بينهما.
ويحمل حديث ميمونة على الوجوب في تقديمه. وأما على ما أخترناه من كونه مخيرًا بين تقديمه وتأخيره فإن أخَّر الوضوء بعد الغسل كان واجبًا للصلاة واستحب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضًا وإن قدم الوضوء فلا وجه لاستحباب إعادة الوضوء لما ذكرناه من أنه لا قائل بتكرر الوضوء من غير فاصلة بين الوضوئين.
وأما من قال: بأن الوضوء يندرج تحت الغسل وتتداخل الطهارتان فلا مانع من استحباب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضًا عندهم والمتداخل عندهم إنما هو الوضوء الواجب دون المستحب فإن أتى به فقد أتى بما هو مسنون وإن تركه أجزأه الوضوء الواجب للصلاة.
الفرع الرابع: والمرأة فيما ذكرناه كالرجل، فإن كان لها ظفائر نظرت فإن كان الماء يصل إليها فيبُلَّها لم يجب عليها نقضها لأن المقصود حاصل وهو بَلَّ الطفائر والوصول إليها، وإن كان الماء لا يصل إليها إلا بنقضها وجب عليها نقضها لقوله: (( بلوا الشعر ) )وبله لا يمكن إلا بالنقض فلهذا وجب.
وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يجب عليها نقضها بكل حال.
وحجته على ما قاله قوله: (( بلوا الشعر ) )والبل لا يمكن إلا بنقضها فلهذا وجب.
وحكي عن الحسن البصري وطاوس: أنه يجب عليها نقضها في غسل الجنابة دون غسل الحيض لأن غسل الجنابة ثابت بالكتاب والسنة، وغسل الحيض إنما تقرر بالسنة لا غير، ولأن الرسول أكد الأمر في غسل الجنابة بقوله: (( بلوا الشعر وأنقوا البشر ) )ولم يذكر ذلك في غسل الحيض فلهذا قالا بالفرق بين الغسلين.
والحجة على ما قلناه: ما روي عن أم سلمة أنها قالت: إني امرأة أشد ظفر رأسي أفانقضه للغسل من الجنابة؟ فقال: (( لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء"فإذا أنت قد طهرت ) )وإنما لم يأمرها بنقضه لعلمه بأن شعرها خفيف غير مانع من وصول الماء إلى أصوله من غير نقض لأن شعور العرب خفيفة فإذا كان في رأسها حشو كما يفعلونه في حق العرائس من النساء ذوات البعول نظرت في حاله، فإن كان رقيقًا لا يمنع من وصول الماء إلى باطنه لم يلزمها نقضه ولا حله ولا اعتبار بأن يصل الماء إلى باطنه صافيًا غير متغير لأن تغير الماء على العضو غير مؤثر، وإن كان الحشو غليظًا يمنع من وصول الماء إلى باطنه وجب إزالته ليصل الماء إلى باطن الشعر لقوله: (( تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر ) ). وإن كان على الرجل شعر فحكمه حكم المرأة كما فصلناه."
الفرع الخامس: وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فعليها أن تنقض شعرها عند أئمة العترة وفقهاء الأمة وهكذا القول في النفاس بخلاف الجنابة فإنه على التفصيل الذي أسلفناه ولأن الحيض والنفاس أغلظ من الجنابة من جهة بعدهما عن الماء وانقطاعهما عن ملابسته في أكثر أوقاتهما.
والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي اللّه عنها أن النبي قال لها في الحيض: (( انقضي شعرك واغتسلي ) ) ( [21] ) . وهل يجب عليها ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه واجب وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي ورواه عن جده القاسم.
والحجة على ذلك: خبر عائشة وهو قوله: (( انقضي شعرك واغتسلي" ) )وهذا أمر منه والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة."
وثانيهما: أنه لا يجب وهذا هو الذي رواه النيروسي عن القاسم وهو اختيار السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهذا هو المختار أيضًا.
والحجة على [ذلك] هي: أنه غسل واجب على المرأة فلا يجب عليها فيه نقض شعرها كالجنابة ولأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر وهذا حاصل من غير حله فلهذا لم يكن واجبًا، فأما ما روته عائشة من الخبر فإنه محمول على الاستحباب لدليل القياس الذي ذكرناه.
الفرع السادس: ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيضها أو نفاسها أن تأخذ قطعة من مسك فتتبع بها آثار الدم، لما روته عائشة أن امرأة جاءت إلى الرسول تسأله عن الغسل من الحيض فقال: (( خذي فِرْصَةَ( [22] ) من مسك فتطهري بها" )) ( [23] ) "
فقالت: كيف أتطهر بها؟ قال: (( سبحان اللّه تطهري بها ) ). قالت عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد. فقلت: تتبعي بها آثار الدم، وذلك لأن دم الحيض والنفاس خبيث الرائحة يلحقه نتن وقذر فلهذا استحب تطييب المحل من أجل ذلك، فإن لم تجد مسكًا فطيبًا غيره، لأن المقصود هو إزالة الريح وهذا حاصل بغير المسك كحصوله به، فإن لم تجد طيبًا فالمستحب أن تأخذ قطعة من طين تتبع بها آثار الدم لأن رائحة الطين أطيب من رائحة الحيض ( [24] ) ،
فإذا حصل الطين مع الماء فإنه يكون مزيلًا للرائحة لا محالة.
الفرع السابع: ويجوز أن يتوضأ الإثنان والثلاثة من إناء واحد، لما روى أنس بن مالك قال: رأيت النبي أُتِيَ بوضوء في إناء فوضع يده في ذلك الإناء فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا فتوضأ الناس من عند آخرهم، وكانوا نحوًا من سبعين رجلًا، وهذا من جملة معجزات الرسول وهو أبلغ في الإعجاز من انفجار الماء لموسى من الصخرة لأن العادة جرت بخروج الماء من الأحجار ولم تجر العادة بخروجه من بين الأصابع فلهذا كانت أدخل في الإعجاز.
ويجوز أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لما روت عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه من إناء واحد ( [25] ) ،
ويجوز أن يغتسل الرجل ويتوضأ بفضل غسل المرأة ووضوءها خلافًا لأحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روت ميمونة أنها قالت: اجتنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت منها فضلة فجاء رسول اللّه ليغتسل بها. فقلت له: إني اغتسلت منه. فقال: (( الماء ليس عليه جنابة" ) )ثم اغتسل منه."
وحجة أحمد ما روي عن الرسول أنه قال: (( لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة" ) ). وهذا عندنا محمول على الكراهة، أو محمول على أنه قد أصابته نجاسة منها، ولأنه ماء فضل عن العبادة فجاز للرجل أن يتوضأ به كفضل الرجل، وعكسه الماء النجس. وجملة الأمر أن الفاضل من الماء على وجهين:"
أحدهما: ما نزل من أعضاء المتطهر في الغسل والوضوء وهذا هو الماء المستعمل وقد مر بيانه في المياه فأغنى عن الإعادة.
وثانيهما: ما يفضل في الإناء، وقد حكي عن أحمد: أنه منع من الإجزاء فيما يفضل من المرأة، وروي عنه الكراهة فيه لا غير. وحكيت الكراهة عن الحسن البصري وابن المسيب وإسحاق بن راهويه.
وحكي عن ابن عمر: أنه لا يكره فضل ما بقي منها إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا. وهذا كله لا وجه له. والوجه هو: الجواز كما هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة لما رويناه من حديث ميمونة وقد رواه أبو داود والبخاري في صحيحه وصححه الدار قطني في مسنده وغيرهم.
الفرع الثامن: وإن أدخل الرجل الجنب أو المرأة الحائض أيديهما في الإناء ولا نجاسة في أيديهما لم يضرهما ذلك، وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إن ادخل الجنب يده في الإناء لم يفسده، وإن ادخل رجله أفسده من جهة أنه زعم أن الجنب نجس لكنه عُفي عن يده لموضع الحاجة وبقيت رجله على الأصل في النجاسة، وهذا فاسد لما روى أبو هريرة، قال: لقيني الرسول وأنا جنب فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد ثم انسللت فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال: (( أين كنت أبا هر" ) )؟ فقلت: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا جنب. فقال: (( سبحان اللّه المؤمن لا ينجس ) ). وفي حديث آخر: (( المؤمن ليس بنجس ) ). وما ذكره من التفرقة بين اليد والرجل فهو خطأ لأن يده وجميع بدنه سواء في أنه لو أصابته نجاسة فأدخلها الماء فإنه يفسده كما لو أدخل رجله من غير فرق، فهذا ما أردنا ذكره فيما يجوز للجنب وما لايجوز [له] و [ما] يجب عليه فعله وبالله التوفيق."
( [1] ) هنا فراغ في الأصل يتسع لكلمة واحدة لعلها: فنقول.
( [2] ) هذا الحديث جاء ضمن رواية عائشة في وضف غسل النبي من الجنابة، أخرجه النسائي، والتأكيد واضح على المضمضة والإستنشاق عند الغسل من الجنابة إذ ورد ذكرهما في فعل رسول الله ضمن الأحاديث المروية في صفة غسله، ومنها ما روته عائشة وميمونة وعلي في حديث تعليم النبي لمن سأله عن غسل الجنابة. وفي (الانتصار) حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: (( المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة) كما سيأتي.
( [3] ) ولفظ الحديث: عن ميمونة قالت: وضعت للنبي ماء يغتسل به فأفرغ على يديه فغسلها مرتين أو ثلاثًا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكره ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثًا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه. هذه إحدى روايات البخاري ومسلم. اه (جواهر- هامش البحر 1/106) .
( [4] ) أخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: (( تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر...إلخ ) ).
( [5] ) في الأصل: الأنف وهو تكرار لعله خطأ من الناسخ.
( [6] ) رواه مسلم، وفيه روايات أخر، والحديث عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (( لا إنما يكفيك...الحديث ) ) (جواهر) 1/106.
( [7] ) أورده في (الجواهر-هامش البحر) 1/106 عن أبي هريرة.
( [8] ) الرَّفغ والرُّفغ أصول الفخذين من باطن وهما ما اكتنفا أعالي جانبي العانة عند ملتقى أعالي بواطن الفخذين وأعلى البطن، وهما أيضًا أصول الإبطين. وقيل: الرفغ من باطن الفخذ عند الأربية، والجمع أرفغ و أرفاغ ورفاغ. قال الشاعر:ـ
قد زوجوني جَيْأَلًا فيها حدب
دقيقة الأرفاغ ضخماء الركب
إ.ه لسان. والجَيْأَلُ: الضبع.
( [9] ) الحديث مروي عن علي أخرجه أبو داؤد بلفظه، ثم قال: فقال علي: فمن ثم عاديت راسي، قالها ثلاث مرات، وكان يجز [شعر] رأسه (الاعتصام) 1/250.
( [10] ) هذا من الأحاديث المشهورة. رواه زيد بن علي عن آبائه. راجع (الروض النضير) (الاعتصام) 1/245.
( [11] ) جاء في حاشية الأصل: فإن لم تصل يده إلى موضع جسده فعن المنصور بالله يجب عليه استعمال [ما يقوم مقامها] وعن الأمير شمس الدين وجوبه، فإن قطعت يده أو يبست فعن المنصور بالله يجب الإستعمال وعن بعضهم لا يجب.
( [12] ) في الأصل: الغسل، وهو سهو.
( [13] ) اعتبر المؤلف المضمضة والإستنشاق في عدد الواجبات الخمسة فرضين اثنين لا واحدًا كما جرت العادة.
( [14] ) هو الشيخ علي بن الخليل، وقد سبقت ترجمته.
( [15] ) تمام الحديث: (( ...وإلَّم يذكر اسم الله عليه لم يطهر إلآَّ ما مر عليه الماء ) )أورده في (شرح التجريد) . وجاء في غيره وبروايات أخر عن أبي هريرة وابن مسعود وهو في (الجامع الصغير) للسيوطي كما في (الاعتصام) 1/203.
( [16] ) أي: فمسح.
( [17] ) تقدم.
( [18] ) أورده في (الاعتصام) 1/253 عن (شرح التجريد) من رواية زاذان عن علي وليس فيه ميسرة. وجاء في (الأحكام) 1/57 للهادي عن أبيه عن جده: أن النبي أعاد الوضوء بعد الغسل من الجنابة، وهو رأي المذهب.
( [19] ) زاذان، وقيل: اسمه: دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زبان، وقيل: عبدالرحمن بن دينار، أبو يحيى القتات الكوفي الكناني، روى عن مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح، وعنه الأعمش وإسرائيل والثوري وأبو داؤد وسليمان بن قرم بن معاذ النحوي وغيرهم، ضعفه شريك وابن معين، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. ا ه ملخصًا نهذيب التهذيب 12/303.
( [20] ) جاء اسم ميسرة لأكثر من واحد من الرواة من الصحابة والتابعين، فهم مثلًا: أربعة في (تجريد أسماء الصحابة ص89) للذهبي، وخمسة في (التاريخ الكبير 7/377) وسبعة وثمانية في مراجع أخرى، منها: (الجرح والتعديل) 8/252، ونعتقد أن المقصود به هنا: ميسرة بن يعقوب أبو جُميلة الطهوي (بضم الجيم والطاء) الكوفي صاحب راية الإمام علي؛ لأن زاذان، روى عنه هذا الحديث ولأنه رواه عن علي كما روى أحاديث أخرى عن عثمان والحسن بن علي، وعنه ابنه عبد الله وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم، قال في التهذيب: وذكره ابن حبان في الثقات. ا.ه. 10/345.
( [21] ) أورده في (الروض) أن النبي قال ذلك لعائشة في حجة الوداع، وهو موضع خلاف بين الفقهاء في وجوب نقض الشعر في الغسل من الحيض والنفاس، فالموجبون استندوا إلى هذا الحديث، والقائلون بعدم الوجوب استندوا إلى حديث أم سلمة عندما سألت النبي فقال: (( يكفيك ثلاث غسلات ) )راجع (الروض) 1/115.
( [22] ) الفرصة بالفاء: القطعة من الصوف أو القطن. اه لسان العرب.
( [23] ) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي عن عائشة ان امرأة من الأنصار...إلخ. قال في (الاعتصام) 1/253 و (الجواهر) 1/108: واللفظ للبخاري ومسلم.
( [24] ) المقصود أن الطين يزيل رائحة الحيض، كما أوضحه في العبارة التالي.
( [25] ) رواه مسلم والنسائي بلفظين متقاربين عن عائشة.