اعلم أن لفظ الصلاة مقول على معان ثلاثة:
أولها: الدعاء، قال اللّه تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] أي: أدع لهم. وقال الشاعر:
عليكِ مثل الذي صليتِ فاعتمضي ( [1] )
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ"} [الأحزاب: 56] ."
وثانيها: الرحمة من اللّه تعالى، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ"} [الأحزاب:56] . لأن التقدير: إن اللّه يصلي وملائكته يصلون."
وثالثها: بمعنى الاستغفار وهي صلاة الملائكة. فصار إطلاق لفظ الصلاة على هذه المعاني الثلاثة الدعاء والرحمة والاستغفار. وهل يكون إطلاقها عليها على جهة الإشتراك أو على جهة التواطؤ؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن إطلاقها عليهما إنما هو على جهة الإشتراك؛ لأن هذه المعاني مختلفة وكل لفظ أطلق على معانٍ مختلفة فهو مشترك كلفظ القرء ولفظ الشفق.
وثانيهما: أن يكون إطلاقه على جهة التواطؤ لأنه يجمعها جامع معنوي كإطلاق لفظ الإنسان والفرس، فإطلاق لفظ الإنسان على أفراد متعددة كزيد وعمرو وبكر وخالد تجمعها الإنسانية، وهكذا لفظ الفرس فإنه يطلق على أفراد متعددة يجمعها جامع الفرسيَّة. فالصلاة من اللّه تعالى ومن ملائكته ومن المؤمنين يجمعها جامع معنوي وهو الإهتمام بأمر الرسول ÷.
والمختار: هو الأول، من جهة أن هذه الأمور الثلاثة مختلفة في أنفسها لا يجمعها جامع معنوي على حال ولو سوغنا هذا الجامع المعنوي الذي ذكروه وهو الإهتمام بأمر الرسول فما يعجز عن تقدير أمر معنوي في الألفاظ المشتركة فيلزم ألا يوجد لفظ مشترك وهذا فاسد. فصح إفادته لهذه المعاني بالإشتراك وهو مطلوبنا.
( [1] ) تمامه كما في حاشية الأصل:
يومًا فإن لجنب الحي مضطجعا
قلنا: هذا البيت من قصيدة للأعشى، يزيد عدد أبياتها عن 70 بيتًا، مطلعها:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا
واحتلت الغَمْرَ فالجُدَّين فالفرعا