الفصل الرابع
في بيان المفروض والمسنون منه
اعلم أن التيمم مشتمل على أمور بعضها مفروض وبعضها مسنون، ونحن نشير إلى كل واحد من النوعين ونقرره بدليله، وقد أشار اللّه تعالى إلى فروضه بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا"فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] . ونورد الفروض في صور المسائل ليتضح الكلام فيها."
مسألة: التسمية عند التيمم مشروعة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة؛ لأن التسمية بذكر اللّه تعالى مستحبة في سائر الأفعال كلها فضلًا عن العبادات، لقوله: (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر" ) ) ( [1] ) ."
وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة وهذا هو الذي ذكره السيد الإمام أبو طالب للمذهب.
والحجة على ذلك هو: أنها طهارة تستباح بها الصلاة فالتسمية فيها واجبة كالوضوء كما مر بيانه.
المذهب الثاني: أنها غير واجبة وهذا هو رأي الفرق الثلاث من الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: هو أن الوجوب حكم فلا يجوز إثباته إلا بدلالة ولا دلالة هاهنا تدل على وجوب التسمية، فلهذا قضينا بأنها مستحبة كما مر بيانه.
والمختار: أنها غير واجبة.
والحجة على ذلك: ما حكيناه ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ"} [المائدة:6] فذكر ما هو واجب ولم يذكر التسمية، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة لأنها لو كانت واجبة لذكرها لأنه في موضع تعليم الشرع."
الحجة الثانية: قوله لأسلع ولعمار حين علمهما كيف صفة التيمم، فضرب بيديه على الأرض ومسح وجهه وذراعيه ولم يذكر لهما التسمية فلو كانت واجبة لنطق بها.
الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه.
قالوا: طهارة تستباح بها الصلاة فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء.
قلنا: التيمم مفارق للوضوء من جهة أن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع له فلا يلزم من وجوب التسمية في الوضوء لدلالة خاصة، وجوبها في التيمم من غير دلالة تدل عليها فافترقا.
ومن وجه آخر: وهو أن التيمم طهارة تستباح بها الصلاة فلا تجب فيه التسمية كالغسل، ولأن التسمية إذا لم تكن واجبة في الغسل مع كونه أقرب إلى الوضوء فلأن لا تكون واجبة في التيمم أحق وأولى.
مسألة: النية مشروعة في التيمم لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"} [البينة:5] . والإخلاص في العمل بأن يقصد به وجه اللّه تعالى دون غيره، وقوله: (( الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى") ). وقوله: (( إنما الأعمال بالنيات ) ). فهذه الأدلة كلها دالة على أن التيمم تشرع فيه النية ويستحب أداؤه بها فلا خلاف في ذلك لأن من خالف في الوجوب لا ينكر كونها مشروعة في التيمم وأنه يكون أداؤه أفضل مع النية.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: النية قصد تقارن منويها كما مر تقريره في الوضوء، وهي مخالفة للإعتقاد في جنسها فإنها في ذاتها مخالفة للإعتقادات والظنون وتخالف العزم في وقتها دون حقيقتها؛ لأن العزم من جنس الإرادات والنية من جنسها أيضًا ولا تخالف العزم إلا في مقارنتها لمنويها بخلاف العزم فإنه يجب تقدمه على معزومه، ومن حقها أن تكون مقارنة لأول جزء من الفعل المنوي، ولا يجوز تقديمها ولا تأخيرها إلا لدلالة شرعية، والتيمم يجب مقارنته لها كما في الوضوء، وقد قدمنا تحقيق تقسيمها في الوضوء فأغنى عن إعادة أكثر تلك المسائل.
الفرع الثاني: هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة فيه وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية والناصرية والهارونية لا يختلفون في ذلك، وهو محكي عن الفرق الثلاث الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا"} [المائدة:6] والتيمم هو القصد إلى الشيء."
قال الشاعر:
سل الربع أنى يممت أم مالك
وهل عادة للربع أن يتكلما ( [2] )
ونحن لا نريد بالنية إلا القصد كما شرحناه من قبل.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه عبادة تبطل بالحدث فكان من شرط صحتها النية كالصلاة.
المذهب الثاني: أنها غير واجبة، وهذا شيء يحكى عن الحسن بن صالح والأوزاعي وزفر.
والحجة لهم على ما زعموه: قوله: (( التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ) )وقوله: (( التراب وضوء المؤمن ما لم يجد الماء" ) ). فهذه الأخبار كلها دالة على أن النية غير معتبرة في التيمم لأنه لم يشترطها في كونه مجزيًا للصلاة."
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وارتضاه الجلة من فقهاء الأمة وهو أنه لابد من اعتبار النية فيه، ويدل عليه ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا وهو أن التيمم عبادة يترتب عليها أذكار وأفعال فوجب اعتبار النية فيها كالإحرام.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه.
قالوا: الظواهر الشرعية من الأحاديث واردة في إيجاب التيمم من غير اشتراط النية فيه.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأن الآية قد أشارت بظاهرها إلى اشتراط النية وهي مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة فكان الإعتماد على الآية أحق وأولى.
وأما ثانيًا: فلأن الأخبار مطلقة والآية وردت مقيدة بالنية، والمطلق من حقه حمله على المقيد؛ لأنا إذا حملناه على المقيد كان فيه عمل بالدليلين جميعًا، وإذا عملنا على أحدهما دون الآخر كان فيه إبطال لأحدهما، فلا جرم حملنا الأخبار مع إطلاقها على كونها دالة على النية بمعناها حملًا لها على الآية لكونها دالة على النية بصريحها جمعًا بينهما.
قالوا: طهارة. فوجب أن لا تعتبر فيها النية كالطهارة من النجاسة والجامع بينهما كونهما طهارتين تقصدان من أجل الصلاة.
قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء بخلاف التيمم فإنه ليس طهارة بالماء فافترقا.
وأبطل ما يكون لقاعدة القياس الفرق، فإنه مهما كان مبطلًا للجامع بطل القياس ومن أجل ذلك كان العذر لأبي حنيفة في إبطال النية في الوضوء أدخل من عذر هؤلاء في إبطال النية قياسًا على طهارة النجس لما كان الوضوء مشاركًا للنجاسة في كونها طهارة بالماء بخلاف التيمم فإنه ليس طهارة بالماء، فلهذا كان ما قالوه باطلًا لما بينهما من المخالفة في جنس الطهارة.
قالوا: وصلة إلى الصلاة فلا تعتبر فيها النية كستر العورة.
قلنا: المعنى في الأصل هو أن ستر العورة واجب في الصلاة وفي غيرها، بخلاف التيمم فإنه لا يقصد إلا للعبادة فقط فافترقا، على أن هذا معارض بقياس مثله، وهو أن التيمم عبادة فوجب اعتبار النية فيها كالصلاة والحجّ، وما ذكرناه من الأقيسة فهي راحجة على ما قالوه من جهة أن النية معتبرة في أصل العبادات كلها والتيمم منها وما ذكروه من سقوط النية فيه توجب مخالفته كسائر العبادات. فمن أجل ذلك [كانت] اقيستنا أحق بالقبول، وممن قال بإسقاط النية في التيمم الشيخ أبو علي الجبائي وقد فسد بما أوردناه.
الفرع الثالث: في كيفية النية في التيمم للصلاة، وفيه مذاهب ثلاثة نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
المذهب الأول: أن النية تكون فيه من أجل رفع الحدث، وهذا هو الذي حكيناه عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة لهم على ذلك: هو أنها طهارة تقصد من أجل الصلاة فوجب أن تكون رافعة للحدث كالوضوء، وعلى هذا إذا تيمم فإنه يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل من غير تقييد ولا تبطل إلا بما يُبطل الوضوء ولا تنتقض برؤية الماء كالطهارة بالماء.
المذهب الثاني: أن النية لابد من أن تكون متعلقة بالصلاة وهو أن ينوي بالتيمم الفرض بعينه ولا يجوز أن ينوي به استباحة الصلاة ولا رفع الحدث ولا ينوي به الفرض على الإطلاق، وهذا هو رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ"} [المائدة:6] ثم قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا"} [المائدة:6] وتقرير هذه الدلالة هو أن اللّه تعالى اعتبر غسل هذه الأعضاء التي يكون القصد بها القيام إلى تلك الصلاة المعينة ثم عطف عليها حكم التيمم عند عدم الماء. فدل ظاهر الآية على أن النية لابد من أن تكون متعلقة بالصلاة التي قيم إليها على جهة التعيين في الوضوء والتيمم جميعًا وهذا هو المطلوب.
الحجة [الثانية] : ما روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا تصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم تيمم للصلاة الأخرى ( [3] ) .
وهذا فيه دلالة على أن النية لابد من أن تكون متعلقة بتلك الصلاة وليس ذلك إلا على الوجه الذي لخصناه.
المذهب الثالث: أن تكون النية فيه من أجل استباحة الصلاة، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا ما حكاه الجصاص من أصحابه فإنه قال: يحتاج إلى التعيين للصلاة، مثل مذهب الشافعي.
والحجة على ما قاله الإمامان ومن وافقهما، هو أن الوضوء طهارة كاملة تفعل في حال الرفاهية، والتيمم طهارة ناقصة تفعل في حال العذر والضرورة، فالوضوء لا محالة رافع للحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع للحدث، فلما كان الأمر فيه كما قلناه وجب أن تكون النية فيه من أجل استباحة ما كان محظورًا قبله ليكون ذلك تفرقة بين الطهارتين، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله والناصر وهو أن النية تكون فيه من أجل استباحة الصلاة، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن الوضوء والتيمم واجبان في سياق الآية التي تلوناها، وظاهر الآية دال على كونهما موضوعين لاستباحة الصلاة إذ ليس في ظاهر الآية ما يشعر بكونهما رافعين للحدث، لكن قام البرهان الشرعي على أن الوضوء رافع للحدث وبقيت الآية دالة بظاهرها على ان التيمم موضوع لإستباحة الصلاة، وهكذا حال الأخبار فإن ظاهرها دال على كون التيمم وضع بالشرع للإستباحة، فلا جرم قلنا إنه يجب أن ينوي به الإستباحة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
فأما من زعم أنه رافع للحدث وأنه يجب أن ينوي رفع الحدث لتكون النية مطابقة للمقصود منه فقد أفسدناه من قبل فأغنى عن الإعادة، وأما ما حكي عن الهادي والشافعي من أنه لا بد في النية من اعتبار تلك الصلاة بعينها ولا يجوز أن ينوي رفع الحدث اعتمادًا على أن آية الوضوء دالة على أنه لا بد من تعيين تلك الصلاة كما في الوضوء.
فعنه جوابان:
أما أولًا: فلانا لا نسلم أن الصلاة في الآية معينة وإنما المراد جنس الصلاة كأنه قال: إذا قمتم إلى ما يسمى صلاة.
وأما ثانيًا: فهب أنا سلمنا ما ذكرتموه في الوضوء لظاهر الآية فإنه دال عليه لكن لا نسلمه في التيمم لأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم فافترقا.
قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلى بالتيمم إلا فريضة واحدة، وفي هذا دلالة على أن النية في التيمم متعلقة بالصلاة كما قلناه.
قلنا: هذا فاسد، فإن مراد ابن عباس إنما هو كلام فيما تؤدى به وما لا تؤدى وليس في كلامه ما يشعر بأن قصده تعلق النية بالصلاة المعينة، فأين أحدهما عن الآخر؟ على أنه يحتمل أن يكون مذهبًا لابن عباس فلا يكون فيه دلالة على ما نحن فيه. فتقرر بما لخصناه أن تعلق النية في التيمم إنما هو استباحة الصلاة والله أعلم.
الفرع الرابع: الذي يأتي على رأي الهادي أنه لا يجزيه التيمم إلا إذا نوى صلاة بعينها فريضة كانت أو نافلة لأنه عنده غير رافع للحدث، ولا يجوز أن تؤدى به أكثر من فريضة واحدة ولم يخرج عن هذا إلا نافلة الصلاة فإنها مندرجة تحت الفريضة سواء تقدمت قبلها أو تأخرت عنها، والوتر في حكم النافلة للعشاء كما مر بيانه، فإن نوى استباحة الصلاة لم يكن التيمم مجزيًا له.
والذي يأتي على رأي المؤيد بالله أنه إذا نوى بالتيمم استباحة الصلاة أجزأه ذلك لكنه لا يؤدي به أكثر من فريضة واحدة ونافلتها لكن نية الإستباحة للصلاة كافية في كونه مجزيًا لأي صلاة على الإنفراد أداها.
والذي يأتي على رأي الناصر أنه إذا نوى استباحة الصلاة أجزأه لكنه على رأيه يجوز أن يؤدي به أكثر من فريضة واحدة ما لم ينتقض بنواقض الوضوء أو برؤية الماء وتجدد طلبه، فرأيه في كيفية النية كرأي المؤيد بالله خلا أنه يخالفه في جواز تأدية الفروض والسنن من الصلاة بتيمم واحد كما مر شرحه، والمؤيد بالله لا يرى ذلك.
فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن المختار ما قاله الناصر في المسألتين جميعًا:
إحداهما: جواز تأدية الصلوات الكثيرة بالتيمم الواحد فرضًا كانت أو نفلًا أو غير ذلك من أنواع القرب.
والثانية:أن المجزي من النية هو أن ينوي استباحة الصلاة.
الفرع الخامس: في بيان وقت النية، وإذا كانت النية واجبة فمتى يجب فعلها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن وقتها هو عند مسح الوجه، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله؛ لأنه أول عضو من أعضاء الوضوء فلأجل ذلك كان محلًا للنية كما قلناه في الوضوء أن وقت النية هو غسل الوجه، فنحرر ونقول: أول عضو من أعضاء الطهارة فوجب أن يكون محلًا للنية كالوضوء. فهذا تقرير كلام الناصر والمؤيد بالله.
وأما الهادي فليس يقيسه على الوضوء لأن أول أعضاء الطهارة عنده في الوضوء هو غسل الفرجين كما مر تفصيله لكنه يأخذه من ظاهر الآية وهو قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا"} [المائدة:6] . فإذا كان ظاهر الآية لابد من اعتبار النية فيه فيجب أن يكون محلها هو مسح الوجه إذ ليس قبله شيء من أعضاء الطهارة فيكون محلًا لها."
وثانيهما: أن يكون محل النية هو عند الضرب باليدين على التراب وهو الذي يأتي على كلام أحمد بن يحيى وأبي العباس؛ لأنهما يوجبان غسل اليدين عند إدخالهما الإناء وعلى هذه يكون محل النية عندهما في التيمم هو عند ضرب اليدين على التراب من جهة أن الضرب بالكفين على التراب بمنزلة غسل الدين قبل غسل الوجه فلهذا اقتضى ذلك على رأيهما.
والمختار: هو الأول لأمرين:
أما أولًا: فلأن مسح الوجه هو أول العبادة فلأجل ذلك كانت النية متعلقة بها.
وأما ثانيًا: فلأن وضع اليدين على التراب ليس جزءًا من العبادة ولا بعضًا من أبعاضها وإنما هو وصلة إلى العبادة ينزل منزلة نقل المطهرة ووضعها للوضوء فكما أن ما هذا حاله ليس محلًا للنية فهكذا وضع اليدين على التراب.
الفرع السادس: في تغيير النية وصرفها.
اعلم أنا قد ذكرنا فيما سلف حكم تغيير النية وصرفها في الوضوء. والذي نذكره ههنا هو صرفها وتغييرها في التيمم من جهة أنهما طهارتان تتفقان في أكثر أحكامهما.
فنقول: النية إذا وقعت في أول الفعل المنوي فمن حقها أن تكون جارية على جهة الموافقة من غير مخالفة فإذا نوى عند مسحه لوجهه استباحة الصلاة كما هو رأي المؤيد بالله والناصر، أو نوى الصلاة المعينة كما هو رأي الهادي والشافعي ثم غير نيته عند مسح اليدين نظرت، فإن كان مسحهما بنية التعفير بطلت لأنه لابد من اعتبار القربة في مسحهما فإذا مسحهما بنية التعفير كان مباحًا وفي ذلك بطلان القربة والواجب عليه أن يعود إلى مسحهما بنية القربة وهو استباحة الصلاة ولا يجب عليه العود إلى مسح الوجه لأنه قد مسحه بنية استباحة الصلاة، وإن كان مسحه لهما بنية قربة أخرى كأن يمسح الوجه بنية استباحة الصلاة ويمسح اليدين بنية استباحة قراءة القرآن أو دخول المسجد أو غير ذلك من القرب أو بنية صلاة أخرى، فعلى رأي الهادي والمؤيد بالله والشافعي أنه يعود إلى الموضع الذي غير فيه النية فيمسحه بالنية المطابقة لنية الوجه من جهة أن التيمم عند هؤلاء لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة بعينها، فلهذا وجب عليه العود إلى موضع التغيير لتكون النية و احدة في جميع أعضاء التيمم لتكون مجزية فيه، ويوضح ذلك أن تغيير النية إذا كان مبطلًا للوضوء مع كونه رافعًا للحدث فلأن يكون تغييرها مبطلًا للتيمم مع أنه غير رافع للحدث أولى وأحق.
وأما على رأي الناصر وهو قول أبي حنيفة، والمختار عندنا: فإنه إذا مسح الوجه بنية استباحة الصلاة ومسح اليدين بنية فرض معين أو مسح الوجه بنية فرض مطلق ومسح اليدين بنية فرض معين ففيه احتمالان:
أحدهما: أنه لا يجزي لنقصان التيمم وكونه طهارة ضرورية فلا بد من أن تكون النية فيه على جهة الإطراد من غير مخالفة؛ لأن الوضوء إذا كانت النية مؤثرة في صحته إذا كانت متغيرة فلأن تكون مؤثرة في صحة التيمم بالزوال والإبطال أحق.
وثانيهما: أنه يكون مجزيًا لأن التيمم الواحد يجوز أن تؤدى به أكثر من فريضة واحدة فإذا غيرت فيه النية مع استكمال القربة كان مجزيًا كالوضوء كما مر شرحه فإنه إذا غيرت فيه النية مع استكمال القربة فإنه يكون مجزيًا كما لو غير من فرض إلى فرض أو من فرض إلى نفل. وقلنا: مع استكمال القربة، نحترز به عما لو غيره من فرض إلى مباح فإنه يبطله لعدم القربة في ذلك.
الفرع السابع:في حكم النية في التيمم، ولها بالإضافة إلى الإجزاء أحوال سبعة ( [4] ) :
الأولى: أن ينوي رفع الحدث فلا يصح التيمم؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ولهذا فإنه يجب الوضوء أو الغسل على المحدث والجنب إذا رأيا الماء، وحكي عن أبي العباس بن سريج من أصحاب الشافعي أنه يرفع الحدث في فريضة واحدة، وقد قررنا دليله فأغنى عن الإعادة.
الثانية: إذا نوى استباحة الصلاة جاز وهو المختار على ما أوضحناه آنفًا، وإن نوى به الإستباحة عن الحدث وهو جنب أو عن الجنابة وهو محدث لم يضره لأنه غلط وذكر ما يستغنى عن ذكره.
الثالثة: أن ينوي بتيممه الفرض والنفل جميعًا على الإطلاق.
فالمختار: صحة تيممه، وقيل: يقتصر على النفل، وهو بعيد.
الرابعة: إذا نوى الفرض مطلقًا جاز له أن يؤدي به النفل على جهة التبعية.
الخامسة: إذا نوى النفل مطلقًا فهل يؤدي به الفرض؟ فيه تردد.
والمختار: جوازه ويجوز تأدية النفل به إذا كان معينًا.
السادسة: إذا نوى النفل المعين جاز له تأدية الفرض به والنفل جميعًا.
السابعة: إذا نوى به تأدية فرضين جاز ذلك على ما اخترناه من جواز تأدية أكثر من فرض واحد بتيمم واحد.
مسألة: ويجب مسح الوجه ولا خلاف فيه لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} ..الآية. ولأنه مسح وجهه، وفِعْلُه بيان لما أجملته الآية لحديث أسلع حين مسح وجهه بيانا له وتعريفًا له كيف يتيمم.
وهل يجب الإستيعاب للوجه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب استيعاب الوجه مسحًا وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن المؤيد بالله وأبي طالب وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} . وظاهره دال على الإستيعاب، ولأنه صلى الله عليه وآله مسح وجهه بكفيه، وظاهره دال على التعميم، ولأنها طهارة تفعل للصلاة فكان من شرطها تعميم وظيفتها كغسل الوجه.
المذهب الثاني: أنه لا يجب الإستيعاب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة فإنه قال: لو اقتصر على ربع الوجه في المسح جاز وهو ظاهر كلامه فإنه قال: يمسح وجهه أصاب ما أصاب وبقي ما بقي.
والحجة على ذلك: هو أن الخطاب بالمسح وفعله فيهما دلالة على ما قلناه من بطلان التعميم والإستيعاب لأن المسح خفيف الغسل وهو مفارقه إلا أن المسح يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ لأنها طهارة يتوصل بها إلى الصلاة فلا يكون من شرطها التعميم، كالمسح على الرأس.
والمختار عندنا: أن الإستيعاب غير مشروط في مسح الوجه.
والحجة على ذلك: هو أنها طهارة ضرورية شرعت عند إعواز الماء وعدمه، والمقصود هو الوفاء بالتعبد، فهذه الوظيفة في الخضوع والذلة بالصاق كرائم الوجوه بالتراب فإنها أعز الأعضاء والتراب أوضع ما يكون فلا جرم كان المقصود حاصلًا من غير استيعاب ولا تعميم في العضو كما أشرنا إليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: ظاهر الآية دال على الإستيعاب.
قلنا: لا نسلم بل هي دالة على مطلق المسح من غير إشارة إلى قيد من قيوده وهو حاصل من غير تعميم.
قالوا: إنه مسح وجهه بكفيه وفيه دلالة على الإستيعاب.
قلنا: هذا من الطراز الأول فلعله دال على مطلق المسح وليس فيه دلالة على الإستيعاب كما قلتم.
قالوا: طهارة تفعل للصلاة فكان من شرطها التعميم كغسل الوجه.
قلنا: نحن نقول بموجب قياسكم هذا فإنا لا نسلم الإستيعاب لما أصاب الكف دون مالم يصب وننكر ما قلتموه من وجوب التعميم لجميع الوجه والقول بالموجب يبطل القياس مع الإستمرار على الخلاف.
مسألة: وهل يجب تخليل اللحية وإيصال التراب إلى منابت الشعور كالحاجبين وأهداب العينين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول:تخليل اللحية بالتراب واجب، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله. والتخليل:هو إ دخال أصابع اليدين في شعر اللحية.
والحجة على ذلك:هو أن ما في أثناء تخليل اللحية من الشعر من الوجه وستره لا يوجب خروجه من الوجه فلهذا وجب إمساسه التراب بالتخليل ولأنها طهارة تقصد للصلاة فكان من شرطها تخليل اللحية كالوضوء.
المذهب الثاني: أن التخليل في اللحية بالتراب غير واجب وهو الذي يشير إليه كلام الناصر وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المشقة حاصلة بتخليل اللحية بالتراب فلهذا لم تكن مشروعة في التيمم، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"} [الحج:78] . وقوله: (( بعثت بالحنفية السمحة") ) ( [5] ) .
والمختار عندنا: ما حكيناه عن الناصر وغيره من أن تخليل اللحية غير واجب بالتراب لما ذكرناه من أن الطهارة بالتراب طهارة بدلية عن الماء قصد بها التخفيف عند عدم الماء وإعوازه وتعذر استعماله، وتخليل اللحية ينافي التخفيف في هذه الوظيفة، فلا جرم لم يكن مشروعًا ولأنه قد ذكرنا من قبل أن الإستيعاب في المسح غير واجب فهكذا تخليل اللحية أدخل في عدم الوجوب لأن عدم التعميم ترك جزء من أجزاء الوجه واليدين، وتخليل اللحية ليس فيه ترك جزء من أجزاء العضوين فلهذا كان أظهر في ترك الوجوب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه دلالة.
قالوا: تخليل اللحية من الوجه.
قلنا: لا نسلم لأن التخليل تفريق الشعر وليس جزءًا من الوجه، ثم إنا لو سلمنا كونه جزءًا فإجراء اليد بالمسح كافٍ عن التخليل فلا حاجة إليه.
قالوا: طهارة يقصد بها الصلاة فكان من شرطها التخليل كالوضوء.
قلنا: الوضوء طهارة أصلية، وطهارة التراب طهارة بدلية يقصد بها التخفيف، والتخليل ينافي التخفيف والتفرقة بينهما ظاهرة، على أن هذا الذي ذكرتموه قياس والأقيسة في العبادات منسدة لا تعقل معانيها لأنها أمور غيبية استأثر اللّه بأسرارها ودقائقها فتتعذر الأقيسة في تقرير أحكامها، فأما إيصال التراب إلى منابت الشعور كالحاجبين وأشعار أهداب العينين فلا أعلم قائلًا بوجوبه. أعني: أن يقصد المسح بالتراب، بل يكفي مسح الوجه العام، أما إيصال التراب إلى بادي العذارين والعنفقة والشارب، فالظاهر من كلام الهادي والمؤيد بالله وجوب ذلك كما ذكرناه، فأما إيصال التراب إلى باطن العذارين والعنفقة والشارب فالظاهر من كلام الهادي والمؤيد بالله وجوب ذلك كما ذكرناه في تخليل اللحية، وأما كلام الناصر وأبي حنيفة وعلى المختار الذي ذكرناه فلا يجب ذلك وهو القوي من قول الشافعي وله قول آخر بوجوبه، والمعتمد لنا ما ذكرناه من أن التيمم رخصة موضوعها التخفيف فلا يجب فيها ما فيه حرج ومشقة لأنه ينافي موضوعها.
مسألة: ويجب مسح اليدين لقوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} . ولا خلاف في وجوب مسحهما وإنما الخلاف في مقدار المسح من اليدين وفيه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أن مقدار مسح اليدين إلى المرفقين، والمرفقان قد فسرناهما في أعضاء الوضوء فلا نعيده، وهذا هو رأي الهادي ورواه عن جده القاسم ورأي الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ"} [المائدة:6] فالآية مجملة في مقدار اليد لكنها مبينة بخبر جابر وابن عمر وابن عباس وأبي أمامة أنه قال: (( التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين"إلى المرفقين ) ) ( [6] )
ويجوز بيان مجمل الكتاب بالسنة الواضحة لأن ظواهر الآي والأخبار كلها مرشدة إلى غلبات الظنون في الأحكام الشرعية كلها.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها طهارة بدلية يؤتى بها في محل مبدلها فكان حده فيهما واحدًا كحد الوجه.
المذهب الثاني: أن مقداره في اليدين إلى الزندين، وهذا هو المحكي عن الصادق والناصر ومروي عن علي وعطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
والحجة على ذلك: هو أن اسم اليد في عرف اللغة موضوع على الزند لأن ما قبله يقال فيه الكف وما بعده يقال الذراع والعضد، فيجب حمل الآية عليه، والزندان هما العظمان المتصلان بمفصل الكف ويقال له الرسغ أيضًا، والكوع هو العظم الشاخص تحت الإبهام، والكرسوع هو العظم المقابل للكوع تحت البنصر ( [7] ) .
الحجة الثانية: ما روي أن عمارًا سأل رسول اللّه كيف يتيمم، فأمره بأن يمسح وجهه وكفيه ( [8] )
وهو المقدار الذي ذكرناه فيجب الإعتماد عليه، والكفان حدهما الزندان فلا جرم كان التحديد بالزندين.
المذهب الثالث: أن حد التيمم في اليدين: المنكبان وهما العظمان اللذان تتصل بهما الترقوتان، وهذا هو المحكي عن الزهري ولم يحك عن غيره.
والحجة على ذلك: هو أن الآية دالة على مسح اليدين مطلقًا واليدان مقولتان في اللغة على الكف والذراع والعضد إلى المنكب فوجب حمل اليد على ما ذكرناه.
المذهب الرابع: أن المسح يكون إلى الذراعين وهذا هو المحكي عن ابن سيرين وابن المسيب.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول فرغ من قضاء حاجته فمر به رجل فسلم عليه فلم يسلم، ثم ضرب بيديه على الجدار ومسح كفيه وذراعيه ثم رد .
المذهب الخامس: حكاه بعض أصحابنا في شرحه ولم أعلم قائله؛ أن الواجب من مسح اليدين أربع أصابع.
والحجة على ذلك: هو أن الآية واردة بمطلق المسح فيجب حملها على أقل ما يطلق عليه المسح ومطلقه إنما يكون بالأنامل الأربع دون الإبهامين لأن مسح الأشياء إنما يكون بما ذكرناه، فلا جرم اكتفى بأقل ما يطلق عليه عملًا بالمتحقق من المفهوم من المسح كما يقال: مسحت ناصيته، ومسحت على رأسه وعلى وجهه، فهذه أقاويل العلماء في مقدار المسح من اليدين.
والمختار عندنا: ما قاله الهادي في الأحكام ومن تابعه، وهو محكي عن علي في إحدى الروايتين وعن جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم كابن عمر وجابر وعن جماعة من التابعين كالحسن البصري والشعبي وسفيان الثوري.
والحجة عليه: ما أسلفناه آنفًا ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي عن علي أنه قال في تعليم التيمم (( الوجه واليدان إلى المرفقين" ) ) ( [9] ) "
وهذا لا يقوله عن رأي واجتهاد و إنما ينقله عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه لأن الباب باب عبادة.
الحجة الثانية: أن التيمم طهارة عن حدث فيجب فيها استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حججًا على مخالفة ما اخترناه، أما من زعم أن مقداره إلى الزند فقد قالوا: الآية دالة على ما قلناه لأن عرف اللغة موضوع على الزند.
قلنا: عما أوردوه أجوبة ثلاثة:
أما أولًا: فلا نسلم أن اليد موضوعة على الزند وإنما هي موضوعة إلى المنكب على جهة الحقيقة وإن استعملت في الزند فإنما هو على جهة المجاز وعلى المرفق مجاز لكنا حملناها على مجاز المرافق لدلالة قامت وحجة وضحت فلهذا كان مجازنا أحق من حملها على مجازكم.
وأما ثانيًا: فلأنه لامستروح لكم في الآية لإجمالها وإنما المعتمد على ما أوضحها من الأخبار التي ذكرناها فيجب حملها عليه.
وأما ثالثًا: فلأن اسم اليد باق وإن قطعت من الكوع ولا يبقى اسم اليد إذا قطعت من المرفق وفي هذا دلالة على أن إطلاق إسم اليد على المرفق أصدق من إطلاق اسم اليد على الكوع والزند فبطل ما قالوه.
قالوا:روي أن عمارًا أمره [الرسول] أن يمسح وجهه وكفيه.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولًا: فلأنه قد روي أنه أمر عمارًا بأن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، وخبرنا دال على الزيادة فلهذا كان أحق بالقبول من خبركم الذي ليس فيه زيادة.
وأما ثانيًا: فلأن عمارًا لما تمرغ بالتراب حين نزلت أية التيمم أمره بما يقتضي التخفيف لما حمل نفسه المشاق بالتمرغ على جهة الاستحباب ثم أمره ثانيًا بالقدر الواجب وهو المرفقان.
وأما من زعم أن القدر في اليدين هو المنكبان فقد قالوا: الآية موضوعة على اليد، واليد إلى المنكب فيجب حملها عليه.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولًا: فلأنه لا قائل بهذه المقالة قبل الزهري، من الصحابة رضي اللّه عنهم ولا من جهة التابعين بعدهم وما هذا حاله يبطل لأن الصحابة والتابعين هم الغواصون في علوم الشريعة والمتبحرون في البحث عن أسرارها ولم يعهد عن أحد منهم هذه المقالة فلا جرم حكمنا ببطلانها.
وأما ثانيًا: فلأن الطهارة بالتراب طهارة ضرورية شرعت على جهة التخفيف وإيجابها إلى المناكب يخالف مقصودها في التخفيف فلا جرم قضينا ببطلان هذه المقالة.
وأما من زعم أن مقدار المسح في الكف والذراعين فقد زعموا أن ابن عباس روى أن الرسول فرغ من قضاء حاجته ومسح كفيه وذراعيه.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولًا: فلأن ما ذكروه إنما كان على جهة الاستحباب في التيمم لرد السلام وكلامنا إنما هو على جهة الوجوب لتأدية الصلاة المفروضة، فأحدهما بمعزل عن الآخر.
وأما ثانيًا: فلأنه أطلق مسح الذراع ولم يقدره بالنصف والربع والثلث، فظاهره التعميم إلى المرفق، وهذا هو مقصودنا، فإذًا لا فرح لهم فيما أوردوه لمطابقته لما قلناه.
وأما من زعم أن مقدار المسح من اليدين أربع أصابع فقد قالوا: إن الآية واردة بمطلق المسح فيجب حمله على أقل ما يطلق عليه المسح وأقله بالأنامل الأربع.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولًا: فلأنه إذا كان المقصود هو الاقتصار على الأقل فالأصبع الواحدة كافية في المسح فلا حاجة إلى التقدير بالأربع فتقديره بالأربع تحكم لا مستند له من جهة الشرع.
وأما ثانيًا: فلأن هذه المقالة لم تُحكَ عن أحد من الصحابة والتابعين، فلا جرم حكمنا ببطلانها لمخالفتها لأقاويل العلماء من غير أن تكون عليها دلالة شرعية.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: لو لطخ على وجهه ويديه بالطين المبلول لم يجزه؛ لأنه لا يقع عليه اسم التراب كما مر.
والحجة على ذلك: ما رواه عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن رجل في طين لا يمكنه الخروج منه، فقال: يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده فيتركه حتى يجف فإذا جف تيمم به، ولا يعرف له مخالف.
وإن خاف فوات الوقت قبل جفافه كان بمنزلة من لم يجد ماء ولا ترابًا، فهل يصلي على هذه الحالة أم لا؟ فيه تردد.
فحكي عن أبي حنيفة أنه تحرم عليه الصلاة ويقضي، وعن الشافعي أنه يصلي على هذه الحالة ويقضي، وعن مالك لا يصلي ولا يقضي.
والمختار عندنا: أنه يصلي ولا يقضي.
والحجة على ما قلناه: خبر أسيد بن حضير أنه أمره رسول اللّه في طلب قلادة لعائشة فحضرت الصلاة ولا ماء معهم فصلوا بغير طهارة فأتوا الرسول فسألوه عن ذلك فنزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم ولا أمرهم بالقضاء، ويحتمل وجوب الإعادة لان ما هذا حاله نادر وإنما لم يأمرهم الرسول بالإعادة لأن الإعادة على التراخي ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وقد تقدم في الفرع الحادي عشر من مسألة ما يستباح بالتيمم وهي آخر الفصل الثاني في فصول التيمم.
الفرع الثاني: وإن ألصق رجل على يديه ووجهه لصوقًا فإن كان نزع اللصوق يضره وأراد التيمم فإنه يمسح على اللصوق بالتراب وإن كان لا يضره نَزَعَهَا وتيمم، وهكذا الحكم في العصابة والجبيرة.
والحجة على ذلك:هو أن إزالة اللصوق فيه حرج ومشقة كما ذكرناه فلهذا سقط حكمه لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] .
وهل تجب عليه الإعادة إذا برأ؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا تجب عليه الإعادة وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنها تجب.
والحجة على ما قلناه: قوله: (( لا ظهران في يوم ) )ولأنه قد أدَّى الفرض على حكم الخطاب فلا تلزمه الإعادة كما لو كان صحيحًا.
الفرع الثالث: وإن قُطعت يده من الكوع وجب مسح الذراع إلى المرفق لأن الباقي موضع للفرض فلا يسقط بزوال الكف، وهكذا إذا قطع من وسط الذراع يجب مسح الباقي لما ذكرناه، وإن قطع من المرفق هل يتوجه مسح الباقي أم لا؟ فيه تردد، وظاهر مذهب أصحابنا وجوب مسحه إذا تيمم وهو محكي عن أكثر الحنفية.
والمختار: أنه لا يجب مسحه لأن مسحه إنما كان بإدخال الحد في المحدود، وهذا إنما يكون مع الإيصال للمحدود بالحد فأما مع القطع فلا وجه، وهو محكي عن زفر من أصحاب أبي حنيفة، ولأن المرفق اسم لطرف الذراع مما يلي العضد فإذا قطع بطل المرفق فلا وجه لمسح طرف العضد من غير دلالة.
الفرع الرابع:اليد الشلاء التي لا حراك بها سواء كان فيها حياة أو لم تكن، يجب غسلها في الوضوء ومسحها في التيمم للآية والخبر فإنهما جميعًا متناولان لها ولا أعرف قائلًا بخلاف ذلك، ولأنها كاملة في الخلقة وإن نقصت الحياة والقدرة فيجب مسحها كاليد الصحيحة، والأصبع السادسة يجب مسحها لأنها من جملة أصابع اليد لما ذكرناه من الأدلة الشرعية.
مسألة: والترتيب مشروع في عضوي التيمم للآية والفعل، أما الآية فقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ"} [المائدة: 6] . وأما الفعل فلما روي عنه أنه مسح وجهه ويديه، فظاهر الآية والفعل يدلان على أنه مشروع كما أشرنا إليه، وهل يكون واجبًا أم لا؟ فيه مذهبان:"
المذهب الأول: أن الترتيب واجب فيبدأ بالوجه ثم يردفه باليدين وهذا هو المحكي عن أئمة العترة ومروي عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وقتادة وأبي ثور وأبي عبيدة.
والحجة على ذلك: هو أنه تعالى قال عقيب قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ"} [المائدة:6] . فأوجب البداية بمسح الوجه لأن الفاء موضوعة للترتيب والتعقيب جميعًا عند أئمة الآدب من النحاة وأهل اللغة، وإذا وجبت البداية بالوجه دل على ما قلناه من وجوب الترتيب."
الحجة الثانية: فعله ، فإنه بيان لما أجملته الآية في المقدار فإنه بدأ بمسح وجهه وثنى بمسح يديه، والبيان يجب أن يكون مطابقًا للمبين فإذا كان الترتيب مرعيًا بالوجوب في المبين وجب في بيانه أن يكون كذلك من غير تفرقة بينهما.
المذهب الثاني:أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة ومروي عن مالك والثوري والأوزاعي.
والحجة على ذلك: هو أن نظام الآية مسوق بالواو، والواو موضوعة للجمع من غير ترتيب، وهو محكي عن سيبويه وغيره من النحاة كالمبرد والمازني.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وغيرهم من فقهاء العامة، والبرهان عليه ما حكيناه عنهم من الدلالة ونزيد هاهنا، وهو أن الطهارات أمور غيبية استأثر اللّه بأسرارها وقد بدأ رسول اللّه بمسح وجهه وثنى بمسح ذراعيه، وما فعله فلا يجوز تغييره خاصة في أسرار الطهارات فلا يجوز العدول عنه من غير دلالة.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم.
قالوا: الواو موضوعة بالحقيقة للعطف من غير ترتيب فلا يجوز العدول عن الحقيقة من غير دلالة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه قد نقل أنها حقيقة في الترتيب عن جماعة من أهل الأدب والنحاة فهو يعارض ما ذكرتموه.
وثانيهما: أنا لو سلمنا كونها مجازًا في الترتيب فإنما عدلنا إلى المجاز لما ذكرناه من الدلالة فلهذا عدلنا إلى القول بمجازها توفقة بين الأدلة، والمجازات في كتاب اللّه تعالى أكثر من أن تحصى واستعمال المجازات في القرآن أكثر من استعمال الحقائق فإذا حملنا الواو على مجازها في عدم الترتيب لم يكن بدعًا.
مسألة: والترتيب مشروع أيضًا بين اليمنى واليسرى لما قررناه من الأدلة الشرعية من الأقوال والأفعال فلا وجه لتكريره. وهل يكون واجبًا أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو قول أئمة العترة لا يختلفون فيه وهو رأي الإمامية.
والحجة على ذلك: هو ما دل على وجوب الترتيب بين الوجه واليدين فهو بعينه دال على وجوب الترتيب بين اليمنى واليسرى، وقد أسلفناه فلا وجه لتكريره.
المذهب الثاني: أنه مستحب وليس وا جبًا، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه فأما أبو حنيفة فإنه مخالف لوجوب الترتيب في الطهارتين جميعًا بين الأعضاء كلها.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ"} [المائدة:6] ولم يفصل في المسح بين اليمنى واليسرى."
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
والحجة على ذلك: هو أنه مسح يده اليمنى قبل اليسرى فيجب التأسي بفعله لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف:158] وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"} [الأحزاب:21] . ولن يكون التأسي إلا بأن يفعل مثل فعله على الوجه الذي فعله لأنه فعله، فعلى هذا يكون التأسي به، وقد قدم اليمنى على اليسرى في تيممه فلهذا وجب اتباعه فيه."
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.
قالوا:الآية دالة على بطلان الترتيب بين اليمنى واليسرى لقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ"} [المائدة: 6] . ولم يفصل في مسحهما."
قلنا: الآية مجملة في مقدار المسح وكيفيته، والفعل يكون بيانا للخطابات المجملة كالبيان بالخطاب فإنهما سيان في البيان، وقد أوضح التيمم بفعله بتقديم اليمنى على اليسرى فوجب الإنقياد لفعله كالإنقياد لأمره من غير فرق، فهذه جملة الفروض في التيمم قد ذكرناها بأدلتها وتفاصيلها وجملتها أمور سبعة:
أولها: إحضار التراب المطلق.
وثانيها: القصد إلى الصعيد.
وثالثها: نقل التراب إلى أعضاء التيمم.
ورابعها: النية للصلاة التي استباح بها.
وخامسها: مسح الوجه.
وسادسها: مسح اليدين.
وسابعها: الترتيب.
( [1] ) رواه أبو هريرة، وأخرجه أبو داؤد والنسائي وابن ماجة وأبو عوانة، والدار قطني وابن حبان وغيرهم. اه. (فتح الغفار 1/49) .
( [2] ) هو البيت الثالث من قصيدة مطلعها:
ألا هيَّما مما لقيت وهيَّما
وويحًا لمن لم ألق منهن ويحما
وهي قصيدة في حوالي 130 بيتًا للشاعر حميد الهلالي.
( [3] ) أورده في (الروض) عن ابن عباس قال: قال علي-يعني: الدارقطني-: الحسن بن عمارة ضعيف. اه، 1/470.
( [4] ) لعل الأقرب إلى الصواب (حالات سبع) لتتناسب مع قوله: الأولى... الثانية...إلخ.
( [5] ) جاء هذا في حديث طويل وبروايات وألفاظ عدة، منها ما رواه الترمذي وأبو داؤد عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله في سرية من سراياه، فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ما كان حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا، إلى أن قال: فذكرت ذلك لرسول الله فقال له النبي: (( لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكن بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة ) )وفيه من رواية عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله يومئذٍ: (( لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة ) ). اه. مسند احمد رقم الحديث 21460.
( [6] ) جاء في (الجواهر-تخريج أحاديث البحر) : قال في (الشفاء) : روى ابن عباس وابن عمر وجابر وأبو أمامة وأسلع بن شريك، أن النبي قال: (( التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين ) )ونحوه في (التلخيص) 1/147.
( [7] ) لعل الصواب: تحت الخنصر، وهي أولى الأصابع وأصغرها وتحتها يقع العظم المقابل للكوع، والبنصر بكسر الباء والصاد التي بين الوسطى والخنصر كما في اللسان، اه.
( [8] ) تقدم في كيفية التيمم.
( [9] ) هو في (شرح التجريد) و (الاعتصام) عن الهادي يحيى بن الحسين عن أبيه عن جده القاسم بسنده إلى علي أنه قال: أعضاء التيمم الوجه واليدان إلى المرفقين. وهو في (أصول الأحكام) . اه (اعتصام) 1/261، والحديث رواه الإمام زيد في مجموعه عن أبيه عن جده عن علي بلفظه.
قال في (الروض) : ذكره السيوطي في (جمع الجوامع) من مسند علي وقال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. اه 1/460.