فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 129

المرتبة الأولى: في اشتراط الإسلام في وجوبها

ولا بد من تقدم الإسلام لتكون الصلاة صحيحة من جهته، فأما الكافر إذا كان أصليًا فلا خلاف في كونه مكلفًا بتأدية المسائل الإلهية والأحكام العقلية نحو العلم بالله تعالى وصفاته، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز، والعلم بالحكمة والعلم بالنبوءة، إلى غير ذلك من أمور الديانة لأن مستندها إنما هو العقل لا غير. والكفار فعقولهم حاصلة فلهذا كلفوا بما ذكرناه، وهل يكون الكفار مخاطبين بالأحكام الشرعية نحو الصلاة والزكاة والحج والصوم؟ فيه مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أنهم مخاطبون بهذه الشرائع ومعاقبون على تركها في الآخرة إذا ماتوا على الكفر، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.

والحجة على ذلك: قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [المدثر:42-45] . ونحو قوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت:6،7] .

المذهب الثاني: أنهم غير مخاطبين بهذه الأعمال الشرعية ولا يأثمون بتركها ولا يعاقبون على تركها وهذا هو رأي أبي حنيفة.

والحجة على هذا: هو أن فعلها لا يصح منهم قبل الإسلام ولو كانت واجبة عليهم لوجب عليهم قضاؤها ( [1] ) .

المذهب الثالث: أنهم مخاطبون بترك المنهيات نحو ترك الزنا والقتل وسائر المناهي وغير مخاطبين بالمأمورات نحو الصلاة والصيام والحج.

والحجة على هذا: هو أن المقصود من المنهيات إنما هو الترك والإنكفاف عن فعلها، وهذا يمكن تأتِّيه من الكفار، بخلاف المأمورات فإنها عبادات يقصد بها وجه المعبود، وما هذا حاله فلا يعقل من كافر بل لا بد من تقدمة الإسلام ليمكن أن يقصد بها وجه اللّه تعالى.

والمختار: أنهم معاقبون على ترك هذه الأعمال كما يعاقبون على ترك الإسلام الذي هو شرط في صحتها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه، أن الواحد منا يعاقب على ترك رد الوديعة مع المطالبة كما يأثم ويعاقب على ترك السير لرد الوديعة لأنه وصلة إليها فكذلك هاهنا.

الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه.

قالوا: إنه لا يصح منهم فعلها مع الكفر فكيف يقال بأنهم يعاقبون على تركها.

قلنا: كما يعاقبون على ترك الإسلام فهم يعاقبون على تركها أيضًا لما كانت واجبة عليهم بشرط تقدم الإسلام، وأما من زعم الفرق بين المأمورات والمنهيات فهو فاسد أيضًا؛ لأنها كلها أمور شرعية لا يمكن معرفة قبح تركها وفعلها إلا بتقدم الإسلام فلا وجه للتفرقة بينهما.

وإن أسلم الكافر الأصلي لم يتوجه عليه قضاء ما تركه من الصلوات في حال الكفر سواء قلنا إنه مخاطب بفعلها أو غير مخاطب، لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال:38] . وقوله: (( الإسلام يجب ما قبله ) ) ( [2] )

ولا خلاف في هذا، ومن جهة أن إيجاب القضاء على الكفار فيه تنفير عن الإسلام.

وأما الكافر المرتد فإنه مخاطب بهذه العبادات من الصلاة والصيام لأنه قد التزم الإسلام ولا يصح منه فعلها في حال الردة من جهة أن الردة، تنافي الإسلام فإذا أسلم المرتد فهل يجب عليه قضاء ما فاته في حال الردة أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه لا يلزمه القضاء، وهذا هو مذهب الهادي وارتضاه السيدان الأخوان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

والحجة على هذا: قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال:38] وهذا عام في جميع الكفار. وهذا يقتضي أنه بعد الإنتهاء لا تبعة عليه فلو أوجبنا عليه القضاء لكان بمجرد إنتهائه عن الكفر غير مغفور له لأنه يكون مستحقًا للعقوبة بترك القضاء، والظاهر يمنع منه.

المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه القضاء وهذا هو المحكي عن الشافعي.

والحجة على ما قالوه: هو أنه قد التزم العبادة بالإسلام فيجب أن لا يسقط عنه بالردة، دليله حقوق الآدميين ولأنه تركها بعد التزام وجوبها فصار كالمسلم.

والمختار: ما قاله السيدان الأخوان تحصيلًا للمذهب. ويدل عليه ما قررناه ونزيد هاهنا وهو قوله لعمرو بن العاص: (( الإسلام يجب ما قبله ) )، وهذا يقتضي أن الإسلام قاطع لما قبله من التبعات إلا لدلالة قائمة على خلافه، ولأنه أرتكب معصية توجب إحباط العمل على وجه الجحود فوجب ألا يلزمه القضاء كالكافر الأصلي، ولأنه ترك الصلاة في حال الكفر فوجب ألا يتوجه عليه قضاؤها كالحربي، ولأنه بالردة قد حبطت جميع أعماله لقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر:65] . وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [المائدة:5] . فوجب أن لا يتوجه عليه القضاء كسائر الكفار من أهل الشرك.

الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.

قالوا:إنه قد التزم العبادةفيجب أن لا تسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولًا:فلأن المعنى في الأصل:كونه حقًا لآدمي،والعبادة حق لله تعالى.

وأما ثانيًا: فلأن اللّه تعالى أغنى الأغنياء عن كل حق يجب له، والخلق فهم فقراء إلى حقوقهم. فلا جرم كان حق الآدميين آكد من حق اللّه لما ذكرناه، ولهذا سقط حق اللّه لأجل إحباطه بالكفر دون حق الآدمي كالدين والوصية.

قالوا: ولأنه تركها بعد التزامها فصار كالمسلم.

قلنا: المعنى في الأصل أنه لم يعرض ما يسقط العبادة في حقه فلهذا وجب عليه قضاؤها بخلاف المرتد فإنه عرض في حقه ما يبطل العبادة وهي الردة فافترقا.

( [1] ) إذا أسلموا.

( [2] ) أورده في (مجمع الزوائد) ج1 ص31 وج9 ص351، وفي (فتح الغفار) : وهو لمسلم من حديث بلفظ: (( أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وان الحج يهدم ما كان قبله ) )ا ه‍ ج1 ص106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت