فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 129

القسم الثالث: في بيان من تكره إمامته في الصلاة

اعلم أن المكروه في لسان حَمَلَةِ الشريعة يطلق على معان:

أولها: أنه يطلق على المحظور فيقال بأن أكل الميتة مكروه والغرض تحريمه وهو أقلها إطلاقًا.

وثانيها: أن يطلق ويراد به ترك الأفضل كما يقال: ترك الصلاة في آخر الليل مكروه. على معنى أنه تارك لما هو الأفضل والأحق.

وثالثها: يطلق ويراد به التنزيه كما يقال: يكره الأكل بالشمال، والإستجمار باليمين. على معنى أنه ينبغي التنزه عما هذا حاله.

ورابعها: نقصان الثواب كما يقال: تكره الصلاة في الثوب المشبع صبغًا بالعصفر والورس على معنى أن ثوابها ناقص مع كونها مجزية، فهذه معان الكراهة.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأول: يكره أن يؤم الرجل قومًا وهم له كارهون؛ لما روى أبو داود في سننه أن الرسول قال: (( لا تقبل الصلاة من ثلاثة من رجل تقدَّم قومًا وهم له كارهون ورجل أتى الصلاة دبارًا ) ) ( [1] )

وله معنيان:

أحدهما: أن يريد في آخر وقتها. وثانيهما: أن يريد بعدما فرغ الإمام من الصلاة لتفريطه (( ورجل اعتبد محررًا ) ). وفي حديث آخر: (( لا يقبل الله صلاة رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون ولا صلاة امرأة زوجها عاتب عليها ) )أراد غاضب عليها (( ولا صلاة عبد آبق حتى يرجع ) ). فإن كان الرجل غير مصلح في أمر دينه فإنه يحرم عليه التقدم للصلاة؛ لما روى الترمذي في صحيحه عن الرسول أنه قال: (( لعن الله رجلًا أمَّ قومًا وهم له كارهون وامرأة بات زوجها عليها ساخطًا، ورجلًا سمع حي على الفلاح فلم يجبه ) ). وفي هذا دلالة على تأكيد أمر إستحباب صلاة الجماعة وظاهره دال على الوجوب والإعتبار بكراهة الأكثر فإن كره الأقل لم يكره لأن أحدًا لا يخلو ممن يكرهه، وإن نصب الإمام رجلًا من المسلمين يصلي بهم لم يكره وإن كرهوه كلهم لأنه قد رأى ذلك مصلحة ورأيه أولى من رأي الأكثر.

الفرع الثاني: وتكره الصلاة خلف من عليه صلاة فائتة. قال القاسم: لا يؤم من عليه صلاة فائتة. وحمله السيدان الأخوان على الكراهة، وهذا مبني على أن الواجبات المطلقة على الفور.

ووجه ذلك: هو أن من عليه صلاة فائتة لا يؤمن أن يكون قد أخل بقضائها مع تذكره لها لأن وقت قضائها مضيق عليه لقوله: (( من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها ) ). وروي: (( لا وقت لها غيره ) ). فيكون مخلًا بالواجب عليه فإذا لم يأمن ذلك لم يأمن أن يكون سبيله سبيل من ترك الصلاة عن وقتها، فلهذا قلنا: بأن الواجبات المطلقة لا تقتضي الفور في أدائها.

والمختار: أن الأوامر الشرعية ساكتة لا دلالة فيها على الفور ولا على التراخي إلا بدلالة منفصلة تدل على الفور أو التراخي وقد ذكرنا ما هو المختار في الكتب الأصولية.

الفرع الثالث: قال المؤيد بالله: ومن تاب من الفسق منذ يوم أو أكثر فإنه لا يجوز قبول شهادته حتى يعلم استمراره على التوبة، وأما الصلاة خلفه فإنها أخف حكمًا من الشهادة؛ وهذا جيد لأن كل من أَلِفَ مُلاَبَسَه الكبائر من الزنا وشرب المسكر وغيرها من الكبائر فإن الفطام عن المألوف عسير فلا يؤمن رجوعه إذا كان قريب التوبة، فأما إذا صدقت توبته جاز، وهذا إنما يعلم عند تطاول المدة فأما المدة القصيرة فلا يعلم ذلك فيها، فأما الصلاة خلفه فهي أخف حكمًا وإنما كانت أخف؛ لأنها حق لله تعالى بخلاف الشهادة فإن الغرض فيها اقتطاع مال فلابد من أخذ الحيطة باختبار أمره وخبرته بالأزمنة المتطاولة التي يعلم فيها صدق حاله فافترقا.

الفرع الرابع: وتكره الصلاة خلف التمتام، وهو الذي يكرر التاء فيقول في تبارك الله: تتبارك اللّه. وفي نحو نستعين: نستتعين يكررها. وخلف الفافاء وهو الذي يكرر الفاء فيقول: ففلله الحمد، والواوا وهو الذي يكرر الواو فيقول في نحو [وإياك] ووإياك لما يزيدون من الأحرف وهي زيادة غير مغبرة للمعنى، فلهذا كرهت الصلاة خلفهم، فإذا صلى المصلي خلفهم صحت صلاته لأنه أتى بزيادة مغلوب عليها. وتكره الصلاة خلف من في كلامه الغُنَّة وهي إشراب الحرف صوت الخيشوم والخُنَّة وهي أشد من الغُنَّة وهو إنما يكون في النون والميم فإذا كثرت كرهت وليست مفسدة لأنها زيادة لا تخل بالمعنى، فأما النون الساكنة نحو عَنْكَ فهي غنة لا محالة لا تنفك عن الغنة وإنما كلامنا في النون الصريحة والميم الصريحة إذا دخلتهما الغُنَّة والخُنَّة وليس فيهما غُنَّة ولا خُنَّة، فلهذا كرهت الصلاة للزيادة اللاحقة بها.

الفرع الخامس: فأما الأرتّ بالتاء المثناة الفوقانية، فهو الذي يدغم أحد الحرفين على الأخر ويُسقط أحدهما ومثاله: أن يقول: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أنعمت عييهم. فيحذف اللام ويبدل مكانها الياء المثناة التحتانية، وأما الألثغ بالثاء المثلثة الفوقانية فهو الذي يبدل حرفًا بحرف ثان يأتي بالثاء مكان السين، فيقول في نستعين: نثتعين وفي المستقيم المثتقيم ويقول في الطاس والكاس الطاث والكاث، وأنشد بعض الفقهاء:

وألثغ قلت له ما اسمه

فصرت من لغثه ألثغًا

أجابني بالغنج عباث

فقلت أين الطاث والكاث

وأراد اسمه عباس والطاس والكاس. وعن الفراء اللثغة بالثاء المثلثة الفوقانية، [والألثغ] : هو الذي يجعل الراء لامًا والضاد بنقطة من أعلاها ثاء بثلاث من أعلاها. وأما الأليغ بالياء المثناة التحتانية فهو الذي لا يبين الكلام، وأما العقلة بالعين المهملة والقاف فهو الذي ينعقل لسانه عند إرادة الكلام فلا يساعده على النطق بالكلام، وأما الأَلَتَّ بالتاء المثناة الفوقانية فهو الذي يجعل اللام تاء بنقطتين من أعلاها فيقول في أكلت: أكت وفي كلهم: كتهم، وأم العكلة بالعين المهملة والحكلة بالحاء المهملة فهي العجمة في جميع الكلام لا بالإضافة إلى حرف دون حرف بحيث يستبهم كلامه فلا يعرف منه شيء، فما هذا حاله يقال العكْلَة والحكْلَة. فهذه حملة الفسادات التي تلحق اللسان فإن ائتم بهؤلاء من هو على مثل حالهم صحت الصلاة كما إذا ائتم أُمي بأُمي مثله وإن ائتم به القارئ فسدت صلاته كما مرّ بيانه هكذا حكي عن الشافعي رضي الله عنه.

الفرع السادس: وكل من كان في لسانه عجمة بحيث لا يمكنه التكلم بالعربية نحو الروم والترك والحبشة ولم يكن الكلام ممكنًا له فإن صلاته صحيحة لنفسه على حد ما يمكنه من القراءة من القرآن لأن ما لا يمكنه فعله لا يكون مكلفًا به ولا يخاطب به لكن لا تصح إمامته إلا لمن كان على مثل حاله ولا يصح لمن كان أفصح منه كما قلناه في حق الأمي والقاريء، فأما إذا لم يكن الفساد من جهة الخلقة ويمكنه إيقاع الكلم على وضعه وحده فإنه إذا تركه كان تاركًا للواجب مخلًا به ويكون حكمه حكم من أخلَّ بالقراءة على الخلاف في تركها كما هو رأي نفاة الأذكار، وقد قدمناه ولنقتصر على هذا القدر في من تكره إمامته، وبتمامه يتم الكلام على الفصل الثاني والحمد الله.

( [1] ) جاء في هامش الأصل: قال ابن الأثير: دبار أي بعدما يفوت وقتها، وقيل دبار جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء، ومنه {وأدبار السجود} ويقال: فلان ما يدري قبال الأمر من دباره، أي ما أوله من آخره، والمراد أنه يأتي الصلاة آخر وقتها، ومنه الحديث: (( لا يأتي الجماعة إلا دبرا ) )ويروى بالضم والفتح، وهو منصوب على الظرفية، وحديث ابن مسعود: (( ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبرًا ) )وحديث أبي الدرداء: (( هم الذين لا يأتون الصلاة إلا دبرا ) )والحديث الآخر: (( لا يأتي الصلاة إلا دبريا ) )يروى بفتح الباء وسكونها، وهو منسوب إلى الدبر آخر الشيء، وفتح الباء من تغييرات النسب ونصبه على الحال من فاعل يأتي، ذكره في النهاية.

قال ا لجوهري:قال أبو زيد: فلا يصلي الصلاة إلا دبريًا بالفتح أي في آخر وقتها، والمحدثون يقولون: دبريا بالضم، ويقال أيضًا: شر الرأي الدبري، وهو الذي يسخ آخرًا عند فوات الحاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت