فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 129

المطلب الأول: في بيان جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل الخلافية والأحكام العملية

زعم جماعة من معتزلة بغداد أنه لا يجوز للعامي التقليد في المسائل الخلافية العملية، وقالوا: إن الواجب على العامي هو أن يعرف حكم الحادثة بدليل الشرع الموضوع له، ويحرم عليه التقليد، وحاصل هذه المقالة: إلحاق المسائل الفقهية بمسائل العقائد الدينية، وقالوا على أثر هذه المقالة: إنه إنما يجب عليه الرجوع إلى قول المفتي إنما كان ليعرفه طريقة النظر لا من أجل أنه يتبعه في قوله، إلى هذه المقالة ذهب الجعفران من المعتزلة: جعفر بن حرب \s"\c 3 ( [1] ) وجعفر بن مبشر \s"\c 3 ( [2] ) ، وأما الشيخان: أبو علي الجبائي وأبو عبدالله البصري \s"\c 3 ( [3] ) فقد فرقا بين المسائل الشرعية وقالا: إن كان في المسألة الشرعية دلالة قاطعة فإنه لا يجوز للعامي التقليد فيها، ويجب عليه إمعان النظر في تحصيله، وإن لم يكن فيها مسلك قاطع فإنه يجوز له التقليد فيها، وإلى هذه المقالة ذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من أصحاب الشافعي."

والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والنظار من الأشعرية، هو جواز التقليد في المسائل الشرعية مطلقًا للعوام ومن هو قاصر عن النظر كالنساء والعبيد، سواء كان فيها مسلك قاطع أو لم يكن.

وهذا هو المختار عندنا، والمعتمد فيه أنا نعلم قطعًا بتواتر النقل من جهة الصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا والذي وقع فيه الخلاف أنهم كانوا مسوغين للعوام العمل على أقوال المجتهدين من الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه كلفهم طلب الأدلة الغامضة، ولا يفرقون في ذلك بين ما كان فيه دليل قاطع وبين ما ليس فيه دلالة قاطعة في تسويغ العمل، وهذا ظاهر من عادة الصحابة ومن بعدهم من التابعين لا يختلفون فيه، وأيضًا فإنا لو كلفنا العوام النظر في المسائل ومعرفة أحكامها ومنعناهم عن التقليد، لاحتاج كل واحد منهم إلى معرفة ذلك وإدراكه والوقوف على حقيقته، وفي ذلك تكليفهم ما ليس في وسعهم، ويؤدي إلى اشتغالهم عن طلب المعاش وإبطال كل أعمالهم، وهذا ساقط لا يعول عليه، فثبت بما ذكرناه جواز تقليد العوام للعلماء وبطلان كونهم ناظرين في هذه الأدلة لما ذكرناه، وسواء كان من يقلدونه في المسائل العملية حيًا أو ميتًا إذا كان بالغًا درجة الاجتهاد، فإنه يجوز لهم ذلك، وحكي عن الجماهير من العلماء أنه لا يجوز تقليد الميت ولا العمل على رأيه، وأن تقليد الحي أولى وأحق، وزعموا أنه لا قول لميت، بدليل أن الإجماع ينعقد من دونه ولا ينعقد مع كونه حيًَّا.

ووجه آخر: وهو أن الميت لا يُدرَى حاله هل يكون مستمرًا على اجتهاده لو كان حيًا أو يكون راجعًا عنه، فالعمل عليه والحال هذه يكون عملًا على الشك وهو باطل.

والمختار عندنا: هو جواز العمل على رأي من مات من أهل الاجتهاد من علماء العترة وفقهاء الأمة، كأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (رحمهم اللّه تعالى) ومعتمدنا في الدلالة على ذلك أمران:

أحدهما: من جهة الضرورة، وحاصله أن الاجتهاد لما كان متعذرًا في زماننا هذا لقصور همم أهله عن بلوغ غايته، فلا جرم تحكم الضرورة بتقليد من سلف من الأئمة والفقهاء، إذ لو لم نقلدهم لأدى ذلك إلى بطلان التقليد في حق العوام، لشغور الزمان عمن يكون من أهل الاجتهاد، إذ لا خلاف في صلاحية من سلف من علماء العترة وفقهاء الأمة للاجتهاد، وكونهم من أهله، وأن أحدًا في زماننا هذا لا يلحق بأدناهم درجة في ورع ولا تقوى ولا نفوذ بصيرة، فلهذا كانوا أحق من غيرهم فضلًا عن جواز ذلك.

وثانيهما: أن الإجماع منعقد من أهل العصر هذا على جواز ذلك، والإجماع حجة في كل عصر من الأعصار، فلأجل هذا كانوا أحق وأولى بالتقليد، ووجه آخر: وهو قوله ً: (( من عام إلى عام ترذلون \s"\c 2 ) ) ( [4] ) فإذا كانوا على تكرار الأعصار وتخرم الزمان لا يزدادون إلا نقصًا في كل أحوالهم من جهة الدين والدنيا، كان من سلف أكمل منهم درجة وأعلى همة في جميع الأمور، فلا جرم قضينا بكون من سبق أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة؛ لأن كمالهم في العلم أكثر، واختصاصهم بالتقوى والورع أعظم وأوفر."

قوله: الميت لا يُدرَى حاله هل يرجع عن المسألة أم هو باق على القول بها؟ قلنا: الظاهر هو استمراره على القول بها التي مات وهو قائل بها وقد انقطع اجتهاده بموته.

قوله: الميت لا قول له في المسألة.

قلنا: هذا خطأ، فإن قوله معتبر في المسألة ولهذا فإن القوي أنه لا ينعقد إجماع مع مخالفته وإن كان ميتًا، ولا تعد المسألة إجماعًا مع خلافه، وفيه خلاف ذكرناه في الكتب الأصولية، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تقليد من سلف جائز من الأئمة والفقهاء، بل يكون أحق لما ذكرناه.

( [1] ) جعفر بن حرب الهمداني المعتزلي من معتزلة بغداد. قال المتوكل على اللّه (أحمد بن سليمان) : هو من شيعة المعتزلة المفضلين لعلي عليه السلام. ونقل السيد أبو طالب في (الإفادة) : إن جعفرًا دخل على القاسم بن إبراهيم فجاراه في دقيق الكلام ولطيفه، فلما خرج من عنده قال: أين يتاه بأصحابنا عن هذا الرجل؟ والله ما رأيت مثله. وله مصنفات كثيرة منها: كتاب (الإيضاح) و (نصيحة العامة) . توفي سنة 237هـ.

( [2] ) جعفر بن مبشر الثقفي المعتزلي البغدادي، عده المتوكل على اللّه من شيعة المعتزلة. قال في مقدمة الأزهار: وليس للجعفرين رواية في الحديث ولا ترجمة، وإنما شهرتهما في علم الكلام. توفي سنة 234 هـ.

( [3] ) هو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبدالله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي أحد أئمة الشافعية. قال في طبقات الشافعية: كان أعمى، وله مصنفات كثيرة منها: (الكافي) مات قبل سنة 320هـ، وأرخ الذهبي وفاته سنة 317هـ. ا.هـ (طبقات الشافعية ج1/94، وترجم له الشيرازي في طبقاته وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهما) .

( [4] ) أخرج نحوه الترمذي عن أنس مرفوعًا: (( ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت