الباب التاسع
في الحيض
والحيض مصدر من قولهم: حاضت المرأة تحيض حيضًا، مثل: ضرب يضرب ضربًا، وأما المحيض فهو مَفْعِل بكسر العين كالمسير والمقيل، هذا لفظه، واختلف في معناه على ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: أنه للمكان كالمبيت، والغرض به مكان الحيض وهو الفرج.
والقول الثاني: أنه زمان الحيض كما يقال: منتج الناقة أي زمان نتاجها.
والقول الثالث: أنه مصدر كلفظ الحيض والعبارة في كتاب اللّه تعالى بلفظ: المحيض، والعبارة في السنة بلفظ: الحيض، وهما عبارتان تقعان على معنى واحد، هذا معناه اللغوي، وهل يكون باقيًا على أصل اللغة أو يكون منقولًا بالشرع، فيه تردد.
والمختار: أنه قد صار مفيدًا لمعان شرعية دلالة على أحكام البلوغ في حق المرأة وعلة في أحكام نحو تحريم الوطئ وتحريم العبادات الشرعية فصار في وضع لفظه كوضع لفظ الصلاة والزكاة في كونها شرعية.
والمختار: أنه إسم مشترك بين زمان الحيض ومكان الحيض وإسم الحيض لأنه مفيد لهذه المعاني على جهة الإشتراك مستعمل فيها أجمع على جهة البدلية كسائر الأسماء المشتركة. والأصل في تقرير قاعدة الحيض الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً \s"\c 1 فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222] ."
وأما السنة: فقوله ÷ لعائشة وقد خرجت تريد الحج معه ÷، فلما كانت بسرف ( [1] ) حاضت فدخل رسول اللّه ÷ وهي تبكي فقال لها: (( مالك أنفست \s"\c 2؟ ) )فقالت: نعم. فقال: (( إن هذا أمر كتبه اللّه تعالى على بنات آدم فأقضي ما يقضي الحاج غير أنك لا تطوفين بالبيت ) ) ( [2] ) ."
وأما الإجماع: فمنعقد على تحريم الوطء وسائر العبادات، وسنقرر تفاصيل أحكامه بمعونة اللّه تعالى.
فإذا تقررت هذه القاعدة، فاعلم أن مقصودنا من هذا الباب يحصل بأن نرسم فيه فصولًا خمسة بها نحصل الغرض من حصر مسآئله ونحن نوضحها بلطف اللّه تعالى ومنه.
( [1] ) سرف بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء. قال ياقوت في معجم البلدان: موضع على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة وتسعة واثني عشر. اه. 3/212.
( [2] ) أخرجه مسلم والبخاري عن عائشة، ورواية عن أم سلمة.