فالذي يفتقر إلى النية من الطهارات، هو التيمم والوضوء والغسل عندنا على اختلاف فيه بين الفقهاء سنذكره في موضعه ونوضح المختار بمعونة اللّه تعالى.
والذي لايفتقر إلى النية، هو غسل النجاسة.
وإنما كان تقسيمها باعتبار النية تقسيمًا راجعًا إلى ذاتها ، من أجل أن الطهارة [حكم] اسميٌّ شرعي كما مر تقريره من قبل، فلما كان لاحكم للطهارة من غير نية، لمَّا كان الشرع قد اعتبر فيها النية، فلأجل هذا كانت من غير نية لا صورة لها ولاتوجد حقيقتها، فمن ثم كان ذلك راجعًا الى الذات.
واعلم أن النية هي العزم. يقال: نويت السفر إذا عزمت عليه. والنية القصد. يقال: إلى أين نيتك؟ والغرض إلى أين قصدك. وعينها واو، واشتقاقها من النوى وهو البعد؛ وإنما سميت بذلك لكونها غائبة عن الناس، ولكونها في القلب مستورة. وأنشد الجوهري \s"\c 3 ( [1] ) :"
صرمت أميمة خلتي وصِلاتي
ونوت ولما تنتوي كنواتي
أي ولم يكن قصدها قصدي، ولا كانت عزيمتها مثل عزمي في المودة وحسن المواصلة ولزوم الإخاء، ولها ( [2] ) موقع عظيم في العبادات الشرعية، لما روي عن عمر رضي اللّه عنه عن النبي ً، أنه قال: (( إنما الأعمال بالنيات \s"\c 2 \s"\c 2 ) ) ( [3] ) . ولايكون العمل صالحًا إلا بها ولا مقبولًا إلا معها، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( لا عمل إلا بنية \s"\c 2 ) ) ( [4] ) . فظاهر الخبر دال على أن ماليس معه نية من الأعمال فهو مردود، وهي أفضل الأعمال لما روي عن النبي ً أنه قال: (( نية المؤمن خير من عمله \s"\c 2، ونية الفاسق شر من عمله ) ) ( [5] ) وهذا الخبر له معان خمسة:
المعنى الأول: أن العمل متناول للأفعال الظاهرة القولية والفعلية، ولا شك أن ما هذا حاله فإنه يدخله الرياء، بخلاف النيات فإن محلها القلوب ولا يطلع عليها الخلق ولا يكون فيها رياء، وعمل قليل بعلم أفضل عندالله من عمل كثير بجهل ورياء، فلأجل هذا كانت النية أفضل من العمل.
المعنى الثاني: أن يكون مراده عليه السلام من ذلك أن العمل مفتقر إلى النية، بحيث لو خلا عنها لكان لا وزن له عند الله تعالى، بخلاف النية فإنها غير مفتقرة إلى العمل، فالنية يُؤْجَرُ عليها بمجرد فعلها، بخلاف العمل فإنه لا يؤجر عليه ولا يكون مستحقًا للثواب عليه إلا بانضمام النية إليه، فلهذا كانت خيرًا من العمل لهذا الاعتبار.
المعنى الثالث: أن المراد من قوله: نية المؤمن خير من عمله، على معنى أن المؤمن قد ينوي الفعل ولا يتفق له العمل، فيحصل له الثواب على مجرد النية وهي أسهل من العمل، بخلاف العمل فإنه لا يحصل إلا بتكليف ومشقة في فعله، فيكون المعنى بكونها خيرًا أنها أسهل مؤنة وأخف محملًا، بخلاف الفعل فإن فيه من المشقة ما ليس فيها، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن النبي ً أنه قال: (( إن المؤمن إذا نوى خيرًا كتبت له حسنة \s"\c 2 فإذا فعله كتب له عشر حسنات ) )."
المعنى الرابع: أن هذا الحديث وارد على سبب خاص، وهو أن الرسول ً، ذُكِرَ له صلاةُ بعض المنافقين وأنه طول فيها قنوته، فقال الرسول ً: (( نية المؤمن خير من عمله ) )، أي من عمل الكافر، فالضمير في عمله راجع إلى الكافر؛ لأنه لا ثواب له على صلاته، وأراد أن نية المؤمن على قلتها وصغر قدرها وخفة مؤنتها، خير من عمله وإن كان شاقًا يحتاج إلى مؤونة كثيرة، كما روي عن النبي ً أنه قال: (( إن اللّه خلق آدم على صورته \s"\c 2 ) )، فالضمير في صورته راجع إلى آدم، وقد غلط فيه بعض المجسمة الحشوية فأعاد الضمير إلى اللّه تعالى."
المعنى الخامس: أن المراد من ذلك: أن نية المؤمن وإن كانت قليلة في عددها، فهي خير من جملة عمله وإن كان كثيرًا، فتكون الفائدة في ذلك أنها مساوية للعمل في كونه عبادة وفي كونه مستحقًا عليه الأجر والثواب، فهذه المعاني كلها يحتملها الخبر ويدل عليها كما أشرنا إليه.
( [1] ) هو أبو نصر إسماعيل الجوهري، ولد في فاراب، من أصل تركستاني في نيسابور حوالي سنة 400هـ، وارتحل إلى العراق ودرس اللغة العربية وأخذ عن أئمتها في القرن الرابع. له مؤلفات منها: الصحاح، ومختصره (مختصر الصحاح) . ا.هـ. الموسوعة الإسلامية ج5/148.
( [2] ) أي النية.
( [3] ) عن عمر قال سمعت رسول اللّه ً يقول: (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ). أخرجه الستة إلا الموطأ. وهذا الحديث أول حديث في كتاب البخاري. ا.هـ. بحر. ونقل في الهامش أنه ورد في الموطأ برواية محمد بن الحسن.
( [4] ) روي عن علي عليه السلام قال: قال رسول اللّه ً: (لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة) . ذكره في البحر وأشار إلى ذكره في أصول الأحكام والشفاء، وفي التلخيص موقوفًا على الحسن البصري مع اختلاف في لفظه، وأورده في الاعتصام عن شرح التجريد بلفظه.
( [5] ) رواه الطبراني في الكبير، وفي الفوائد للشوكاني، وجاء بلفظ: (( نية المؤمن أبلغ من عمله ) )رواه الزبيدي في الإتحاف، وأضاف: (( ونية الفاجر خير من عمله، وعمل الكافر خير من نيته ) )وكذا في مجمع الزوائد للهيثمي.