اعلم أن هذه المقدمة تمس إليها حاجة الخائض في الأبواب الفقهية؛ لأنه لا يزال يردد نظره ويكرره في مذاهب المجتهدين ومعرفة مستنداتهم فيها.
وقبل الخوض فيما نريدهُ من ذلك نذكر ماهية المذهب وحقيقته، وهو: كل اعتقاد صادر عن دلالة أو أمارة أو شبهة أو تقليد، فمتى كان الاعتقاد صادرًا عما ذكرناه فهو مذهب لصاحبه، ولهذا فإن اعتقاد حدوث العالم وإثبات صانعه، مذهب الموحدة من أهل الإسلام، واعتقاد من خالفهم في ذلك مذهب الملاحدة والدهرية وغيرهم من الفرق الكفرية لما كان صادرًا عن شبهة فاعتقدوهُ لأجلها، واعتقادات المجتهدين لما ذهبوا إليه من مذاهبهم في التحليل والتحريم، تصير مذاهب لهم لما كانوا محصلين لها عن الأمارات. وهكذا حال المقلدة فإنها مذاهب لكونها صادرة عن اعتقاد التقليد، فصار المذهب لا يكون مذهبًا إلا بما ذكرناه من الاعتقاد، ولهذا [فـ] إن ما كان صادرًا عن العلوم الضرورية لا يكون مذهبًا، وإن كان من جملة الاعتقادات لما لم يكن العلم الضروري من فعله، فصار المذهب يكون مذهبًا لاستناده إلى الاعتقاد من فعله، فلا بد من اعتبار هذين الوصفين في كونه مذهبًا.
فإذا عرفت هذا، فلنذكر الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد، ثم نردفه بكيفية التخريج على مذهبه، وحكم القولين في المسألة، فهذه مباحث ثلاثة تختص ما نحن فيه وبعدها تفاصيل يليق ذكرها بالكتب الأصولية، ولكنا نورد ما يكون عونًا للفقيه على إحراز مذاهب المجتهدين وأقاويلهم وكيفية إحرازه لها بمعونة اللّه تعالى.